رأي

"ابتزاز" يكافح الفساد

"ابتزاز" يكافح الفساد

حسن حامد سرداح

في واحدة من غرائب مكافحة الفساد في العراق، أن أحد المستثمرين ويملك مجمعات سكنية ومشاريع متعددة في بعض المحافظات، وتوفر مئات من فرص العمل، تعرض للابتزاز من قبل أحد أعضاء لجنة مكافحة الفساد التي شكلها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، فقد تم تخييره بين دفع الاموال او اضافة اسمه في قائمة المرشحين للاعتقال، على الرغم من حصوله على شهادات من مختلف مؤسسات الدولة تثبت سلامة ملفه من الفساد والاحتيال على "عباد الله"، ما أجبره على التفكير بايقاف جميع مشاريعه وتسريح العاملين فيها ومغادرة البلاد، حفاظا على حياته وما سيتبقى مِن امواله، لكن تدخل بعض الجهات التي عملت على ابعاد ايادي اللجنة عنه تعهدت له بعدم الملاحقة، جعلته يتراجع عن قراره ويعود لممارسة اعماله.

 

هذه واحدة من قصص اللجنة التي سُميت بمكافحة الفساد، ما يكشف عن شكل المشاريع التي يمتلكها المستثمر والايدي العاملة التي تعتاش عليها في حال مغادرته البلاد مع امواله للاستثمار في بقعة اخرى على ارض المعمورة، توفر له الحماية وحرية العمل بعيدا عن الابتزاز، ترى هل ستتكفل اللجنة "الموقرة" باعانة عوائل العاملين بعد تحولهم لارقام في ملفات العاطلين عن العمل؟، وهل ستجد اللجنة من يجازف بامواله لاكمال المشاريع السكنية والخدمية التي ستتوقف؟، ابدا فالاجابة واضحة في حكومة لا تجيد سوى خلق الازمات.

 

منذ الايام الاولى لتشكيل تلك اللجنة كانت لدينا العديد من الملاحظات على عملها وعلى قيادتها من قبل شخصية مشكوك في نزاهتها وهو أحمد ابو رغيف، حتى بدأت الصورة تتضح حينما استثنت من عمليات المحاسبة شركات مرتبطة بأحزاب سياسية، ومنها العاملة في مجال النفط والتي تتوافر جميع الادلة على فسادها من خلال ملفات لا تعد ولا تحصى، لا يحتاج البحث عنها سوى التدقيق في عمليات تصفية ونقل النفط الخام، فشركات كار وقيوان المرتبطة باحزاب السلطة في اقليم كردستان، فسادها ازكم الانوف، وتلاعبها بمقدرات "العباد" موثق لدى جميع اجهزة الدولة الرقابية التي وصلت لتهريب النفط بشكل علني وغيرها العديد من الشركات والمصارف المرتبطة بأحزاب سياسية وقيادات تقدم نفسها نموذجا للنزاهة وهي تبتلع المليارات من الدنانير في عمليات مشبوهة أبرزها مزاد بيع الدولار، لكن الغريب لماذا لم تتحرك "لجنة ابو رغيف" لمتابعتها واكتفت باعتقال اضعف الحلقات في بعض المؤسسات والتي حاولت من خلال "حفلات" التعذيب التي تمارسها تقديمهم "كبش" فداء لزعامات الفساد ومافيات تهريب الاموال، وهذا موثق بشهادات عوائل المعتقلين التي لا يمكن انكارها على الرغم من خروج رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في احد مؤتمراته نافياً اجبار المحتجزين على الاعتراف تحت التعذيب، متهماً جميع من ينقل تلك الروايات "بالكذب".

 

وفي متابعة دقيقة يمكن الوصول للحقيقة التي "اغمض" الكاظمي عينيه عنها، حينما كشف النائب السابق رحيم الدراجي عن استخدام محققي اللجنة اسلوباً "رخيصاً" مع مدير شركة (كي كارد) بعد تخييره بين الاعتراف او المجيء بشقيقته واغتصابها امامه، ليصدر بعدها بيان باسم المعتقلين الذي وصل عددهم حتى الان الى 26 شخصا، قبل ان يفرج عن 14 منهم بكفالة، نقلته عوائلهم يهددون بالاضراب عن الطعام بسبب استمرار عمليات التعذيب، ورفض اللجنة لقائهم بمحامي الدفاع او الاستماع للشهود وكأنهم من السجناء السياسيين، ليصفوا ما يحدث لهم بانه اشبه بمحكمة الثورة في عهد النظام السابق التي يعرفها "قادة السلطة اليوم" افضل مِن غيرهم، لكون المحاكمات فيها لا تستغرق في احسن الاحوال نصف ساعة باعتبار ان المعتقلين معادون للنظام السياسي، لتنقل بعدها لجنة تحقيق شكلها مجلس النواب لمتابعة شكاوى المعتقلين وعوائلهم، تجاوزات عديدة ارتكبتها "لجنة ابو رغيف" ابرزها تشكيل محكمة خاصة في مخالفة واضحة للمادة الخامسة والتسعين مِن الدستور التي تحضر انشاء محاكم خاصة او استثنائية.

 

بالمقابل نجد فريق الكاظمي "الدعائي" يحاول بجميع ادواته المقروءة والمرئية "تلميع" صورة تلك اللجنة مِن خلال تبريرات "غبية" بالامكان استخدامها كادلة ادانة، فهؤلاء يتحدثون عن بطولات المحققين ويتفاخرون بانها تجري في قصر النهاية، الذي يتخذه جهاز المخابرات مقرا له منذ عهد رئيس النظام السابق صدام حسين، ومازالت زنازينه التي تقبع تحت الارض شاهدة على "جرائم وحشية" ارتكبت ضد الابرياء لم تسلم منها النساء وحتى الاطفال، لا اعلم كيف يتغنى مِن كان يمثل دور الضحية، باستخدام ادوات الجلاد ذاتها وسجونه السرية لتثبيت سلطة سيده، بطريقة لا تختلف كثيرا عن حكم الحزب الواحد الذي صدعوا رؤوسنا بمحاربته ايام النضال السلبي.

 

الخلاصة.. ان مكافحة الفساد ومعاقبة سراق "قوت الفقراء" لا يمكن رفضها او الوقوف بالضد منها، لكن ان يستثمر هذا العنوان في دعاية "كاذبة" تسعى مِن خلالها لصناعة انتصار وهمي، باستخدام التعذيب والمساومات البعيدة عن "الشرف" لا يمكن القبول بها او الاستمرار بالسكوت عنها، لان الخضوع لها مِن دون "فضحها" سيمنح فاعلها اجازة لارتكاب المزيد مِن "الحماقات" بحجة محاربة الفساد.. اخيرا فالسؤال الذي لابد منه، هو: من سيحاسب لجنة مكافحة الفساد على ابتزازها؟.

مقالات أخرى للكاتب