رأي

الـ17000 قطعة أثرية!

الـ17000 قطعة أثرية!

قاسم حول

شاهدت على شاشة قناة "الحدث" العربية، السيد وزير الثقافة العراقية الدكتور حسن ناظم وهو يبشر الشعب العراقي بإستعادة سبعة عشر ألف قطعة أثرية، أغلبها من الرقم الطينية، يعود تاريخها للحضارة السومرية. ثم عقبت قناة الحدث عبر مذيعة ملحقة بنشرة الأخبار تتحدث بإقتضاب إخباري عن تاريخ السومريين وتقول أنهم أقوام جاءوا من المناطق الجبلية!

 

أولا، وقبل مناقشة الآثار المعادة، لتعلم قناة الحدث وكل قناة تلفزيونية سائبة، إن السومريين يعتقدون بأن الكون برمته، قد إنشئ أصلا في الأهوار. وهذا الإعتقاد مدون على الرقم الطينية، ولم ترد كلمة جبل أو جبال، في كل تلك الرقم والألواح، والكون أنشأه في الأهوار، الإلهان "أنليل ومردوخ السومريان " وجاء في الإسطورة المدونة على الرقم الطينية:

 

"حين لم تكن السماء قد سميت بإسمها. ولم يكن الكوخ المصنوع من قصب البردي قد وجد. ولم توجد أرض بين المياه في الأهوار. وحيث لم تكن سوى مياه الأعماق الطاهرة الني نشرب منها - إبسو- والمياه المالحة – تيامات – والغيوم – ميمو – سادت الأرض فوضى وحزن بسبب الطوفان. ولم يكن لينقذ الأرض سوى معجزة سماوية، حققها الإلهان أنليل ومردوخ السومريان، ونجحا في إجتثاث الشر والفوضى المتمثلين بالأفاعي السامة والتنين، وخلقا سماء صافية وخلقا الشمس والقمر والنجوم ووضعت في مسارها الطبيعي، ثم خلقا جزيرة من القصب والبردي وخلقا الطين والأملاح".

 

ترى يا قناة التلفزة الحديثة "الحدث" التي ترمي بالمعلومة في الأثير بقصد أو دون قصد بوعي أو دون وعي، ليستقبلها العرب وبخاصة الشعب العراقي، الذي لم يعد لديه الوقت للقراءة والكتابة والبحث، حيث هو مشغول بالفقر والموت والتلقيح وحرق المستشفيات وإختفاء الكهرباء والماء الصالح للشرب وسقوط الأبراج الكهربائية والخطف والخاطفين والشهداء.. وسوى ذلك. هذا الشعب المحكوم لا وقت عنده للقراءة والبحث، فيستقبل المعلومة كأنها حقيقة موضوعية نهائية، ويتأثر بالصورة المتحركة، وما لها من تأثير سيكولوجي وأمني وفيزيائي على المتلقي!

 

الآثار المعادة للعراق!

هذه الكنوز التي نجحت الخارجية والثقافة والسفارة في "واشنطن" في إستعادتها، هي جزء من كل، الكثير منها تبرع أهل المدينة في نقلها للدولة العبرية!! وليكن في معلوم الجميع أن لا مكان في العراق مهيأ لإستقبال الآثار وحفظها بالطريقة العلمية النظامية وهي قابلة للتلف والتصدع، هذا إذا لم تكن هذه الرقم المعادة، متصدعة أصلا، حين تم الإستيلاء عليها ونقلها وإعادتها.. وما هو علمي ونظامي لحفظ الآثار والرقم الطينية، ذلك الذي نقلته السيدة الخطيرة الجميلة وسيدة الإستخبارات البريطانية "مسز بيل" إلى بريطانيا في بداية وعشرينات القرن العشرين. هذه الآثار، ليست ما نراه في المتحف البريطاني الذي يأمه الزائرون فحسب، بل هناك متحف لا ولن يأمه الزائرون.. حدثني عنه البروفسور "فاروق الراوي" حيث يعمل فيه! وكان هو أحد عشاق فيلمي "الأهوار"، وطلب مني أن يحتفظ بنسخة منه فأرسلته إليه، ومن خلال الفيلم تكونت لي معه علاقة طيبة. يوما حدثني عما هو تحت المتحف البريطاني حيث يعمل، وقال لي يوجد متحف آخر يمنع الدخول إليه، وروى لي حكايات عن هذا المتحف الكائن تحت المتحف البريطاني، وفتح شهيتي لتصويره. قال لي قدم طلبا للمتحف وأنا أحمله إليهم.. قدمت الطلب واستغرقت المراسلات بيني وبين المتحف وعبر وساطة البروفسور الراوي ستة شهور، ثم جاءت الموافقة وأرسلوا لي رزمة أوراق وطلبوا مني التوقيع عليها والتعهد بالشروط المدونة في هذه المستندات وهي مكتوبة بحروف ناعمة من الصعب قراءتها، ومعرفة القوانين والغرامات وكل اللعب التي يحكمك فيها الرأسماليون والتي توقع عليها مرغماً، كما العقد الذي توقعه مع المصارف حين تفتح حساباً أو تطلب قرضاً، ولا تعرف على ماذا وقعت! وبدون الدخول بالتفاصيل، ومنها تعهدي بدفع مليونين ونصف المليون من الباونات الإسترلينية إذا خالفت شروط العقد. قلت مع نفسي فلأخالف الشروط وليحصلوا مني المبلغ في حجز راتبي التقاعدي العظيم؟!

 

"صورة العقد والتفاصيل منشورة في مذكراتي التي ستصدر بعد أيام من كتابة هذا العمود"

 

سمح لي بالتصوير ساعة واحدة من الثانية عشرة حتى الساعة الواحدة. فماذا شاهدت في المتحف خلال هذه الساعة. في مدخل المتحف جدارية كبيرة عن الأهوار في العهد السومري.. نفس القصب.. نفس البردي.. مشاحيف من النوع الذي يطلق عليه الآن "البركش" وأظنها كلمة سومرية وهي غير المشحوف الذي منه عينه في المتحف البريطاني المعلن. أكواخ القصب نفسها بالضبط الموجودة في الأهوار.. الأقوام الذين يجذفون في البركش تختلف ملابسهم وشعرهم عن سكان الأهوار الحاليين.. مياه الأهوار والبردي والمشاحيف بينها تسحر الألباب والمخيلة.. ترى وتتساءل، كم إستغرق النحات في نحت هذه الجدارية العظيمة!؟ تمكنت من تصوير الجدارية ولم أقترب منها كثيراً وممنوع تسليط كمية من الإضاءة عليها، ولكني صورت تفاصيلها بعدسات طويلة كبيرة البعد البؤري "120 ملمتراً" صورتها وصورت كل تفاصيلها. سرحت مخيلتي وأنا أصور الجدارية، أن أبعث الحياة في اللوحة وفي مكوناتها، وأراها متحركة فصممت اللقطات بما ينسجم ومخيلتي، ونجحت لاحقا بتحريك اللوحة ببركشها ينساب في المياه وبالبردي االذي يغنج متمايلا في الهواء!

 

بعد الجدارية وجدت طاولة مستطيلة وطويلة يجلس على جانبيها عدد من الخبراء والعلماء ويضعون على رؤوسهم مكبرات، كتلك التي يستعملها أطباء فحص السمع.. ولا شيء سوى جدران وسلالم متنقلة.. والجدران مبنية من الخشب البني اللون وفيها أدراج من الصعب معرفة عددها.. قال لي البروفسور الراوي "هذه الدروج التي تبدو أن لا نهاية لها توجد بداخلها الرقم الطينية السومرية التي نقلتها مسز بيل من العراق إلى بريطانيا"

 

 كانت نفوس السومريين قليلة ودونوا حياتهم اليومية بأدق التفاصيل، البيع والشراء والمقايضة وعقود الزواج والمعابد والآلهة والكهنة وكمية الغلال والأمطار والفيضانات والموسيقى والنوتات وقصائد الشعر الإيروتيكة، والأحلام والأهازيج وحركة الطبيعة.. وهذا هو السر الذي يمنع فيه زيارة المتحف السري لأن الخبراء سيكتشفون أسرارا، وقد يلجأون لكتابة تاريخ غير موجود على تلك الرقم بالكتابة المسمارية التي يتقنها الخبراء. ثم صورت الخبراء وهم منهمكون في قراءة الرقم الطينية وترجمتها وإستطعت أن أجري لقاءاً مع رئيس الخبراء، وبدأ يقرأ لي في أحد الرقم المفخورة، ثم أجريت مقابلة أخرى مع البروفسور الراوي الذي صار يقرأ لي في أحد الرقم الطينية بالسومرية وقرأ لي مدونات على الرقم كيف تلفظ الكلمات "أي التحريك" قرأ لي إسم التمر والتفاح والعنب وكمية الغلال المنتجة، وأنشد لي مقطعا من الإهازيج وقال لي هو قريب جدا من اللحن الذي ورد في فيلمك الأهوار، نفس النغم "رشيت الدرب ريحان.. لو أدري يمر من هان"!

 

والذين يتحدثون عن ملحمة كلكامش الخالدة والتي لخصتها المذيعة الملحقة بالأخبار بثوان وأعلنت بأن السومريين نزلوا من الجبال، وقالت عن عمر الملحمة التي حددت عمرها بسبعة آلاف سنة، والتي دونت على الألواح السومرية، تظن ويظنون بأن عمر الملحمة تعود إلى سبعة ألاف عام.. هي في حقيقتها تعود إلى ملايين السنين فالطوفان لم يحصل في العهد السومري إنما هي إسطورة تعود إلى ملايين السنين ولكن السومريين وبعد أن أخترعوا الكتابة المسمارية، دونوا الأسطورة الخالدة بلغة شعرية لا مثيل لها في تاريخ الأدب، كتبوها قبل سبعة آلاف سنة وهي عمر الكتابة المسمارية لأسطورة متداولة منذ ملايين السنين!

 

حرق فيلم الأهوار

عندما قرر الدكتاتور تجفيف الأهوار العراقية وهي الجريمة التاريخية قام طارق عزيز وزير خارجية العراق حينها، بإحراق فيلمي "الأهوار".. إحراق كل النسخ الموجبة بقياسيه 35 ملمترا و16 ملمترا، كما أحرق المادة التي صورتها والتي مدتها تسع ساعات مثيرة جداً، حتى لا تبقى الوثيقة السينمائية شاهداً نقيا وجميلا على الجريمة!

 

هنا تأتي أهمية التاريخ وأهمية حفظ القطع الأثرية المقيمة والمهاجرة، وأهمية الوثيقة المنحوتة والمرئية والمسموعة والمدونة، وأهمية حفظ التاريخ بطريقة نظامية علمية فشروط حفظ الوثيقة بحاجة إلى إختصاصين وإلى حماية دولية، بحاجة إلى مناخ من البرودة الثابتة بأجهزة تسحب الرطوبة والغبار، بحاجة إلة ترميم دائم وإلى موظفين تتناقل الأجيال خبرتهم.. وهذه مسؤولية وطنية وتاريخية!!

 

يأتي وزير للثقافة ويذهب وزير للثقافة ويمرض وزير للثقافة ويسافر وزير للثقافة.. وكل وزير يتسنم منصبه، وما أن يوقع على وثيقة الإستيزار والمباشرة حتى يوقع في اليوم الثاني على تقديم إستقالته أو إقالته إو إستدعائه للمسائلة في مجلس شعب مزيف الشهادات ومزيف التصويت.. ويبقى التاريخ قطعا صخرية أو طين مشوي أو أشرطة سينمائية سالبة وموجبة أو مخطوطات كتبها الآباء والأجداد.. يبقى التاريخ ميتاً أو مريضاً أوسالماً وسليماً بالصدفة !

"إلى أين تسعى يا جلجامش

إن الحياة التي تبغي لن تجد

إذ لما خلقت الآلهة البشر قدرت الموت على البشرية

واستأثرت هي بالحياة"

 

 

سينمائي وكاتب عراقي عراقي مقيم في هولندا

 

مقالات أخرى للكاتب