رأي

من أكاذيب الطائفية السياسية والساسة الطائفيين في العراق

من أكاذيب الطائفية السياسية والساسة الطائفيين في العراق

علاء اللامي

1- يطالب السياسي الطائفي بدور خاص وقيادي لحماية استحقاق طائفته لأنها الأكبر كما يقول، ولكنْ؛ أليس الأحق والأجدر بالحماية هي الأقليات الطائفية والقومية من خلال وجود نظام مواطنة ومساواة علماني؟ اسألوا المسلمين في الهند الذين يصل عديدهم السكاني إلى قرابة مائتي مليون نسمة، وهم أقلية مع ذلك تشكل 14 بالمائة من السكان، اسألوهم، لماذا يفضلون حكم العلمانيين في حزب المؤتمر الوطني "الغاندي" على حكم الحزب القومي الطائفي الهندوسي باهاراتا جاناتا بزعامة مودي صديق الرئيس العنصري الأميركي ترامب! لماذا؟ لأنهم وجدوا في الحكم العلماني حماية أفضل لحقوقهم وتمثيلهم! أما في العراق، فالساسة الطائفيون الشيعة يفكرون بعقلية الأقلية المذعورة فهم يزعمون أنهم الغالبية السكانية ولكنهم يفكرون بذعر كأقلية ستفقد الحكم إذا هجمت عليها عصابة من الشقاوات "البلطجية"، حتى أن الاقطاع السياسي الشيعي بزعامة حزب آل الحكيم قبل ضموره رفع في سنوات الاحتلال الأولى شعار نريد إقليما شيعيا في الجنوب والوسط!

 

2- الأكذوبة الثانية من أكاذيب الطائفية السياسية والساسة الطائفيين في العراق: الدفاع عن الطائفة والمذهب والدين! إنَّ الطائفية السياسية في كل مكان لا علاقة حتمية لها بالإيمان الديني والمذهبي فليس كلُّ الساسة الطائفيين مؤمنين أو إسلاميين، بل يمكن أن يكون الطائفي إسلاميا مثلما يمكن أن يكون علمانيا ليبراليا أو قوميا كرديا أو قوميا عروبيا أو يساريا أو شيوعيا أو بلا أيديولوجية معينة، فانتماؤه الأول والأهم لمصالحه الطبقية كفرد والفئوية كمجموعة. إنَّ كل من ساهم في بناء وترسيخ حكم المحاصصة الطائفية ودولة المكونات وصفق للاحتلال الأميركي سنة 2003، وكل من يؤيد اليوم بقاء حكم الطائفية السياسية ويرفض البديل الوطني الديموقراطي القائم على حياد الدولة الديني والطائفي والمساواة التامة بين المواطنين ورفض أية امتيازات وأدوار خاصة لأية طائفة أو إثنية أو مؤسسة أو شخصية دينية، هو طائفي حتى النخاع ينفذ مشروع الاحتلال الأميركوصهيوني السياسي القائم على معادلة: لكم أيها الطائفيون حكم العراق طائفيا، ولنا بقاء العراق مشلولا ضعيفا تابعا مستورِدا لغذائه مجردا من السلاح منهوب الثروات والعائدات النفطية خصوصا!

 

3- الأكذوبة الثالثة من أكاذيب الطائفية السياسية في العراق: نحن نحكم باسم الغالبية الشيعية! تطور الوضع في العراق، وأصبح ما يدافع عنه السياسي الطائفي الشيعي هو هيمنة جماعته "الإسلاميين الشيعة" من أحزاب ومليشيات الفساد بالتحالف "التشارك" اللصوصي مع أحزاب ومليشيات الفساد الكردية والعربية السنية على الحكم، وليس حماية تمثيل الطائفة الشيعية فهي التي تعاني أكثر من غيرها من ويلات الطائفية فمدنها خرائب والخدمات فيها لا تليق بالبهائم وقتلى وجرحى التظاهرات الرافضة للنظام غالبيتهم منها... إن حكم طائفة الأغلبية أكذوبة، لأن طائفة الغالبية السكانية تستطيع حماية حقوقها ضمن حقوق الشعب في حكم المواطنة والمساواة بطريقة أفضل، لأنها لن تفقد صفتها كغالبية سكانية إلا في حكم دكتاتوري سافر لممثلي أقلية طائفية! بالعراقي الفصيح؛ فالطائفي السياسي الشيعي مثلا، وفي لحظات الأزمات الكبرى، لا يريد أن يصل إلى الحكم حتى السياسي الشيعي العلماني –وقد حدث ذلك عمليا أكثر من مرة - ويفضل عليه شريكة الطائفي السياسي السني أو الكردي لأنه من طينته الاجتماعية الرجعية! إنها دكتاتورية الطائفية السياسية المحمية من قبل الأجنبي.

 

4-  الأكذوبة الرابعة من أكاذيب الطائفية السياسية: نظام المكونات والمحاصصة الطائفية العرقية هو انعكاس لواقع العراق المكون من شيعة وسنة وكرد! يقول السياسي الطائفي، وقد قال ذلك فعلا بهذه الصيغة أو تلك الطالباني والمالكي والحكيم والمشهداني والحلبوسي وغيرهم، قالوا وكرروا هذه الأكذوبة: هذا هو العراق وهذه هي تركيبته المجتمعية: شيعة وسنة وكرد وأقليات، فالشيعة ينتخبون شيعة والسنة ينتخبون سنة والكرد ينتخبون كردا؛ أي إنهم حتى في تقسيمهم للمجتمع العراقي لا يقسمونه "إلى عرب وأكراد وأقليات" لأن مشروعهم يقوم أصلا على تقسيم الغالبية العربية العراقية التي تصل الى أكثر من 85 بالمائة من السكان، بل إلى تقسيمها طائفيا ليسهل ضرب المجتمع ككل، وإلغاء هويته الحضارية والقومية العربية، ولهذا يعتبر إعلاميو المليشيات تقسيم المجتمع إلى عرب وكرد واقليات نوعا من "القومجية"، أي أن "القومجية العربية" حرام أما "القومجية الكردية" وغيرها فحلال بلال! وسيأتي يوم، وقد يكون أتى فعلا يقسمون فيه حتى الطوائف الى مكوناتها العشائرية والحزبية والمليشياوية والمرجعياتية، فالهدف هو تفتيت المجتمع العراقي إلى أصغر وحدات اجتماعية متفرقة ممكنة! ويضيف السياسي الطائفي أن هذا الواقع العراقي هو الذي أوجد هذا النظام القائم على المكونات والمحاصصة! وهذا هراء محض، وخداع وتضليل إجرامي، فهذا النظام جاء به الاحتلال الأميركي، وأداره وروَّج له ودفاع عنه الساسة الطائفيون وبمباركة ودعم من مرجعياتهم الدينية المذهبية. ثم إنَّ غالبية المجتمعات الإنسانية في عالم اليوم تعددية ومتنوعة التكوين وليس العراق فقط، وأن النظام الذي اعتمد في تلك المجتمعات هو نظام حكم المواطنة الذي يساوي بين المواطنين فيعطي صوتا لكل مواطن، ولا يتعامل مع المواطنين كأعضاء في طوائف منفصلة متصارعة بل كمواطنين ذوي هوية وطنية رئيسية واحدة، وهذا هو النظام السائد في غالبية المجتمعات التعددية كالولايات المتحدة وفرنسا وروسيا والهند وبريطانيا، وكلها - أكرر - دول تعددية مجتمعيا ومتنوعة قوميا ودينيا، وليس هناك نظام طائفي مكوناتي صريح في عصرنا إلا في العراق ولبنان؛ كما أنَّ هناك دول تعددية مجتمعيا وتحكم فيها أنظمة حكم قومية ذات قشرة انتخابية لكنها تقهر المكونات الأخرى فيها كتركيا وإيران والعراق قبل الاحتلال الأميركي.

 

زبدة الكلام والخلاصة العملية التي يخرج بها المراقب لتجربة حكم الطائفية السياسية المدمِّرة في العراق هي أن الساسة الطائفيين العراقيين كالصهاينة في فلسطين المحتلة فحتى لو كانوا ملحدين أو علمانيين سيبقون طائفيين يتعلقون بهوياتهم الفرعية الطائفية والإثنية والعشائرية التي يزعمون تمثليها ويدمرون الهوية الرئيسة الوطنية العراقية لأنها تعني نهايتهم!

 

5-  الأكذوبة الخامسة: شعبنا ارتضى هذا النظام وهو الذي يحميه: الشعب لم يرتضِ هذا النظام وقد فُرض عليه فرضا بقوة دبابات الاحتلال والتضليل الطائفي والاستفتاء المسلوق سلقا في ليلة ظلماء، فنِسبُ المشاركة في مهزلة الاستفتاء ودورات الانتخابات لم تتجاوز العشرين بالمائة أحيانا، وقد انتفض الشعب انتفاضات عديدة آخرها انتفاضة تشرين 2019 التي قدم فيها مئات الشهداء وآلاف الجرحى. أما مَن يحمي النظام المكوناتي الطائفي ودستوره ويدافع عنه فهم الأطراف التالية:

 

اولا: الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون لضمان دوام هيمنتهم على العقدة الاستراتيجية الخطرة "سُرَّة الشرق" التي يمثلها العراق.

 

ثانيا: إيران وبعض دول الجوار ذات المصلحة في جعل العراق سوقا لاستهلاك لبضائعها الرديئة وتحقيق أطماعها التوسعية العتيقة.

 

ثالثا: المرجعية الدينية المذهبية التي سوَّقت دستور بريمر ودعت الى التصويت عليه بنعم، ودعت الى انتخاب أحزاب الفساد الطائفية، وخنقت انتفاضة تشرين بحبل الانتخابات المبكرة بالمشاركة مع بلاسخات ممثلة الأمم المتحدة!

 

رابعا: أحزاب ومليشيات الفساد الشيعية والكردية وغالبية الساسة المقاولين العرب السنة الانتهازيين.

 

الخلاصة، هي أن هذا النظام مرفوض من قبل الشعب الذي عبر عن هذا الرفض بأشكال متعددة ومختلفة ليس أقلها مقاطعة مهازله الانتخابية، ولا يدافع عنه إلا المتربحون منه والمنتفعون من جوائزه وامتيازاته ورشاويه من رجال دنيا ودين فاسدين، وإذا كانت عشرون عاماً تلت سقوط صدام لم تمحُ إفرازاته وذكريات العراقيين عن جرائمه فإن قرنا كاملا بعد سقوط نظام المحاصصة الطائفية لن يكون كافيا لمحو سيئاته وآثامه وجرائمه بحق العراق والعراقيين، وستلعنه وتلعن القائمين عليه وحماته ومباركيه أجيال العراقيين جيلا بعد جيل!

 

6- نحن إصلاحيون ضد المحاصصة الطائفية! في السنوات الأخيرة، تكاثر الناقدون والهجّاءون لحكم المحاصصة الطائفية المرتدون لأقنعة الإصلاح والتغيير بعد سقوط وفشل نموذجهم في الحكم وتسببه بكوارث لا تحصى في العراق، ولكن نقد وهجاء الساسة المقنعين الموجودين في الحكم هو ضرب من ضروب الخديعة والنفاق والخسَّة فمن يرفض نظاما يجب أن يقطع معه، ويغادر مؤسساته، ويخرج منه الى نقيضه المعارض فيطالب بتغيير دستوره وقوانينه ونخبته الحاكمة، أما إذا ظل النقد والهجاء في حدود الكلام والإعلام خلال المواسم الانتخابية فهو ليس إلا طريقة جديدة في الدفاع عن النظام القائم؛ نظام الطائفية السياسية. لاحظوا أن جميع من ينتقدون نظام المحاصصة الطائفية لا يقتربون أبدا من دستور بريمر بهدف تغييره جذريا أو إعادة كتابته وكأنه كتاب مقدس مُنْزَل، لأنه يحمي ويضمن مصالح الاقطاع السياسي والنخب الحاكمة اللصوصية!

 

وأخيرا؛ هل تريد أن تعرف جوهر موقف أي سياسي من الساسة داخل النظام أو على مقربة منه؟ اسأله هذا السؤال وسترى: ما رأيك بإعادة كتابة الدستور العراقي الحالي كليا من قبل متخصصين دستوريين تحت إشراف مباشر من الشعب؟ ما رأيك بخروج جميع القوات الأجنبية من العراق وكف الهيمنة الإيرانية ووقف تدخلاتها في شؤونه الداخلية تماما؟

 

*وهناك المزيد من أكاذيب الطائفية السياسية والساسة الطائفيين ولكنني سأكتفي بهذه المجموعة منها لتفادي الإطالة على القارئ.

مقالات أخرى للكاتب