ثقافة

الطوفان – قصة قصيرة

الطوفان – قصة قصيرة

قاسم حول

 

بين اليقظة والمنام شاهدت المياه تدخل من النافذة إلى غرفة نومي دافعة بالستارة تنساب بين قوائم السرير، فأيقنت أن الطوفان قد حل في بلادي. نهضت من السرير وضعت شريحة فيلمي الأخير "بغداد خارج بغداد" وفيه مشاهد عن زوارق قديمة في هيئة "قفة" إستعملها السومريون وأهل بغداد القدامى. ذهبت نحو مشهد الأهوار  وأخذت زورقا من الشاشة على شكل قفة، ووضعت الزورق القفة فوق المياه وصعدت فيها.

 

اكتشفت بأن غرق مدينة بغداد لم يكن كابوساً، بل هو حقيقة سببها تفجير سد مدينة الموصل من قبل نبي الخلافة الإسلامية.

وجدت نفسي أجذف في شارع الرشيد. وصلت شارع "المتنبي"، الشارع الذي يبيعون في الكتب والمجلات والكتب والمؤلفات والمجلدات متكدسة فوق بعضها. بعض أصحاب المكتبات كدس المجلدات فوق بعضها داخل المياه الهادرة كي يعملوا ممراً يمشون فوقه نحو الضفة الأخرى من شارع المتنبي. شاهدت مجلات قديمة طافية فوق المياه دفعت بها السيول وإلتصقت صفحة من المجلة في القفة المطلية بالقار. سحبت الورقة من صفحة القفة فشاهدت فيها صورة الممثلة "آفا جاردنر".

 

فجأة وجدت نفسي أمام غرفة صغيرة غارقة وسط مياه الشارع. غرفة شاهدت مدخلها ذات يوم وزجوني فيها ولم أعرف ما في داخلها. كانت غرفة بدت لي صغيرة جداَ معتمة تماما. سمعت في داخلها أصواتا ولغطا عاليا ونباح كلاب وثمة ناس في داخلها لم أرهم ولكنهم كانوا يقهقهون ويصرخون وهم يمسكون بي وبعضهم كان يعضني وآخرون يقسون بالضرب على جسدي النحيل وشعرت كما لو أن كلبين كانا يسحبان جانبا من كتفي وهم يخرجون أصواتاً ولم أكن أشعر بالألم. تهاوت جدران الغرفة بفعل الطوفان وظهر الناس الذين كانوا يجلدونني ورحوا يسبحون في مياه الطوفان التي أغرقت شارع الكتب المسمى "شارع المتنبي". بعضهم كان يفوج في المياه بعنف ثم دخلوا في دار النشر المجاورة لمقهى الشاهبندر.

 

اقتربت من مقهى "الشاه بندر" ليس ثمة زبائن كما العادة. نظرت صوب شباك المقهى فلم أر أحدا من الزبائن ولكني كنت أسمع رنين الملاعق في أكواب الشاي. الرنين كثير ويعلو صوته ويتحول إلى ما يشبه سيمفونية موسيقية أصواتها متماوجة في الكون يتلاشى بعضها وبعضها يدنو صوبي وكنت مسروراً مع هذه الأنغام والزوارق تمشي وتمر وتبتعد.

زحفت المياه راكضة لتلتحم بمياه دجلة والفرات وركضت متدافعة، والسيول تجري نحو مياه الأهوار في جنوب العراق والمليئة بالجواميس السابحة في مياهها.

 

والجواميس حيوانات من جنس الأبقار لكنها متوحشة تم تدجينها في التاريخ. لا تنسجم كثيراً مع الناس ولذا فهي تخرج منذ أول الصباح بعد أن يتم حلبها وتسافر في المسافات البعيدة المترامية الأطراف لتعود مع غروب الشمس وكل جاموسة تعرف بيت صاحبها. لم تكن الجواميس ودودة مع البشر، فهي غاضبة بشكل دائم وغضبها يعرف من صيحتها ونغمة تلك الصيحة. هي مضطرة للعودة إلى منزل صاحبها لأن الحشرات تكثر ليلا وتنغص عليها نومتها، فيلجأ صاحب الجاموسة لكي يشعل النار بوقود هي من فضلات الجاموس اليابس "المطٌال" فيطرد الدخان الكثيف الحشرات لتنعم الجاموسة بنومة هادئة. هذه هي لعبة المساومة بين الجاموس ومعدان الأهوار. لكن الجاموسة في لحظات الغضب تدمر كل ما حولها. هي حيوان ضخم وذكي بشكل فطري. يسبح على مدى يوم كامل، يطوف فوق المياه ويطوف بين غابات القصب الكثيفة المتشابهة وفي المساء يعرف طريقة ويعرف بيت القصب المبني على جزيرة من القصب فوق المياه. هذه البيوت تتحرك أحيانا بفعل الريح وحركة المياه، وكثيرا ما تغير موقعها حين تدفع بها الريح إلى مسافات وتستقر في مكان آخر لكن الجاموس يأتي إليها في نهاية اليوم. عالم غريب من العلاقة  بين الجاموس ومعدان الأهوار العراقية.

 

 أصبحت جميع الطرقات سالكة بالمياه، وكانت واحدة من الجواميس قد جرفتها السيول بإتجاه بغداد ووصلت نحو زقاق سوق ضيق يسمى "سوق السراي" كان حجمها كبيراً ضخما وهي تسبح كعادتها كل يوم في مياه الأهوار العريضة وسط القصب وأحراش البردي. كانت تطفو فوق المياه بين ممرات القصب في الأهوار وحين تضيق المسافات بجسمها فأن عنفوانها يدفع بالقصب فتمر بين ممرات القصب وأحيانا تجرحها نتوءات القصب المتكسرة وتظل تسبح دون مبالاة فجلد الجاموس سميك. عندما تشعر بالألم من الجرح تغطس في الماء قليلا فتشعر بالبرودة وفي المساء يلتئم جرحها. لكنها هنا في سوق السراي لم تتمكن من السباحة فجدران السوق لا تمكنها للتسلل نحو المساحات العريضة كما الأهوار. صارت أشبه بفأر يريد أن يخرج من عنق الزجاجة. جسمها كان في سوق السراي ورأسها ناتئ في شارع المتنبي. أعادت رأسها لسوق السراي وبقيت طافية هناك. في نهاية سوق السراي دكان صغير يشتهر ببيع "الكبة". كان صاحب المهنة يفرش عجين الطحين ويضع فوقه اللحم والشحم المفروم ويدير العجين فوق اللحم ليجعله أشبه بكرة صغيرة ويضعه في قدر فيه سائل ساخن من عصير الطماطه والبصل والملح والبهارات، تعلوه كتل المياه المتبخرة ويلقي بكرة العجين  واللحم في داخله فيتماسك. كانت في القدر بقايا بضعة كرات من العجين واللحم المطبوخ. أدخلت الجاموسة رأسها في القدر الكبير وبدأت تأكل كرات اللحم والعجين "الكبة" ثم  أخرجت زئيرا من فمها بعد أن شبعت، لكن زئيرها أشبه بنداء إستغاثة لزميلاتها السابحات في سيول المياه المتدفقة في شوارع العاصمة وأزقتها. لا أحد يدري كيف تاهت الجاموسة من قطيع الجواميس وهن لا يمشين فرادى.

 

انتبه بعض المعدان من سكان الأهوار الذين دفعت بهم السيول نحو العاصمة العراقية بغداد، فهرعوا نحو الجاموسة التي حاولت من جديد أن تخرج جسدها من سوق السراي الضيق بعد أن أحست بالعافية وملأت جوفها باللحم الملفوف بالعجين. نزل سكان الأهوار من زوارقهم وهم يتعاملون بحنو مع هذه الحيوانات التي يستخرجون من حليبها قشدة شهية  للإفطار مع الشاي الداكن. مسك إثنان بالقرن الناتئ من رأسها ومسك آخران بأرجلها وكانت هي مستسلمة ولم تتصرف بعدوانية كعادتها عندما يرغمها أحد من سكان الأهوار على فعل ما لا تهواه. فقد شعرت في تلك اللحظة إن تصرف المعدان تصرفا سلميا يستهدف إنقاذها فصارت تساعدهم في سحب التنفس وتقليص حجم معدتها، وعندما حاول المعدان سحبها ومع حركتها سقطوا وهم في المياه، وبقيت هي تتململ. شكل وجودها الضخم الأسود مشكلة في سوق السراي حيث سدت المدخل وحالت دون خروج  المحشورين في مياه السوق حين بدأت مناسيب الفيضان ترتفع، فأخرج بعضهم العصي وصاروا يضربون الجاموسة في خلفها علها تندفع هاربة وتخرج وتفتح لهم الطريق. لم ينفع ذلك فقسوا في الضرب على مؤخرتها وبعضهم صار يضربها في بطنها المنتفخة فأخرجت زئيراً شق عنان السماء. صاح أحد المعدان على أهل المدينة. لا تضربوها فهي حيوان ذو كرامة وسوف تنتقم منكم. لم يكترث أهل المدينة بنداء أهل الأهوار. أخرج أحدهم سكينا ولكزها في فخذها فأخرجت زئيرا أرعب الطافين فوق المياه وأحدث زئيرها إرتجاجا في بعض البنايات القديمة في سوق الكتب وحين حاول صاحب السكين لكزها ثانية في فخذها الآخر إنتفض جسمها وبات كأنه كبر كثيراً فقد نفخ الغضب جسمها وإهتزت بعنفوان هدم مقدمة السوق وتهشمت الدكاكين التي في نهاية سوق السراي وتمكنت الجاموسة من الإفلات من عنق السوق لكنها سرعان ما  أستدارت وتوجهت نحو أبناء المدينة الذين لكزوها بالسكين والعصي ومثل ثور هائج إندفعت نحوهم وصارت تنطح بهم في رؤوسهم وكروشهم وهم يسقطون في المياه وكان متعذرا عليهم الهروب وسط سيول المياه الجارفة وكانت المياه تتطاير نحو سقف سوق السراي وهي تسقطهم وتدوس عليهم وهم غارقون وإختلطت دماؤهم بسيول المياه الجارفة وسرعان ما طفت اجسادهم  الميتة في مياه سوق السراي وفي شارع الكتب. كانت الأجساد الميتة لضحايا الجاموسة تطفو فوق مياه الفيضان وكانت تأتي موجات السيول جارفة وقوية فترمي بأجساد الميتين نحو المكتبات ودكاكين بيع الكتب. شوهدت أجساد بعض الصحفيين وكتاب أعمدة الصحف وبعض الشعراء طافية فوق المياه. مات بعض الشعراء والكتاب بفعل هياج الجاموسة. لم يكونوا ممن لكز الجاموسة بالسكين في أفخاذها بل كانوا آتين بالصدفة في زوارقهم قاصدين سوق المكتبات، فجاء هياج حيوان الأهوار ليشملهم بالإنتقام، فالجاموس حيوان ساكت، لكنه حيوان غاضب لا يقبل أن يهان أو يضرب، وحين يحصل له ذلك يندفع هائجا حيث يختفي التدجين ويمتلكه الجانب الوحشي فيحطم كل ما هو حوله من البشر والبيوت. ويبدو أنه غضب مذ دخل المدينة وشاهد بيوت الآجر والإسمنت وشاهد المكتبات والكتب وشاهد عربات بيع "الباقلا واللبلبي" وشاهد النساء بأشكال مختلفة يكشفن عن جانب من أجسادهن وشم عطوراً لم يشمها من قبل وسمع لغات ولهجات غير التي ألفها في الأهوار، وشاهد أجسام السيارات والدراجات الهوائية وسمع الناس يتحدثون بأصوات عالية وسط أبواق السيارات هي غير ما يسمعه في عالم الأهوار البدائي وأغاني الهور و"الأبو ذيه" الذي ألف نغماته الساحرة. شاهد عالماً مضطرباً أربكه وعكر عليه مزاجه وصفو تأمله ووحدانيته. أزعجه ضيق الشارع وقسوة الكونكريت وعدوانية المارة حين لكزوا فخذيه بالسكاكين. هذا ما دفعه للهياج والإنتقام، فقد أنتقم يوما من مصور بريطاني كان يحمل كاميرا سينمائية في ألأهوار ويتقدم نحوه بالمشحوف لتصويره، فهجم على الزورق وقلبه في الماء وصار يدوس عليه فطفت بعد حين جثة المصور البريطاني. يومها عرف البريطانيون مزاج الجاموس.

 

صرت أجذف دافعا القفة للخروج من شارع المتنبي فلمحت صاحب دار النشر المجاورة لمقهى الشاهبندر وقد وقفت إلى جانبه الأنماط البشرية التي جلدتني يوما في الغرفة المظلمة مع الكلبين، شاهدته يبول مستمتعا برنين البول على مياه الطوفان ولم يعد قادراً على العودة إلى شمال العراق حيث غمرت السيول الجبال مثل ما غمرت المستنقعات فأدرك أن الطوفان قد أغرق البلاد من أقصاها إلى أقصاها ولم يعد ثمة أمل في النجاة. إلتفت فشاهد الجاموسة الغاضبة تمخر مياه السيول والماء يتطاير من حولها من هول ركضها السريع في مجابهة السيول وهي متوجهة صوبه.

 

 

من الأعمال الكاملة للمؤلف.. خاص بـ"العالم الجديد"

 

[email protected]

 

مقالات أخرى للكاتب