رأي

مترو بغداد

مترو بغداد

أحمد عماد

 

في حكاية الفتاة بائعة الحليب التي تُروى للصغار ولِمن هُم في مُقتبل العمر لكي تكون لهم درساً مهماً في حياتهم القادمة تُعلمهم اعتماد الجد والعمل بدل بناء قصور الاحلام في الهواء, في هذه الحكاية عِبرةٌ صالحةٌ لكل الاعمار ولاتقتصر على الناشِئة. إذ ان الكبار هم احوج لها مقارنةً بالصغار الذين لم يخوضوا فعلياً غِمار الحياة. في تلك القصة تَذهب احلام الفتاة بعيداً وهي تَحملُ اناء اللبن في طريقها الى بيعهِ ويَزداد الربح بمرور الاوهام وتستثمر الفتاة ارباحها وتشتري الدجاج والخراف والابقار ولايقطع نمو ثروتها الا انسكاب اللبن من بين يديها حين تتعثر في طريقها.

 

مرت ببالي تلك القصة وانا اسير بشوارع بغداد والحظ مَعالِمها التي أُنشِأت قبل عقود يوم كانت حاضرة الشرق الاوسط. شاخت تلك المعالم بما مر عليها من سنين عجاف تختلف عناوينها وتتشابه حَصيلتها. ليس الموضوع للمقارنة بين النظام السابق والحالي الذي اصبح اسطوانة قديمة لايطرب لسماعها احد. لكن المقارنة اقتربت الى الذهن بسبب زحمة السير وعسرة التنقل ولجوء الناس الى بدائل هزيلة إثُمها اكبر من نفعها كالدراجة والتوك توك. وما أدراك ما التوك توك. أنظرُ اليه ويتراءى الي منظر مترو بغداد السريع الذي وَعد الولاة الحالمون بتنفيذه منذ سنين يحمل الركاب ثم ينزلهم مرة خرى بسهولة تشبه اللبن المسكوب بين يدي الفتاة الحالمة.

 

استبدال المترو بالتوك توك هو اكثر من استبدال وسيلة نقل, هو استبدال نمط حياة واسلوب تفكير وطريقة عيش. هزالة التوك توك تبدأ من اسمه الذي تبنته لغتنا العريقة بعد ان كانت تنجب للناقة ألف إسم, ولا تنتهي بهزالة هيكلهِ وخطورة استعماله على سائقه وركابه. كما ان استخدامه لايقتصر على بغداد بل يتعداه الى باقي المدن لكني ذكرتها لما لها من مكانةٍ معنوية ومادية كعاصمة كان يُتغنى بجمالها يوماً ما ويَقترن اسمها بالشعراء والصورُ.

 

لا نلقي اللوم هنا على مستخدم التوك توك, حيث ان سهولة الحركة وسرعة التنقل وقلة الكلفة جعلت من ركوب تلك الآلة امراً مُغرياً لكثير من محدودي الدخل. وفرصة عمل مثلى لشاب لايجد قوت يومه مع ما لديه من قوةٍ تبددها البطالة والفراغ.

 

صورة التوك توك تجلب الى ذهنكَ مشهد قد رَأيته سابقاً في فيلم او نشرة اخبار عن الهند او بنغلاديش وتجعلكَ تستذكر كيف نظرت الى هذه الدراجة المنتفخة اول مرةٍ بنظرةٍ غريبة هي خليط من التعجب والاسى لواقع تلك الشعوب التي امتطت هذه المركوب تقارع به التضخم السكاني والفقر. تنقل شريط ذاكرتكَ الى مشهدٍ آخر قد رَايتهُ في دولة صناعية متقدمة يستخدم شعبها الانيق المترو بسرعة وانتظام يسرع الجميع للصعود وينغلق خلفهم الباب امام عينك ليوقظك من حلمك بان ترى ذلك في بلدك وتدرك بانه لبنٌ آخر سكبه قادتنا حين وعدونا بالمترو واستوردوا بدله توك توكاً.

 

الاحلام الكثيرة (غير المترو) التي وعدنا بها القادة المؤمنون يوم جلبتهم الاقدار من المنافي الى سدة الحكم لم يتحقق منها شيء ,لا الديمقراطية ولا الحرية ولا الاستقرار السياسي او الاقتصادي وتم الاستعاضة عنها ببدائل مهلهلة كعربة التوك توك.

 

لن ابالغ في احلامي لتكون مترو او انفاق ولا اعمار او ناطحات سحاب, بل ساجعلها تقتصر على اعادة النور الى اشارة المرور التي نمر بالذكرى الثامنة عشر على انطفاءها.

مقالات أخرى للكاتب