رأي

الأديان في ظلال السياسة

الأديان في ظلال السياسة

محمد عايش عبداللطيف الكبيسي

لم تتوحد الأديان يوماً على مدى التاريخ، وتقف في جبهة واحدة. التاريخ كتبَ سطورها بكلمات متنافسة، ومتنافرة ومتحاربة فيما بينها. ولم تجد الأديان لها يوماً ما عدواً مشتركاً، يمكن أن تقاتله وتنصهر في بوتقة واحدة تحت راية محاربة العدو المشترك، رغم إنها من منبع إلاهي واحد، بل إنها كانت دائماً ما تختار عدوها من نفس هويتها وأصلها وتتحارب معه. حتى الأديان الغير سماوية نجت من مشروع يوحد الأديان السماوية في جبهة مضادة لها.

 

 من يصدق ما ذكره الإعلام حول مغزى زيارة البابا المعلنة، ومشروع الديانات الإبراهيمية على أرض أور، فهو أمّا مخدوع بالحملة الإعلامية الكبيرة التي رافقت زيارة البابا للعراق، أو إنًه غير مبال بمصيرالمآلات الدينيه أو المذهبيه، سواء كانت شيعية أو سنية، أو أرمنية، أو كلدانية، أو اشورية، أو حتى قبطية، فكل ما يهمه ما يجنيه العراق من نتائج فرص السياحة الإبراهيمية، وكأنً العراق لا يمتلك موارد غير السياحة! فمن وجهة نظرهِ، تعتبردعوة البابا واقعية جداً، لانها تسخّر التاريخ والأديان معاً لخدمة السياحة بكل أشكالها  في العراق. بكلمات أخرى، فهو يحلم أن تكون أور كشرم الشيخ والقدس في آن واحدو طاباة، لكنها ليست على ضفاف البحر الأحمرأو على مقربة منه، بل ربما تتمدد وتصل ملحقاتها وحدائقها وفنادقها ومزاراتها، وتجد لها موطيء قدم على ضفاف الأهوار، ورأس الخليج العربي.

 

المشروع سياسي بغطاء ديني، أو ربما يكون ديني بغطاء سياسي، البابا مؤمن بالله ولديه من الأتباع المؤمنين بالمليارات من المسيحيين. فعندما يتبنى بفكرة توحيد الديانات، التي هي أصلاً مجزئة ومختلف عليها ضمن الديانات السماوية الرئيسية ذاتها، فهوقد  تجاوزَ التاريخ والتعاليم التلمودية والقرآنية والإنجيلية، ألتي تبنوها فكرياً على مدى أكثر من عشرين قرن. فهم مازالوا يشككون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهناك إختلاف في ذات الله جل جلاله، فهم يجعلون للرب الأبناء. كثيرةٌ هي الإختلافات لا مجال لذكرها، لأنها معلومة ومعرفة للعامة. لكن السؤال المهم ،كيف يمكن لرجل دين مسيحي بقيمة البابا الدينية والمعنوية، أن يضم دين لدينه ويتوحد معه وينصهر معه، وهو يختلف معه عقائدياً! ربما يكون هناك أهداف سياسية ودينية معاً.

 

عندما كانت الكنيسة تحكم اوربا، كانت السياسة تتحرك تحت راية الصلبان، ويضبط إيقاعها مع دقات أجراس الكنائس، لكن عندما نفضت اوربا الكنيسة خارج اسوار السياسة والإقتصاد، واختصروها بدولة صغيرة تسمى الفاتيكان، ونافذة يطل منها البابا على محبيه كل صباح الاحد، وعجلة بيضاء مكشوفة يتفقد فيها ويحيِّ مستقبليه، دخلت الكنيسة وقساوستها في سبات شتوي طويل، صبرتْ الكنيسة طويلاً تنتظر انقضاء برده القارص، وذوبان ثلوجه، لتدخل السياسة في جولة جديدة تحت ظلال أجواء صيفٍ دافيء، يُؤمِّن لها العودة المناسبة، ولو كانت من أبواب التسامح والتوحد والإنصهار مع بقية الأديان السماوية.

 

إنًها الرمزية الدينية تدخل المشهد السياسي من ابواب الدين مرة أخرى، وانها الإنقلابيةالصريحة والجديدة، التي تؤسسها الكنيسة من خلال  الإقتصاد العالمي، والسياسة العالمية، لكسر شوكة تنامي الأديان على بعضها البعض، ومحاولةْ ضبط إيقاعها، وإستقراره على ماهو عليه، وثبات منحنى ومؤشر الأديان عند حدود لا يمكن تجاوزها. وإنًها محاولة الإقرار بفشل الأنظمة السياسية الغربية، المتساهلة كثيراً، في حماية الديانة المسيحية من الإندثار.

 

 كما يبدو أن بروز بعض الأديان والمذاهب، وصعودها في سياسات دول الشرق الاوسط، شجعت البقية للنهوض من غفوتها، لكي تكون الجسر الذي سيعبرون عليه. الاديان كلمات سماوية ايمانية إنتقى لها الله الرسل، وأرسلهم إلى الإنسانية لهدايتها. كيف يمكن لها أن تتوحد بدعوة أحد الأطراف، وهي التي بقت على مدى خمسة وعشرون قرناً من الزمان تتصارع على النفوذ.

ستجد دعوة البابا في الأيام القادمة تشكيكاً متنامياً من المسلمين الشيعة والسنة، فلا المسلمون بصورة عامة مستعدون لمحاولة سحب البساط من مقدساتهم السماوية في مكة والمدينة، ولا الشيعة يرضون بأن تظهر مقدسات جديدةعلى حساب مقدساتهم الدينية في كربلاء والنجف.

 

المسلمون كانوا على درجة عالية من الحكمة والصبر، وإستمعوا للبابا برحابة صدر، ولأول مرة ينهض السيد علي السيستاني من مكانه ليستقبل زائر، ولقد كان حكيماً وشجاعاً بسماعه كلمات البابا، خلال الستين دقيقة التي قضاها معه. والأهم من ذلك، إن العالم كلهُ، لم يسمع منه كلمة تؤيد أو تخالف ما جاء به البابا.

مقالات أخرى للكاتب