رأي

"البايومترية".. هل ستعيق الناخب المغترب؟

"البايومترية".. هل ستعيق الناخب المغترب؟

د. فراس مصطفى

أعطى قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم (٩) لسنة ٢٠٢٠ في  المادة – ٤ –أولاً الحق لكل عراقي في الانتخاب عند توفر الشروط القانونية فيه حيث نصت المادة أعلاه على ((الانتخاب حق لكل عراقي ممن توافرت فيه الشروط المنصوص عليها في هذا القانون لممارسة هذا الحق دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي)).


وحدد القانون في الفقرة ثانياً من المادة نفسها كيفية ممارسة هذا الحق وكما يلي ((يمارس كل ناخب حقه في التصويت للانتخابات بصورة حرة ومباشرة وسرية وفردية ولا يجوز التصويت بالإنابة)), وهذا ما فرضه الدستور العراقي لسنة 2005, حيث اشار في المادة 20 منه على مايلي ((للمواطنين، رجالاً ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح)).


أما المادة- ٥ – من قانون الانتخابات المشار له انفا فقد أشارت في فقرتها الرابعة إلى ضرورة توفر شرط التسجيل في سجل الناخبين والحصول على بطاقة الناخب (البطاقة البايومترية) وكما هو واضح من نص المادة ((رابعاً: مسجلا في سجل الناخبين وفقاً لأحكام هذا القانون والانظمة والاجراءات التي تصدرها المفوضية ولديه بطاقة ناخب الكترونية مع ابراز احد المستمسكات الرسمية الثلاث هوية الاحوال المدنية او البطاقة الموحدة او شهادة الجنسية العراقية)) على أن يعزز البطاقة البايومترية إبراز مستمسك رسمي يثبت هوية الناخب مثل هوية الاحوال المدنية أو شهادة الجنسية العراقية أو البطاقة الموحدة التي تختزل المستمسكين الاخرين, ومن الواضح إن القانون في هذه الفقرة كان مرنا حين وضع عدة خيارات لأثبات الهوية بدلا من خيار واحد وهو البطاقة الموحدة التي أصبحت المستمسك الرسمي في العراق لسبب بسيط هو إن هناك الكثير من العراقيين لم يحصلوا على تلك البطاقة بعد وخصوصا أؤلئك الذين يسكنون خارج العراق.


وعلى الرغم من أن قانون الانتخابات الجديد قد عالج بشكل جيد حقوق الناخب في الفقرتين أعلاه إلا إنه أغفل حقيقة مهمة وهي إن هناك ملايين العراقيين الذين يعيشون خارج العراق والموزعين على عشرات الدول لا يحمل جميعهم بطاقة الناخب ولم يحدث معظمهم سجله الانتخابي لأنهم بعيدون عن العراق وإن تحديث سجل الناخب لا يتم الا في العراق وإن قرار الانتخابات المبكرة التي اتخذتها حكومة الكاظمي بعد تسنمها رئاسة الحكومة قبيل منتصف العام الماضي تزامن مع أزمة انتشار وباء كورونا الذي أعاق الحركة والتنقل والسفر من والى العراق وبالتالي فقد أصبح التحديث والحصول على بطاقة الناخب مستحيلا على العراقي المشمول بحق الانتخاب والذي يعيش خارج حدود الوطن خصوصا في دول أوربا وأمريكا واستراليا والدول الأخرى البعيدة عن العراق والتي فرضت قيودا صارمة على السفر ناهيك عن وجود عدد كبير من اللاجئين العراقيين الذين لا يحق لهم زيارة العراق وفقا للقوانين الدولية الخاصة باللاجئين وحتى لو افترضنا جدلا بأن هناك من حدثها لهم (من الاقارب) فأنه من الصعب جدا إذا لم يكن مستحيلا إرسالها لهم حيثما يعيشون لتوقف معظم شركات الشحن عن العمل بسبب جائحة كورونا ناهيك عن إن الكثير من العراقيين لا يحملون أي مستمسك عراقي لإثبات الهوية لأسباب كثيرة منها الهجرة غير الشرعية أو تسليم مستمسكاته للدول التي لجأ لها أو قد سقطت بسبب قدمها ولم يستطع تغييرها بسبب الروتين القاتل الذي يلازم إصدار المستمسكات الرسمية العراقية.


إن تلك الهفوة في القانون في ربط ممارسة حق الانتخاب بحمل بطاقة الناخب سوف تحرم مئات الآلاف من العراقيين القاطنين خارج العراق من حق الانتخاب وسوف تتسبب باختلال الميزان الانتخابي للكثير من المرشحين الذين يعقدون أمالا كبيرة على عراقيي الخارج وسوف تتكرر ظاهرة صعود نفس الوجوه السابقة التي تسببت بالكثير من المشاكل لهذا البلد وساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تراجع الوضع في العراق بكل تفاصيله.


ومع ذلك فما زال الوقت مبكرا لمعالجة هذه المشكلة وسد الثغرة القاتلة التي أغفلها القانون ومازال هناك وقت كافي للحل لاسيما وإن الانتخابات قد تحدد موعدها في شهر أكتوبر القادم بدلا من شهر حزيران, والحل يبقى بيد المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لتثبت حياديتها وحرصها على عدالة الانتخابات ومنح الفرصة لكل عراقي بممارسة حقه الذي كفله الدستور وتذليل كافة العقبات التي تعيق أو تمنع ذلك الحق.


وفي رأيي المتواضع فإن العلاج يكون بإرسال فرق جوالة من موظفي المفوضية إلى الدول التي يعيش فيها العدد الأكبر من العراقيين وخصوصا دول أوربا وأمريكا واستراليا والدول العربية وحتى الدول المجاورة لتحديث سجلات الناخبين القاطنين في تلك الدول ومنحهم بطاقات الناخب وإكمال متطلبات عملية الانتخاب في كل بلد خصوصا وإن للعراق سفارات في جميع دول أوربا والدول الكبرى إضافة للممثليات والقنصليات وهذا سوف يساعد تلك الفرق الجوالة على معرفة أماكن تواجد العراقيين وإمكانية مساعدتهم في الحصول على بطاقات الناخبين وبالتالي سوف تتحقق العدالة الانتخابية لاسيما وإن معظم العراقيين في الخارج عازمون على ممارسة الحق الانتخابي للمساهمة في صعود وجوه جديدة بعيدة عن المحاصصات الحزبية والطائفية من أجل بناء بلد عصفت به رياح الفساد السياسي والمالي.

 

 

مقالات أخرى للكاتب