رأي


منذ بعض الوقت وانا اكتب محذرا من مخطط لإلغاء الدولة العراقية، حيث تستند فكرتي إلى أن العراق ككيان يحظى بعداء قوى دولية واقليمية لاسباب متعددة على راأسةا أن وجود الكيان العراقي يتعارض مع المصالح الستراتيجية لهذة القوى حيث لاعلاقة لمن يحكم في بغداد بالسياسات التي تستهدف كيان الدولة العراقية، رغم أن وجود حكم شرعي يمثل مصالح البلد والشعب ويتمتع بالادراك والحكمة كان سيجنب العراق الدماء والآلام والخسارات التي سببتها سياسات هوجاء قدمت مبررات لأعداء دولتنا لتدميرها بموافقة أو سكوت العالم.

واحدة من مبررات مخطط إلغاء العراق هو الحديث عن كونة كيانا مفبركا وإن وجود شعب عراقي أو هوية وطنية عراقية هي مسائل غير واقعية والحل يكمن في تفتيته وتقسيمه لإحقاق فئات ظلمت في هذة الدولة، متناسين أن الظلم كان من الحاكمين الذين ظلموا حتى الاغلبية، جزء من هذا المخطط كان بشن حرب على الذاكرة العراقية وباشكال وطرق متعددة تمثل بعضها بسرقة آثاره ومخطوطاته ووثائقه وكتبه وتغييب رموزه وكفاءاته وتهجير كثير منهم أو خلق ظروف لاتمكنهم من البقاء في بلدهم.

 

إن المقاومة لهذا المخطط لازالت غير متبلورة لأسباب تتعلق بعدم وجود إدراك لهذا المخطط وخطورته، وأيضا بسبب الظروف السياسية السائدة وميراث الانظمة السياسية الذي أنتج قناعات ومفاهيم تعادي العمل السياسي المنظم وتكرس النزعات الانانية والوصولية.. إن الوقت قد يطول قبل أن تتبلور محاولات التصدي للأوضاع السيئة من فساد ونفوذ اجنبي بشكل أعمال جماعية منظمة يكون خلالها العراق قد فقد العديد من مقومات بقاءه ومحو جزء من ذاكرته الوطنية، وكل ذلك لا يجب أن يجعلنا عاجزين عن مقاومة تفكيك كياننا العراقي، إذ تتوفر للمكافحين في سبيل الاهداف الوطنية والانسانية دائما وسائل للمقاومة، وواحد من هذة الوسائل هي الذاكرة، وهو أمر لا يحتاج إلى أطر تنظيمية أو يشكل خطورة على العاملين فيه ولايتطلب كفاءات تخصصية ويمكن ممارسته من كل عراقي بالغ ومؤمن وراغب بذلك، بغض النظر عن مستواه العلمي والاجتماعي.

 

وللعراقيين تجربة طويلة ومهمة في هذا المجال، حين إستأصلت كل إمكانيات المقاومة المعروفة فتداولوا المعلومة الممنوعة والرواية المخالفة للسلطة، أزاء المعلومة المزيفة والرواية المفروضة، فبينما كان إعلام البعث يتحدث عن دكتاتورية الزعيم عبد الكريم قاسم (وطغيانه) والدماء التي سفكها (وشعوبيته) والوضع المزري للبلاد في عهده، كان كثير من العراقيين بشكل واع أو غير واع يتداولون روايتهم للأحداث مستقاة من معايشتهم وتجاربهم، ونقل كل ذلك للأجيال التي لم تشهد تلك الفترة والتي كانت تتعرض لعملية غسيل دماغ منظمة في رياض الاطفال والمدارس والكليات..الخ.

 

لكن ما الذي يمكن لحرب الذاكرة أن تقدمة لمقاومة إلغاء العراق؟ إن إستعادة الذاكرة الوطنية والمحافظة عليها هو أحد أشكال النضال السلمية في غياب أشكال النضال الاخرى أو كجزء منها، وهي تساهم في منع تكون ذاكرة جديدة مزيفة للتاريخ والواقع يستمد منها الحاكمون شرعية غير حقيقية،  وخلق وعي مزيف لجمهور من الاجيال التي لم تشهد الماضي القريب يدعم بقاء النظام الحاكم كما أنها تسمح بالمقارنة بين إلإنجازات البسيطة للعهد الحالي إن وجدت وبين مايمكن إنجازة بإستعراض إنجازات عهود سابقة وبإمكانيات أقل وظروف أصعب.. إن بقاء الذاكرة العراقية يؤكد الهوية الوطنية ومشروعية وجود الكيان العراقي وضرورته ويستحضر التاريخ المشترك والتضحيات والنضالات في سبيل استقلاله ورفاه شعبه ويحافظ على فكرة الشعب مقابل فكرة الشعب المفتعل والكيان الملفق.