رأي

106 أعوام على جريمة الإبادة الأرمنية

106 أعوام على جريمة الإبادة الأرمنية

السفير الأرميني هراتشيا بولاديان

قلما تعرض شعب من شعوب الكرة الأرضية إلى عملية إبادة شنيعة وتهجير قسري وإرهاب في وطنه، مثلما تعرض له الأرمن على أيدي الطغاة الطورانيين في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين. بالرغم من أننا على مشارف ذكرى إحياء 106 عام لتلك الجريمة النكراء، إلا أن المشروع لم ينته بعد باعتباره لم يحقق الهدف المركزي والمتمثل بمحو الأمة الأرمنية من خارطة الوجود، وكما عجز عن استئصال الجذور التاريخية والحضارية والجغرافية والديموغرافية والإنسانية لهذا الشعب الحي، مع أنه نجح جزئياً في اقتلاع البعض منه ونفيه خارج أرضه ووطنه وأصبحت قضيته إحدى أهم قضايا العصر الحالي وربما في العصور القادمة. وخير دليل على ذلك نوايا تركيا الاستعمارية والعمليات العسكرية في ناغورني كاراباخ في سبتمبر عام 2020، حيث دعمت تركيا آذربيجان عسكرياً وسياسياً وقامت بجلب مقاتلين مرتزقة من سورية و زجهم في الحرب ضد الشعب الأرمني في إقليم ناغورني كاراباخ.

 

إن جريمة الإبادة الأرمنية الوحشية في الإمبراطورية العثمانية التي تمتد جذورها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر مازالت مستمرة حتى يومنا هذا، حيث ان حكومة تركيا الحديثة بوصفها الوريث الشرعي للإمبراطورية العثمانية تتبنى سياسة إنكار الإبادة و تحاول بكل الوسائل المتاحة عدم تداولها وتسعى الى تزوير وتشويه الحقائق التاريخية و تقديمها للمجتمع الدولي بمرآة ملتوية ووصف الاحداث التي وقعت  كأنها حرب أهلية دارت في الإمبراطورية بين الأتراك و الأرمن أبان الحرب العالمية الأولى ووقع نفس العدد من الضحايا من الجانبين.

 

إن ترويج مثل هذه النظريات الخطيرة من قبل السلطات التركية، بلا شك تعد تكراراً للجريمة التي ارتكبتها قيادات حزب الأتحاد والترقي الحاكم آنذاك في الإمبراطورية العثمانية بحق الشعب الأرمني.

 

من المعلوم ان الإمبراطورية العثمانية دخلت في 31 تشرين الأول عام 1914 الحرب العالمية الأولى إلى جانب قوات المحور المتمثلة في ألمانيا و النمسا والمجر. فكانت السلطات العثمانية تأمل بطرد روسيا من القوقاس لتوحيد الشعوب التركية في الشرق الأوسط والقوقاس وروسيا وآسيا الوسطى في إطار دولة طورانية. فكانت العقبة في تحقيق هذا المشروع ليس روسيا فقط، بل أرمينيا التي كانت منقسمةً بين دولتين - القيصرية الروسية والإمبراطورية العثمانية. فكانت السياسة الداخلية والخارجية لكل منهما تختلف عن الأخرى جذرياً. فهذا الاختلاف كان ينعكس على تصرفات هاتين الدولتين تجاه الشعب الأرمني. واستغلت الحكومة العثمانية هذا الوضع لتنفيذ مشاريعها المعدة مسبقاً لتنفيذ عمليات الإبادة عن طريق إيجاد المبررات الكافية لمواقفها المتطرفة القادمة.

 

إن احداث الحرب كانت فرصة ذهبية وفسحت المجال امام حزب "الاتحاد والترقي" الحاكم لتنفيذ مشروع "حل القضية الأرمنية" وإجهاض تطبيق الإصلاحات في الولايات الأرمنية نهائياً. إن مواقف الأتراك الشباب أيضاً كانت ثابتة بشأن الإصلاحات، وكانوا يحاولون بكل السبل عدم تنفيذها، فكانوا يعتبرون الولايات الشرقية قلب الإمبراطورية ويدركون أن خطر الإصلاحات يهدد أمن واستقرار الدولة العثمانية. فكان التدخل الأوروبي في الشأن الأرمني يثير الغضب في أوساط الأتراك الشباب أيضاً ويشهد على ذلك الحديث الودي الذي دار بين جمال باشا وصديقه فاردكيس عضو المجلس التركي من حزب الطاشناق حيث قال جمال: "انتبهوا، تخلوا عن الأوروبيين وتعالوا لنقم نحن بالإصلاحات. لا نسمح أبداً تدخل الدول الأوروبية، وإذا فُرض علينا الإصلاحات في الولايات الأرمنية مرة اخرى وإذا قبلتم من دون الأخذ بعين الاعتبار الخطر الكبير، فأنا أؤكد لك أنه سيُقتل في الولايات الشرقية الست عدداً لا يقل عن 300 ألف أرمني".

 

هذا يعني أن الأتراك الشباب أيضاً تبنوا مواقف السلطان عبد الحميد نفسها بشأن القضية الأرمنية بعد أحداث البلقان وكما قيل اعتبروا تنفيذ الإصلاحات في الولايات الأرمنية انهياراً نهائياً للإمبراطورية العثمانية.

 

حسب المعطيات المتوافرة، خاصة محاضر اجتماعات الاتحاديين ومذكرات رجال الدولة وكبار الموظفين،  فالتحضيرات عملياً بدأت في 2 آب عام 1914 بعد قرار الإدارة العثمانية بشأن تجنيد الذكور الأرمن من الفئات العمرية 20 إلى 45 سنة إجبارياً. وبهذه المناسبة صدر في شباط عام 1915 قرار أنور باشا بشأن القضاء على الجنود الأرمن ومصادرة أسلحتهم وتشغيلهم أعمالاً شاقة وقتلهم بدم بارد. فكانت هذه الخطة، حسب تقييم الخبراء  بداية عمليات السلطات العثمانية الهادفة الى تشتيت الأرمن والتي سهلت تنفيذ الإبادة فيما بعد. بعد ذلك تم زج النساء والأطفال والعجزة في فخ الموت من دون حماية واستعداد للمقاومة وقتل معظمهم على الطرق اثناء التهجير والمشي لاسابيع  و تعرضوا لأبشع الفظائع.

 

في شهر تشرين الأول عام 1914 جرى برئاسة وزير الداخلية طلعت باشا اجتماع تم خلاله تشكيل "لجنة التنفيذ الثلاثية" بعضوية قادة حزب "الاتحاد والترقي" ناظم باشا وبهاء الدين شاكر وشكري، وأعطيت لهذه اللجنة صلاحيات واسعة وأسلحة وأموال وفُوضت للقيام بالتدابير اللازمة لتنفيذ ذلك المخطط الهمجي، وتم تشكيل فرق سميت "فرق التشكيلات المخصوصة" أو "الفرق الخاصة"، إحدى ثمرات المشروع المرعب والغير الانساني، والتي كان قوامها مجرمين محترفين أطلقوا من السجون. وأرسلت هذه الفرق الإجرامية غالباً بقيادة اعضاء من الحزب الاتحادي إلى مناطق الأرمن، بهدف القيام بأعمال الشغب وإشعال فتيل النزاع بين الأرمن والقوميات المجاورة. كما أصدر طلعت باشا أوامر حاسمة وتعليمات خاصة بتهجير الأرمن وأبلغت جمعية "الاتحاد والترقي" كل فروعها في الولايات وكل الحزبيين والمفتشين والمسؤولين عن تنفيذ تلك الأوامر، متهمين الأرمن بالفساد وتقديم المساعدات للروس وقيامهم بإثارة الفوضى في شتى مناطق الإمبراطورية وإرباك حركات الجيش العثماني ...إلخ.

 

وانطلاقاً من حرص الإدارة العثمانية على سلامة الدولة والدين، حسب الرواية التركية، قرر المسؤولون الأتراك تهجير الأرمن من الرجال والنساء والأطفال من دون استثناء سواء من الشيوخ أم المرضى قسراً من جميع مقاطعاتهم إلى خارج المناطق الساخنة حتى انتهاء الحرب،  وأن تحدد كل ولاية من ولاية حلب ولواء دير الزور مراكز مؤقتة يجرى حشدهم فيها. وفي الوقت نفسه أعطيت تعليمات سرية إلى الجهات المعنية بشأن تشتيت الأرمن. وبهذه المناسبة صدر أمر طلعت باشا في 14 أيار عام 1915 والذي ينص على مايلي:

 

بناءً على الضرورة التي تقتضي بالحفاظ على سلامة الجيش وعلى سلامة الأمن والهدوء في المملكة، نقرر إجلاء الأرمن من المناطق الحربية التي يقيمون فيها، إلى أماكن أخرى لا يكون الجيش فيها عرضة لحركاتهم المريبة. كما تقتضي الضرورة باتخاذ التدابير العاجلة الحاسمة لتنفيذ هذا القرار المبرم وفق الشروط المبينة ادناه. إن الدولة تدفع بالآلاف من أبنائها إلى ميادين الحرب وهم يضحون بأرواحهم في سبيل الدفاع عن الوطن، وتنتظر من رعاياها من دون اي فرق بين اجانسهم ومذاهبهم، وأن يكون ارتباطهم بها في هذه الآونة العصيبة أوثق مما هو في أي زمن آخر، لذا فإنها تولي وضعه موضع التنفيذ أهمية خاصة.

 

وفيما عدا هذا التعميم نشر قانون من ثلاث مواد جاء فيه:

مادة -1- اثناء التعبئة العامة يخول ويلزم قادة فرق الجيش ووكلاؤهم وقادة المواقع المستقلة، بمقاومة وقمع كل حركة تخل بالأمن يقوم بها الأهالي وكل مخالفة لأوامر الحكومة وللإجراءات المتعلقة بالحفاظ على الأمن وعلى سلامة المملكة والدفاع عنها. كما انهم ملزمون بأن يقمعوا بشدة وبقوة السلاح وحتى بالقتل ومحو كل من يقدم على مقاومتهم بقوة السلاح.

 

مادة -2- يكون على قادة فرق الجيش وقادة الوحدات الخاصة المستقلة، أن يهجروا أهالي المدن والقصبات بصورة منفردة او على شكل جماعات، من اماكن إقامتهم إلى مناطق أخرى إذا قضت الضرورات العسكرية أو مقتضيات قمع التجسس والخيانة  أو إذا شعروا بالإقدام على ارتكاب تلك الأعمال.

 

مادة -3– يعتبر هذا القانون نافذاً من تاريخ نشره.

 

13 رجب 1333- 14 أيار 1915.                                                        

بدأ أعضاء الحزب الحاكم والمسؤولون في السلطات التركية بعد تلقي الأوامر من الأستانة بتنفيذها مباشرة. وباشر معظم هؤلاء المعنيين القيام بمهماتهم بكل جهد حسب الأوامر والتعليمات الصادرة من الأستانة التي اتخذت في شباط عام 1915 خلال اجتماع سري للجنة المركزية لحزب "الاتحاد والترقي" بمشاركة قادة الحزب طلعت باشا وأنور باشا وبهاء الدين شاكر وناظم باشا وأحمد أوغلي. وتقرر نهائياً خلال هذه الجلسة السرية إفناء الأرمن بالكامل، حيث وصفهم طلعت باشا بـ"الثعابين"، وأضاف ناظم باشا قائلاً: إن "الأرمن أشبه بالقرحة التي يجب أن تستأصل على يد جراح ماهر ولذلك يجب أن تكون عملية التطهير شاملة ونهائية، كما يجب ألا نترك أرمنياً واحداً على قيد الحياة في بلادنا، لا بل يجب أن نزيل الاسم الأرمني من الوجود". أما الصدر الأعظم سعيد حليم باشا فقال: إن "أفضل حل للمسألة الأرمنية هو استئصال الأرمن وإزالتهم من الوجود".

 

إن أقوال قادة الحكومة الاتحادية هذه كانت دليلاً قاطعاً على القرار النهائي لإبادة أرمن الإمبراطورية، والذي بدأ عملياً من شهر آذار عام 1915، حيث تم بموجبه تدمير المراكز الأساسية للمقاومة الأرمنية في مدن "زيتون" و"وان". وفي الثامن من نيسان 1915 صدر مرسوم حكومي يتضمن خطة الإبادة وترتيباتها الزمنية، وحدد كيفية تنفيذ هذا المرسوم على الشكل التالي:

 

1- لغرض قطع رأس الجسد الأرمني قرر القبض على قادة الأرمن من سياسيين ومفكرين وأساتذة وأدباء وغيرهم في الأستانة.

2- نزع السلاح من جميع فئات الشعب الأرمني.

3- بدء عمليات القتل والنفي والترحيل قسرياً.

 

وفق جدول زمني تمت بموجبه عمليات إخلاء المقاطعات الأرمنية من سكانها بكل بربرية وهمجية. وتنفيذاً للقرار المذكور في 24 نيسان عام 1915 والأيام القليلة التي تلتها تم اعتقال حوالي 800 شخص في الأستانة من النخبة المثقفة للأرمن من سياسيين ورجال دين وكتاب وشعراء وفنانين ومحامين وصحفيين واقتصاديين وأساتذة جامعيين ومديري مدارس وغيرهم، ومن بينهم أعضاء المجلس العثماني. بعد الاعتقالات جرى نفي المفكرين الأرمن إلى أعماق الأناضول، حيث تم قتلهم بأقصى درجات الوحشية. كما عمدت السلطات الاتحادية إلى قتل ضباط وجنود أرمن كانوا قد أدوا واجبهم بإخلاص على جبهات القوقاس.

 

وبالرغم من الرقابة المشددة التي فرضتها الدولة الاتحادية لمنع نشر أخبار تلك الأعمال الشنيعة والوحشية، الأ ان الأخبار قد تسربت بكل تفاصيلها الإجرامية المروعة إلى أوروبا وأمريكا. فتناقلتها الصحف العالمية ووثقتها بالصور، مما أثار موجة من الضجيج والاستغاثة والشكاوات.

 

إن أخبار المظالم الوحشية التي ارتكبت بحق الأرمن في جميع المقاطعات الأرمنية، أثارت موجة كبيرة من ثورة الرأي العام الأوروبي. وعلى أثر الهجوم الذي شنته الصحافة، بادرت دول الائتلاف الثلاثي – بريطانيا، وفرنسا وروسيا إلى توجيه العديد من المذكرات شديدة اللهجة إلى كل من الحكومة الاتحادية وألمانيا. كما وجهت الولايات المتحدة مذكرةً احتجاجية إلى الباب العالي والتي أثارت غضب طلعت باشا. إضافة إلى ذلك بعد إدراكهما مدى وحشية الجرائم والضجة العالمية التي جرت بشأنها، حملتا حليفتي الإمبراطورية العثمانية ألمانيا والنمسا على الكف عن المجازر، ولكن بعد قتل الآلاف من الأرمن الأبرياء.

 

ففي 24 أيار عام 1915، أي بعد شهر من بداية الإبادة الأرمنية، وجهت دول الائتلاف الثلاثي – بريطانيا وفرنسا وروسيا بياناً إلى الإدارة العثمانية، والذي نشرته وكالات الأنباء، ينص على مايلي: اتفقت دول إنكلترا وفرنسا وروسيا على نشر البيان التالي: يقوم الأتراك وموظفي الحكومة التركية في عمليات قتل عام تستهدف الشعب الأرمني. حدثت تلك المجزرة بصورة خاصة في أرضروم، ترجان، بتليس، موش، صاصون، زيتون، كيليكيا وجميع المناطق المجاورة لها في حوالي منتصف شهر نيسان. كما قتل قرب مدينة "وان" سكان حوالي مئة قرية عن بكرة أبيهم. وفي الوقت نفسه تتسلط الحكومة العثمانية في دار السعادة (الأستانة) على السكان الأرمن المسالمين. ولذلك فإن دول الائتلاف تبلغ حكومة الباب العالي، بصورة علنية أنها تلقي على عاتق الحكومة العثمانية، وعلى عاتق جميع الذين اشتركوا وسيشتركون في هذه المجازر الجماعية مسؤولية هذه الجرائم التي استهدفت بها الحكومة التركية الحضارة والمدنية والإنسانية.

 

24 أيار 1915

إن هذا البيان كان أول إدانة دولية رسمية من قبل الدول الأوروبية، والذي حذر من مغبة استمرار  الظلم ضدّ الأرمن وعمليات القتل الجماعي التي يتعرضون لها، وحمل الحكومة الاتحادية المسؤولية عن تلك الجريمة النكراء.

 

أثار هذا البيان غضب الحكومة التركية، التي أصدرت بياناً جوابياً مفصلاً يرفض فيه كلياً اتهامات دول الائتلاف الثلاثي ويعتبرها كاذبة لا تطابق الحقيقة ويقول: "تنفي الحكومة السنية (الاتحادية) نفياً قاطعاً، محتوى البيان الآنف الذكر، وما جاء فيه من تداعيات، إنه لكذب محض، أن يكون قد حدث قتل عام للشعب الأرمني داخل الممالك العثمانية....".

 

وفي الوقت نفسه اعتبر الباب العالي مواقف الدول الأوروبية المذكورة كمؤامرة وعمل عدواني ضد الإمبراطورية قائلاً: "الباب العالي يملك الدلائل والبراهين على محاولات هذه الدول ومؤامراتها، وعلى ما قامت به من أعمال عدوانية نعجز على وصفها ولم  يشهد لها مثيل... والبيان المقدم من الدول المذكورة إنما هو، بحد ذاته، بمثابة مستند يقدم البرهان على تحريض وتشجيع الأرمن على الاستمرار في حركاتهم المخلة بالأمن".

 

كما نرى أن الحكومة الاتحادية منذ البداية تبنت سياسة الرفض والإنكار للجرائم المشينة التي ارتكبتها بحق الشعب الأرمني المسالم، كأول جريمة إبادة عرقية في تاريخ البشرية. وفي ظل الصرخة العالمية ووسائل الإعلام واصلت السلطات العثمانية أعمالها الشنيعة من دون تراجع وبكل وقاحة.

 

هذا وخلال شهري أيار وحزيران عام 1915 استمرت عمليات الترحيل القسري والنفي والقتل وإحراق الأملاك والنهب والسلب والاغتصاب والتذليل في جميع الولايات الأرمنية بدءاً من مرعش ووان وموش وصاصون وأرضروم وخربوط وطرابزون وسيواس ودياربكر وأنقرة والأستانة وكيليكيا وغرب الأناضول وغيرها من سائر المدن والقرى. فمن المعلوم أن ترحيل الأرمن من المقاطعات الأرمنية ونفيهم إلى بلاد النهرين وسورية وتشتيتهم كان يجري بذريعة حماية المدنيين والقوات العثمانية، من خيانة متوقعة من طرف الأرمن الموالين للروس. وتم تنفيذ هذه العمليات الإجرامية على مرحلتين: أولاً قتل كل الرجال الأكفاء، وثانياً نفي الباقين ولم يكن الفصل الثاني سوى تنضيد برنامج الإبادة. ولنهاية شهر تموز عام 1915 تم ترحيل الأرمن وإبادتهم على قدم وساق. ولم يبق أحد في الولايات الأرمنية، التي كانت أوروبا تطالب السلطة العثمانية من سبعينيات القرن التاسع عشر بإجراء الإصلاحات فيها. وتمكن الاتحاديون بأفظع السبل البربرية في تصفية السكان الأرمن من أراضيهم التاريخية التي قطنوها منذ آلاف السنين.

 

في الحادي والثلاثين من آب عام 1915 أعلن طلعت باشا بكل وقاحة: الآن لم تعد هناك مسألة أرمنية، لأن تركيا أنجزت مهمتها بشكل عام، وذلك بتجريد أرمينيا الغربية وكيليكيا والأناضول الغربي من سكانها الأرمن وبقتل معظمهم، أما ما تبقى منهم أحياء، فالقضاء عليهم أمر يسير للغاية، إذ بالإمكان إبادتهم في الصحراء شيئاً فشيئاً. وبذلك أكون قد حققت خلال ثلاثة أشهر ما حققه السلطان عبد الحميد الثاني خلال ثلاثين عاماً.

 

إن المسؤولين الاتحاديين، كما رأينا، قاموا بتصريحات ودعايات متضاربة حول إبادة الأرمن كعنصر أساسي في الإمبراطورية العثمانية. فمن جهة كانوا يعلنون بكل فخر واعتزاز عن مشروعهم الهمجي بحق الأرمن، ومن جهة أخرى ينكرون الحقائق التاريخية والجرائم غير الإنسانية بحق شعب بكامله.

 

كما ذكرنا أعلاه، لم تكن أرمينيا العقبة الكبرى في تحقيق المشروع (البان- طوراني) فقط، خاصة بعد الانهيار التدريجي للإمبراطورية العثمانية، بل كانت أهداف الأرمن الرامية إلى حصول الاستقلال تقلق العثمانيين أكثر من ذلك. ويدل على ذلك شهادات إحدى الشخصيات العسكرية النمساوية، الذي كان شاهد عيان من عام 1909 وحتى نهاية الحرب على جميع قرارات ونشاطات الحكومة التركية، حيث يكتب أن شبح قيام أرمينيا الكبرى في المستقبل كان يرعب زعماء حزب "الاتحاد والترقي"، قائلاً: إن "البرابرة الاتحاديين، الذين لم يتوانوا عن ارتكاب أي جريمة، اعتبروا إبادة الشعب الأرمني الوسيلة الوحيدة للاستيلاء على المقاطعات الأرمنية الست نهائياً، وصدّ كل التطلعات الأرمنية المستقبلية.

 

ويكمن أساس هذه المآساة في تبني الاتحاديين المتعصبين قومية متطرفة، وليس خيانة الأرمن كما ادعت السلطات العثمانية. والحقيقة أن التخلص من الأرمن، كان سيجنب الحكومة التركية من التدخلات الأوروبية المستمرة وسيزيل العقبة الرئيسة بين الأتراك العثمانيين والشعوب التركية الأخرى فيما وراء القوقاس وبحر قزوين، ويمهد السبيل لملكية جديدة أمام أبطال الطورانية. 

 


هراتشيا بولاديان: سفير جمهورية ارمينيا في بغداد

 

المقال خاص بـ"العالم الجديد"

 

 

مقالات أخرى للكاتب