رأي

قمة الاستغفال الثنائي.. حين يستجدي "الغني" من المتسول!

قمة الاستغفال الثنائي.. حين يستجدي "الغني" من المتسول!

أحمد حسين

يقول أهل الاختصاص "القانون لا يحمي المغفلين" وقد أوجزوا وصدقوا فالمغفل هو من يجتذب إليه من يستغفله كما يجذب حجر المغناطيس الحديد، لذلك لا حيلة لأهل القانون في نصرته لأنه بطبيعة الحال ألقى بنفسه وبكامل إرادته في مستنقع الاستغفال، فما السبيل إلى انتشاله؟.

 

ويقال في المثل الشائع "يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه" وقد أوجزوا وصدقوا أيضاً، فقد أوردنا من حكموا ويحكمون العراق موارداً لم يحلم بها أعداءنا وخصومنا حتى أنهم قدموا لهم العراق بتاريخه وتراثه ومكانته وأهميته الجغرافية والسياسية والعقائدية على طبق من ماس وليس من ذهب.

 

أظن أنني استوفيت وصف ما كنّا عليه وما نحن فيه الآن وما سنكون عليه أن استمر الحمقى، حكام الصدفة، في إدارة شؤون العراق وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا.

 

منذ يوم الخميس 24 حزيران اضطربت بغداد واستنفرت القيادات الأمنية جهودها لتأمين ما يسمى كذباً وجزافاً "القمة الثلاثية" التي عقدت لاحقا بلقاء رئيس وزراء الفيسبوك مصطفى الكاظمي مع ملك الأردن عبد الله الثاني والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حقيقة هي ليست بقمة بالمعنى السياسي فيما يخص العراق، ولا هي ثلاثية، بل هي في حقيقة الأمر قمة استغفال للعراق، ثنائية المحور للأردن ومصر وما العراق فيها سوى بقرة يحلبها الكاظمي ليمنح حليبها للسيسي وعبد الله.

 

ما الذي سيجنيه العراق من التحالف مع مصر والأردن أو عقد اتفاقيات معهما؟، ما الذي تمتلكه الأردن والعراق بحاجة له، سكائر (غمدان) الرديئة التي دخلت العراق حين غفلة وبصفقة سياسية ولم تصمد سوى فترة وجيزة وانتهى زمنها من الأسواق العراقية لرداءتها، أم مشروب الويسكي (PJ) الذي بات صناعة عراقية منذ سنوات مضت؟، أي صناعة أو تجارة أو اقتصاد أو سياسة أو تأثير دولي من الممكن أن يقدمه الأردن للعراق ينتفع به؟!.

 

في المقابل ينعش العراق الاقتصاد الأردني منذ عقود من الزمن، باعتبار ميناء العقبة مصدراً للتصدير والاستيراد رغم عدم الحاجة الماسة إليه فهناك بدائل كثيرة عنه، أيضاً يمنح العراق للأردن ملايين براميل النفط بسعر رمزي دون أي وجه حق أو منفعة.

 

المصيبة والنكبة الكبرى أن الأردن أعلنت في يوم 25 حزيران 2021، أي قبل القمة الاعتباطية أن اتفاقيتها مع العراق لتزويده بالكهرباء سيبدأ تنفيذها مطلع العام المقبل 2022!.

 

أي كهرباء هذه؟، نعلم أن مصادر توليد الكهرباء ثلاثة، الكهرومائية، أي تشغيل توربينات توليد الكهرباء بضغط وقوة المياه، والوقود، أي تشغيل التوربينات بالنفط ومشتقاته، والنووي، أي توليد الكهرباء بالتفاعل النووي، وهذه المصادر الثلاثة تفتقر لها الأردن ولا يمكن أن تتوافر فيها فكيف لها أن تكتفي ذاتياً من الكهرباء لتصدرها للعراق، بلد النهرين والنفط والنووي؟!.

 

الأردن التي لا تتوافر حتى على مصادر ماء الشرب وسقي المزروعات تبتز العراق بمليارات الدولارات سنوياً دون أي مقابل، الأردن حكومة وشعباً التي تعامل العراقيين بازدراء واحتقار منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى الآن على الرغم من أن المصارف الأردنية تعتاش على الأرصدة العراقية فيها، ورغم ذلك العراق يلجأ إلى هذه الدولة الفقيرة في كل شيء رغم أنه يعاني من تجفيف وتعطيش يهدد وجوده كبلد وشعب، بحيرة حمرين في ديالى على وشك الجفاف، مخزون سدود وبحيرات دوكان ودربنديخان والموصل والثرثار والحبانية والرزازة في تناقص مستمر بسبب وريثيّ يزيد بن معاوية، تركيا وإيران، اللتان تحاربان العراق بنفس سلاح جيش يزيد، العطش والابتزاز، وبدلاً من أن يتوجه الكاظمي وحكومته الفيسبوكية لمهادنة السلطان العثماني والشاه الفقيه أو الضغط عليهما، يتوجه إلى دول ضعيفة لا ثقل ولا أهمية لها في المعادلة السياسية أو الاقتصادية ولا حتى الجغرافية؟.

 

ولا يختلف الحال عن مصر، فما الذي تصدره للعراق غير (النساجون الشرقيون) بمنسوجاتهم الرديئة التي لم تصمد سوى لفترة وجيزة ومن بعدها تكدست في مخازن التجار، ما هي أجود تجارة للعراق مع مصر غير القطن المصري، هل ننتظر منهم مثلاً صناعة عسكرية أم فضائية أم إلكترونية أم قوة سياسية أم اقتصادية؟!، خاصة في عهد السيسي الذي "زحف زحفاً" للسعودية والإمارات من أجل حفنة من الدولارات حتى أنه تنازل عن أراضً مصرية للسعودية على أمل أن يحظى بتلك الحفنة المنقوعة بالذل؟، وأعلن عداءه للسلطان العثماني المريض أردوغان وها هو الآن يعود صاغراً لأردوغان حين التمس أن حكام الخليج ما عادوا بحاجة له، والحقيقة هم لم يكونوا بحاجة له منذ بدء الحرب على اليمن بل كانوا ينتظرون منه أن يرسل قطعاناً من الجيش المصري لتقود الحرب في اليمن بالنيابة عنهم.

 

السيسي الذي أسقط في يديه وما عاد قادراً على فعل شيء للحيلولة دون الجفاف والعطش الذي يهدد مصر بسبب سد النهضة الذي شهرته إثيوبيا سيفاً بوجه مصر ولم يفعل السيسي شيئاً للوقاية منه، فهل ننتظر من هذا أن ينقذ العراق من أزمة الجفاف والعطش التي تهدده بها تركيا وإيران؟!.

 

المغفلون الحمقى إلى أين انزلقوا وينزلقون بالعراق وفي أي مستنقع سنجد أنفسنا بعد حين؟!.

مقالات أخرى للكاتب