رأي

احذروا العنف القادم

احذروا العنف القادم

عامر القيسي

في لحظة تاريخية فاصلة يتعذر فيها على الجمهور ان يعيش بنفس الطريقة السابقة، كما يتعذر على السلطة ان تعيش بالطريقة التي تكبح بها تطلعات الجمهور للمستقبل، في لحظة التقاطع هذه ينفجر الصراع المؤجل، كل في اجل قادمون، ولا أحد يستطيع تقييد هذا الانفجار والتلاعب بنتائجه والعمل على تدجينه، فلا يتبقى أمام السلطة الحاكمة المستبدة الا ان تستجيب.

 

ولكن أي نوع من الاستجابات؟ في واقعنا أنظمتنا الشرقية عادة ما لاتستطيع السلطات الارتقاء الى مستويات استجابة منطقية تجعل الصراع بينها وبين الجمهور في اطار سياقات البحث عن حلول للمأزق التأريخي بينهما، السلطة والجمهور، فتنفتح ابواب الازمة على مديات مجهولة وطروحات تعمّق الازمة وتدفع بها الى قمة مستويات الصراع المستحكم، باتجاهات العنف الذي تستخدمه السلطات حفاظاً على مصالحها  والعنف المضاد الذي يمارسه الجمهور دفاعاً عن النفس.

 

في تجربة الاحتجاجات العراقية وصدامها مع شكل الحكومات المتعاقبة منذ 2005 حتى الآن، لم تستطع الطبقة الحاكمة ان تستجيب لمطالب الجمهور، أو بتعبير ادق ليس لها الرغبة بالاستجابة الى مطالب الجماهير المحتجة، ذلك ان مطالب المحتجين تتعارض كلّياً مع مصالحها، فالتغيير الحقيقي يحتاج الى مكافحة الفساد جدياً، والطبقة السياسية بشبكتها العنكبوتية في مفاصل الدولة غارقة في الفساد المالي ومعتاشة علية محوّلة الدولة الى دولة زبائنية تخدم مصالحها، وبالتالي فان تحقيق هذا المطلب الجماهيري يعني الاصطدام القوي بمصالحها!.

 

وانتقالا الى المطلب الاكثر اهمية المتعلق بانتخابات شفافة ونزيهة، فان الطبقة الحاكمة محترفة الى حدود الاحتراف القصوى بعمليات تزوير الانتخابات لضمان تواجدها التشريعي لتحمي مصالح الفساد المالي الذي تتمتع به وكوّنت امبراطورياتها  المالية من خلاله، ومنطقيا لن تسمح هذه القوى باجراء انتخابات شفافة ونزيهة والسماح للقوى الشعبية الصاعدة والمحتجة بأخذ دورها التاريخي لاتمام مهام المرحلة!.

 

كما ان الطبقة السياسية المتنفذة بمنعها اجراء انتخابات نزيهة وشفافة ومحاربة الفساد المالي المتخادم المصالح، لن تستطيع الاستجابة لمطلب الجماهير بحصر السلاح المنفلت بيد الدولة، أي  احتكار الدولة للعنف، قوى اللادولة هذه بيدها السلاح الذي يحمي الفاسدين واللصوص ويعيق اجراء انتخابات عادلة!.

 

هذه هي شروط الانتقال للتغيير ومصداته المتمثلة في الطبقة السياسية الحاكمة التي تعتقد ان مطالب الجماهير  هي مطالب قادمة من خلف الحدود، الطبقة الموهومة بنظرية المؤامرة التي ينفذها شباب الصدور العارية، الطبقة التي لاتستطيع قراءة مستقبل الصدام بينها وبين الجمهور المحتج، فتتعامل معه بالتسويف ومحاولة ركوب موجاته الثورية وشيطنته وتسقيطه، متغافلة عن عمد الاهداف الحقيقية لحركة الاحتجاجات الشعبية.

 

تستطيع حركة الاحتجاجات الشعبية تحمّل العنف الذي توجهه سلطة الاحزاب اليها ومآلاته باستخدام آلة الدولة العسكرية والأمنية، وتستطيع ان تتحمل تساقط شبانها صرعى الرصاص الحي ومسرحيات الكوميديا السوداء تحت غطاء الطرف الثالث  (المجهول- المعلوم)، لكن السؤال المنطقي: الى متى تتحمل هذه الجماهير وسائل القمع العنفية المبالغ بها التي تستخدمها سلطة الاحزاب ضد جماهير الاحتجاج؟.

 

هذا هو السؤال الذي تخشى الاجابة عليه السلطات، ولاتعرف اجابته قوى الاحتجاج التي تحا ول الى اقصى الحدود الحفاظ على سلمية الحركة رغم العنف الموجه ضدها وضد اهدافها ومطالبها المشروعة ..

 

يقول مثل صيني " رب شرارة احرقت سهلاً " والمتوافر لدينا اكثر من شرارة في اكثر من مكان من جغرافية البلاد، وكل تلك الشرارات مهيئة في لحظة تأريخية فارّة الى ان تحرق كل السهول ويصبح من المستحيل على أي قوى اطفاء النيران التي ستبتلع الاخضر واليابس!

 

ولات الساعة ساعة ندم ..!