رأي

"الهول" مخيم للاجئين أم مفرخه للإرهاب

"الهول" مخيم للاجئين أم مفرخه للإرهاب

محمد سيف المفتي

وصلت عوائل المقاتلين الأجانب قبل أيام الى مخيم الجدعة في محافظة نينوى، قادمة من مخيم الهول بسوريا، ومنذ سنوات أطلقت منظمات تحذيرات عدة من عدم إعادة هؤلاء الى دولهم، بسبب تهديده للأمن الإقليمي والعالمي، لكن جهات أوروبية وامريكية كانت تعارض تلك الفكرة، كونه سيتسبب بتهديدات كبيرة لأمن المجتمع في البلدان المستقبلة، وهذا ما صرح به في حينها أنتوني دوركين، مدير منظمات حقوق الانسان في المجلس الأوروبي والعلاقات الخارجية، استنادا لنفس السبب، وهذا ما حدث في عدة دول أوروبية من ضمنها النرويج، إذ كان الرأي الشعبي العام ضد جلبهم.

 

حاولت السلطات الكردية المسؤولة عن المخيمات في سوريا، ‏إقناع سلطات الدول المختلفة بإعادة مواطنيها، ولكنها لم توفق في مساعيها، وفشلت كل محاولاتها التي دعت الى إنشاء محاكم محلية وبناء مؤسسة إصلاحية "سجون" هناك لتدار من قبل جهات محلية وباشراف جهات معتمدة عالميا، وبقي المقاتلون الأجانب مع عوائلهم هناك، حتى بدأت عمليات تهريبهم مع عوائلهم من داخل المخيم تتزايد، لتنذر بمخاطر غير محسوبة، لأنه لا أحد يعلم بالضبط اين اتجهوا وما هو الخطر الذي من الممكن أن يتسببوا به؟

 

وبحكم عملي في منظمات المجتمع المدني بأوروبا، فقد حصلت على معلومات غير رسمية تفيد بأن كثيرا منهم يعيشون بهويات ومعلومات شخصية جديدة، إذ حذرنا كثيرا من بقاء المقاتلين في المخيم، لأنه سيؤدي إلى مخاطر جمة، وخصوصا ترك الأطفال يكبرون وينشأون تحت رعاية مقاتلين من تنظيم داعش، منح المتطرفون في المخيم فرصة ذهبية لزراعة افكارهم بحرية دون رقيب او حسيب، فقد كانت عملية تلقين من طرف واحد، ومن دون تدخل لجهات أخرى تحد من اكتساب تلك الافكار الإرهابية أو تقديم فكر بديل.

 

الى جانب ذلك، هناك عدد كبير من المتواجدين في مخيم الهول ليسوا بمقاتلين، ولا على صلة بالمنظمات الارهابية، لكن المجتمع فرض عليهم تسمية الدولة الإسلامية، وعندما هرب المقاتلون أيام التحرير، اضطروا هم كذلك للهرب من مناطقهم خوفا من القتل. هؤلاء ضحايا أنظمة لم تتمكن من حمايتهم، وفي نفس الوقت فان بقاءهم في تلك الأجواء يتطلب علاجا لحالات التروما واعراض ما بعد الصدمة النفسية التي يعانون منها.

 

تعرضت شخصيا لنقد لاذع عندما قلت في محاضرة عن الإرهاب في محاضرة بالعاصمة النرويجية أوسلو، ضمن ندوة مخصصة لمناقشة ظاهرة الارهاب، إن "إعادة المقاتلين الى أوروبا سيكون نافعا وذكرت خلالها أسبابا موضوعية"، فيما رأت معظم المنظمات المختصة ان عودة المقاتلين تشكل خطورة كبيرة على المجتمع حتى العام 2019 عندما بدأت مراكز أوروبية معنية بدراسة الارهاب تعيد النظر في قراراتها.

 

أهمية العودة

إن النظام الإصلاحي الأوروبي متقدم، وتأهيل مثل هذه العناصر متطور، بما فيه التأهيل الذهني والبدني، وحتى المهني، من أجل إعادة هؤلاء الى جادة الصواب، خصوصا أن حالات مشابهة تم تأهيلها وباتوا مواطنين إيجابيين، وبدأ كثير منهم يقدمون محاضرات عن تجاربهم.

 

وهذا نظام تأهيلي معقد يتطلب خبرات ودراسة عالية، حرصت كثير من الدول الاوربية على بنائه خلال عقود طويلة.

 

المخيمات

عندما ندرس طبيعة الحياة في مخيم الهول ونرصد حالات التصفيات الجسدية وقتل من يتعاون مع الصحفيين والسلطات داخلها، ندرك ان المحرك الايديولوجي لازال فعالا هناك، وهذا يعني ان على الدولة التي تقرر استقبال مواطنيها أن تعي حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها تجاه هذه الشريحة، وكذلك تجاه شعبها، وحماية المجتمع من تبعات استقبالهم.

 

إن إعادة أطفال المقاتلين الاجانب الى أوطانهم فرض اخلاقي على كل الدول شريطة إعادة تأهيلهم لحياة طبيعية، وعلينا تذكر أن من كان بعمر 10 سنوات في العام 2014 فقد اقترب من سن الرشد وأن من حقه العيش حياة طبيعية.

 

كما لا تستثنى الدول العربية من هذا الواجب الاخلاقي، فلا يمكن أن يبقى العراق وسوريا مكانا تتخلص به دول العالم من بقايا الفكر الإرهابي الذي نشأ في دولهم، معتقدة أن بقاءهم خارج حدودها سيجعلهم في مأمن، والحقيقة عكس ذلك، لاسيما وأن هاتين الدولتين غير مؤهلتين لإعادة تأهيل أبسط الحالات فكيف بحالات الإرهاب.

 

ترى هل فكرت الحكومة العراقية بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها تجاه هذه العوائل، خصوصا وأن جزءا كبيرا منها عراقيون، وكيف ستتعامل مع عوائل لا يتقبلهم أحد؟ والسؤال الأهم، هو هل أن مخيم الجدعة أو المخيمات الأخرى قادرة على استيعاب هذا الكم من الإشكاليات النفسية، لاسيما بعد ظهور حالات استغلال للنساء وتجاوز على حقوق الناس وتعامل لا يتفق مع السياقات القانونية، وهو أمر لم يسلم منه من عاد الى بيته باحثا عن فرصة لحياة جديدة، فكيف بمن يعتمد على الدولة في حياته، والمسؤول عن حمايته يعتبره عدوا حقيقيا، فمجريات الاحداث تشير الى ان سكنة هذا المخيم سيلجأون الى أفكار راديكالية بعيدة عن السلم المجتمعي.

 

مقالات أخرى للكاتب