رأي

السجادة الإيرانية والتساكن الأميركي

السجادة الإيرانية والتساكن الأميركي

فوزي عبدالرحيم

بدا غزو العراق في العام 2003 حدثا إستثنائيا هائلا للمعاني والوعود ألتي حملها وللتوقعات بأنه مجرد بداية لتغييرات جذرية في سياسات المنطقة ووضع شكوكا ليس في مستقبل أنظمة سياسية عديدة في الإقليم ولكن في وجود دول عديدة، لكن إستعراض القوة والتكنولوجيا المبهرة اللذين حققا إنهاء واحدة من أعتى وأشرس وأقوى الأنظمة الشمولية في العالم وأكثرها تنظيما وخبرة في أساليب البقاء لم يمضيا في طريقهما المخطط لهما ولم ينجحا في تحقيق آمال كثيرين إستثمروا في الحلم الأميركي الجديد.

 

لم تكن أميركا تملك مخططا واضحا ودقيقا بعد الغزو العسكري وإنما جزء كبير من ستراتيجيتها بنيت على الآفاق التي سيفتحها نجاح الغزو والخيارات التي سيتيحها لكن السبب الأقوى من بين أسباب عدة لتعثر المشروع الأميركي جاء من السياسات والتكتيكات الإيرانية المعقدة وغير المألوفة في تراث منطقتنا والتي أنهكت المخطط وصاحب القرار الأميركي فإضطرته للتخلي عن طموحاته والنزول بسقفها كثيرا فقدم أول تنازل بإنسحاب القوات الأميركية من العراق في  31 كانون الاول 2011 في محاولة لتفادي خسائر أكبر وإنتظار فرصة أخرى لتحقيق شيء من بقايا أهدافه.

 

لقد عملت السياسة الإيرانية في العراق بنفس الطريقة ألتي يعمل بها نساجوها في حياكة السجاد الإيراني الشهير مستغلة معرفتها بالوضع العراقي وسابق علاقتها بالحاكمين الجدد والمعارضين القدامى للسيطرة على القرار العراقي وفق مخطط محكم وتنفيذ دؤوب أنتج سجادة سياسية تحمي المصالح الإيرانية وتصعب مهمة المعادين للدور الإيراني من أميركيين وعراقيين بحيث إن أي تحرك لشق السجادة الإيرانية يؤدي لتمزيق الجسد العراقي.

 

لم يكن أمام الأميركان إلا القبول بالواقع الجديد ألذي تتحكم فيه إيران بالقرار العراقي في معظم الملفات مع المحافظة على وجود أمريكي ينتظر تفعيله بتغير ميزان القوى،وقد سهل من عملية التساكن هذه بين الأميركيين والإيرانيين عدم وجود طرف عراقي يعترض أو يحتج على هذا الوضع لذلك أي من الطرفين الأميركي والإيراني عندما يضايقه الطرف الآخر يتنازل بسهوله عن بعض  مكاسبه (العراقية) والتي تنعكس بالضرر على المصالح الوطنية العراقية فقط وهو أمر يديم ويحمي علاقة التساكن  لأن أيا من الطرفين المتساكنين لا يخسران شيئا فيما ممثلوا الطرف المتضرر (العراق) صامتون.

 

إن هذه العلاقة مرشحة للدوام رغم أنها تؤدي بالتدريج لنزع مقومات الدولة العراقية وهو أمر لا يبدو أنه يستفز أحدا غير الإنسان العراقي العاجز عن الرد ،لذلك وإذا ما كان العراقيون يريدون الحفاظ على دولتهم من الزوال فإن عليهم أن يحاربوا عملية التساكن التي تفكك دولتهم ويهتكوا نسيج السجادة التي تخنق المصالح الوطنية العراقية وهذا لن يتم بعمل مباشر سياسي أو مسلح وإنما يحتاج لإعادة حياكة المصالح الوطنية العراقية وخلق واقع يجعل عملية التساكن غير ممكنه..كيف يتم ذلك..هذا موضوع مقالة أخرى.

مقالات أخرى للكاتب