ثقافة

حين يكون الناقد مهنياً .. صفاء الليثي مثالا

حين يكون الناقد مهنياً .. صفاء الليثي مثالا

قاسم حول

بين يدي كتاب صادر عن مهرجان الإسماعيلية السينمائي ويحمل عنوان "وجوه الحقيقة، إتجاهات وتجارب السينما التسجيلية" رصدت فيه الناقدة والمونتيرة السينمائية سابقا صفاء الليثي مسيرة الفيلم التسجيلي في مصر.

 

ويضم الكتاب تجارب التسجيليين المصريين وتجارب السينمائيين الروائيين المصريين في السينما التسجيلية. وصفاء الليثي تخرجت من المعهد العالي للسينما  في مصر وحازت من مهرجان دمشق السينمائي جائزة أحسن مونتاج عن الفيلم الروائي "ثلاثة على الطريق" للسينمائي محمد كامل القليوبي".

 

عرفتها منذ العام 1977 حين كانت تعمل مونتيرة مع المونتير الراحل والمبدع توليفاً وبنيوية سينمائية "أحمد متولي" منذ ذلك التاريخ صرنا أصدقاء وتولى أحمد متولي ومساعده محمد الطباخ مونتاج فيلمي "بيوت في ذلك الزقاق" .. وصفاء الليثي، هي الآن ناقدة من طراز متميز وكثيراً ما تتبوأ ً مكانها اللائق في مهرجانات السينما في رسم هيكلية المهرجانات أو في لجان تحكيمها أو في إختيار الأفلام المشاركة في المهرجانات.

 

كتاب "وجوه الحقيقة" هو ليس مؤلفا نقديا بتقييمه الموضوعي عن هذا الفيلم أو ذاك، بل منهجاً دراسياً في النقد الذي يتسم بالموضوعية وبقراءة واعية لقيم الجمال التي تتسم بها الأفلام التسجيلية بمعناها الواقعي، الفكري، والجمالي.

 

في هذا الكتاب الذي يجمع أعمال السينمائيين التسجيليين في مصر والسينمائيين الروائيين في بداياتهم التسجيلية التي قادتهم نحو أفلام روائية تتسم بالصدق الواقعي وبالقيم الجمالية التي يحققها الواقع المصور في الفيلم التسجيلي، فسعت "الليثي" لنقل كافة الأفلام التسجيلية أو ربما من أهمها على أشرطة "في أج أس" وهي من الفورمات السابقة في مسار تقنية التسجيل، وجلست تدرس الأفلام باللقطة الواحدة والمشهد الواحد وتدرس القيم التشكيلية في كل كادر "إطار" سينمائي، وحركة الكاميرا داخل اللقطة الواحدة، وتصغي لأصوات الناس في الفيلم وأصوات المؤثرات الطبيعية وأصوات أنغام الموسيقى التي تؤلف خصيصا لتلك الأفلام، لتكتب تقييماً موضوعياً عن كل فيلم وبشرح مفصل عن اللقطات والمشاهد والبناء السينمائي للفيلم، وهي مهمة ليست بالسهلة.

 

هذا المؤلف "وجوه الحقيقة" ليس كتابة صحفية يومية يقرأها المتلقي بعد أن يشاهد الفيلم، بل هو دراسة أكاديمية لعلاقة السينمائي بالواقع. فشاهدت الكاتبة، وقرأت بعين السينمائي وعين المونتير وعين المتلقي المتسم بوعي التلقي ووعي المشاهدة، كل مفردات لغة التعبير السينمائية، قرأتها بمحبة عالية، وفهم متميز للإبعاد الفكرية والجمالية للأفلام والتي نفذها رموز من عالم التسجيل السينمائي "خيري بشارة، داوود عبد السيد، توفيق صالح، محمد شعبان، عطيات الأبنودي، فؤاد التهامي، هاشم النحاس، على الغزولي، نبيهة لطفي، تامر عزت، فيولا شفيق، محمد كامل، القليوبي، محسن عبد الغني، أحمد رشوان، وحيد مخيمر، عمر الشامي، أحمد نور، الأخوين محمد وسوني رمضان، خالد يوسف، بسام مرتضى، معتز راغب" هؤلاء العازفون على وتر كاميرا التسجيل والذين يشكلون بمجموعهم سمفونية تسجيلية، توضح أهمية الفيلم التسجيلي في مسار السينما المصرية الرائدة.

 

هذا حتى قبل أن تتبلور لغة التعبير السينمائية التسجيلية في العالم حين كتب لغتها الأولى الروسي دزيغا فيرتوف، والبريطاني جريرسون، والهولندي، يورس إيفنز، والروسي رومان كارمن، والدانماركي كريستينسن، والكوبي، سانتياغو الفارس، والألمانية تورينداك، فإن السينما المصرية أوجدت لغة التعبير السينمائية التسجيلية للسينما في العالم، هذه اللغة أكتشفتها من خلال أفلامهم الناقدة "صفاء الليثي" لأنها درست الأفلام برؤية العين الموضوعية فكرياً وجمالياً.

 

كتاب "وجوه الحقيقة" الذي بحثت "الليثي" من خلاله إشتراطات الفن الثلاثة، فإنها عرضت أمامنا حتى تلك الأفلام التي لم نشاهدها، بسبب خمول الواقع العربي ثقافيا، شاهدنا من خلال الكتاب تلك الأفلام وشوقتنا حقاً للبحث عنها لكي تستكمل في ذواتنا صورة الواقع المصري وصيغة التعبير عن ذلك الواقع. ذلك لم يحصل إعتباطاً، ولم يأت مصادفة، إنما تحقق بعناية فائقة في بذل مجهود غير عادي وبمدى زمني غير قليل دون شك، وصولا إلى منهج مهني وأكاديمي في النقد السينمائي، يضاف إلى منهجية النقد السينمائي في مصر، سامي السلاموني وسمير فريد وأمير العمري، علي أبو شادي، ومصطفى محرم، وأحمد شوقي.. وعذراً لمن لم تحضرني أسماؤهم من مبدعي الكتابة السينمائية في النقد".

 

المهم أن هؤلاء النقاد أكتشفوا  لغة ومفردات لغة الفيلم التسجيلي وساهموا بشكل مباشر أو غير مباشر في وضع الأسس الموضوعية لسينما تسجيلية مصرية، عربية، وعالمية، تلك الأسس التي حاول مهرجان لايبزغ رسم أبعادها في أول مؤتمر تأسيسي للمهرجان عام 1955، والذي حضرته الأسماء التي أشرت إليها في هذا الموضوع، فوضعوا في البداية أسس وقوانين المهرجان، وكتبوا إلى الرسام العالمي "بيكاسو" لكي يتخذوا من حمامته شعاراً للمهرجان الذي يحمل فكرة "أفلام العالم من أجل سلام العالم".

 

أهمية كتاب "الليثي – وجوه الحقيقة في أننا نقرأ وكأننا نرى الأفلام المكتوب عنها، والتي رصدتها الناقدة "صفاء الليثي" بدقة ووصفتها ناقدة موضوعية في رؤية تتسم بالمهنية وشرف المهنة والمهنية وبأخلاق المهنة والمهنية وبصياغة أدبية فنية متقنة.

 

بقي أن أنوه هنا .. إن المطبوع الذي بادر مهرجان الإسماعيلية بطباعته، يحتاج إلى توزيع عربي من خلال دار نشر حرفية وبطباعة أنيقة وصور أكثر وضوحا عن الأفلام ومبدعيها.. كما يحتاج إلى ترجمة، لأنه مساهمة جادة في رسم لغة تعبير الفيلم التسجيلي ومفرداته الفنية والتقنية والجمالية.

 

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

 

 

مقالات أخرى للكاتب