رأي

كفاّرة التطاول على القاضي "جلّ جلاله"!

كفاّرة التطاول على القاضي "جلّ جلاله"!

أحمد حسين

يكاد القضاة في العراق أن يضعوا أنفسهم في منزلة الآلهة، وإذا ما تواضعوا وتنازلوا عن ذلك فهم في منزلة دون الآلهة لكنها فوق البشر، ولا أدري ما هو مسوغهم في ذلك، هل لاستقلاليتهم وشجاعتهم ووقوفهم بوجه الأنظمة والأحزاب والكتل السياسية التي حولت القضاء إلى مطرقة تهشم بها رؤوس الأبرياء حيناً وتهدد بها الخصوم حيناً آخر، هل وقفوا إلى جانب شعبهم حين كان وما زال يرزح تحت نير الحديد والنار سابقاً والفساد والإرهاب والسلاح المنفلت حالياً، بل هل التزموا جانب الحياد والتمسك بالدستور والقانون وأدوا ما عليهم من أمانة كأضعف الإيمان؟، لا أظنهم كذلك.

 

بحسب ما سمعت وقرأت كان القضاء العراقي مستقلاً ومهاباً وحازماً بوجه من يخرج عن القانون مهما كانت منزلته ومكانته وسطوته، وكان بحق مفخرة للعراقيين، لكنها فرحة لم تدم طويلاً وانتهت حين تحول القضاء إلى أداة بيد السلطات القمعية التي "احتلت" سدة الحكم العراقي منذ شباط الأسود عام 1963 وحتى يومنا هذا.

 

حقيقة تاريخ القضاء العراقي في عهد حكم البعث لم يكن مشرفاً ولا هو الآن كذلك، في ذلك العهد كان الأحكام متفاوتة بحسب المدان أو حجم رشوته وقوة وساطته وسطوته وما زلت أتذكر أنا ومن هم في عمري الجرائم والانتهاكات التي كانت تصدر عن العائلة الحاكمة آنذاك وأقاربها والمقربين منها وذوي السلطة والنفوذ الحزبي والعسكري والمناطقي، وكان القضاء يغض الطرف عنها أو يصدر بها أحكاماً مخففة وأحياناً صورية لا تنفذ على أرض الواقع، وعلى ما أظن فإن الكثير منّا سمعوا بما كان يجري في أواخر سنوات الحكم البعثي في مكتب رئيس النظام وتحديداً سكرتيره المقبور عبود حمود حيث كانت هناك تسعيرة لتخفيف العقوبات، 25 مليون دينار لإلغاء عقوبة الإعدام وتحويلها إلى السجن المؤبد، و15 مليون دينار لتحويل السجن المؤبد إلى 15 سنة، وبخمسة ملايين دينار تخفيف السجن لمدة 15 عاماً إلى النصف.

 

في ذلك العهد هكذا كان القضاء العراقي وما اختلف الآن هو أن العائلة الحاكمة أصبحت عوائل والجهة المتنفذة باتت جهات، وكان في سابق خفياً نوعاً ما أصبح الآن مفضوحاً ومعلوماً للجميع، هذا هو الفرق ليس إلا.

 

الوقفة الاحتجاجية لقضاة وموظفيّ محكمة استئناف ذي قار الاتحادية، والبيان الغاضب لمجلس القضاء الأعلى، تنديداً بما أسموه "تطاولاً وتهجماً" على رئيس محكمة استئناف ذي قار، حقيقة يثير الغضب والاستفزاز وينكأ جرح عوائل شهداء التظاهرات وغيرهم.

 

القضاة استشاطوا غضباً لأن بعضاً من أهالي شهداء التظاهرات في ذي قار "تطاولوا" على رئيس المحكمة بالقول إنه وزملاءه يأتمرون بأوامر الأحزاب والكتل السياسية وليس بأمر القانون، وهذه حقيقة وواقع لا ينكره إلا مغفل أو منتفع من "تسييس" القضاء، ثم أين هو التطاول فيما قاله أهالي الشهداء، هل على هؤلاء السكوت والتسليم وقراءة سورة الفاتحة على أبنائهم وعدم المطالبة بالقصاص من القتلة، هل تعبير المظلوم عن الظلم الذي تعرض له يعد تهجماً في عرف القضاة جلّ جلالهم وتقدست أسماءهم؟!.

 

إذا أراد القضاة أن يعاملهم الناس باحترام وتقدير فعليهم هم أنفسهم أن يحترموا مهنتهم ومسؤوليتهم تجاه الناس والوطن والله ويطبقوا القانون والدستور على جميع العراقيين بغض النظر عن المنزلة والسطو والقوة والنفوذ والمال والمناطقية، عليهم إنفاذ العقوبات على مستحقيها والمساواة بين العراقيين والعراق فلا فضل لحزبيّ على عراقي إلا بالمواطنة والتزام القانون، ولا فضل لإقليم على محافظة إلا بالإيمان بالدستور واحترامه.

وأخيراً إذا أراد القضاة أن يحترمهم الناس فعليهم نزع قناع التجهم والاكفهرار عن وجوههم والنظر للآخرين كنظراء لهم في الخلق وأخوة في الوطن وليسوا فصيلة دون البشر يشمئزون من النظر لهم باحترام، فما أنتم بمتفضلين على أحد ولستم بأحسن من غيركم وما أنتم إلا موظفين حكوميين وعليكم أداء واجباتكم التي تتقاضون عنها ملايين الدنانير شهرياً من أموال الفقراء والضحايا والشهداء.

مقالات أخرى للكاتب