ثقافة

قراءة سيكولوجية في كتاب الدين والكرامة الإنسانية للرفاعي

قراءة سيكولوجية في كتاب الدين والكرامة الإنسانية للرفاعي

د. أزهر هاشم العذاري

كتابُ "الدين والكرامة الانسانية" يُعيد الإنسان إلى نصابه الحقيقي، ويفكك بنقدٍ معمق مقولة "إن الأديان تسلب الكرامة من الإنسان". هذا الكتاب انقلاب على أنساقٍ عُرفت سابقا بمناهضتها للدين وحمّلتهُ مسؤولية هدر كرامة الإنسان وانحداره. يجعل الرفاعي الكرامةَ هي معيار إنسانيّة الدين، حيث يقول: "المعيارُ الكلّي لاختبار إنسانيّة أيّ دينٍ هو كيفيةُ تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانية، والموقعُ الذي تحتلّه الكرامةُ في منظومة القيم لديه. إنسانيّةُ الدين تلخّصها نظرتُه للكرامة بوصفها القيمةَ التي تستحضر كلَّ قيمةٍ إنسانيّة، قيمةٍ تتسع لكلّ الحقوق الأساسية... الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات وجود إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان".

 

الدين والإنسان ثنائية متلازمة، وحضور دائم في جميع كتابات الدكتور الرفاعي، لذلك نجد أنهما شغلا وبشكلٍ مكثف مساحة واسعة في حقل التجربة الدينية والإنسانية التي توافرت عليها كتاباته. يفتتح الرفاعي كتابه الدين والكرامة الإنسانية بقوله: "لا يمكن أن نفهمَ الدينَ قبلَ أن نفهمَ الإنسانَ أولًا، وحاجتَه لمعنى لحياته، وحاجتَه للكرامة والمساوة والحرية. إعادةُ تعريف الإنسان هي المدخلُ الصحيح لإعادةِ تعريف الدين وكيفيةِ فهمه وتفسيرِ نصوصه، بالشكل الذي يصيرُ الدينُ فيه مُلهِمًا للعيش في أفق المعنى".     

 

تقصّى الرفاعي وبدقة في كتابه هذا، وكتبه الأخرى حاجة الإنسان ورغبته للدين، وتوصل إلى كون الدين ليس حاجة نفسية، أو فلسفية، أو حاجة تتطلبها الذات من أجل تسكين حالة الخوف من المجهول، أو صنع اطمئنان كاذب تسعى له النفس هروبا من واقع مؤلم، بل الدين بحسب قراءة الرفاعي حاجة وجودية لا يمكن للإنسان الاستغناء عنها أو استبدالها، إذ يوجد في أصل كينونة الإنسان رغبة وعطش وظمأ انطولوجي للدين، ولا يمكن لغير الدين أرواء هذا الظمأ الوجودي.

  النتيجة التي توصل إليها الرفاعي تتفق مع عدة دراسات نفسية واجتماعية أثبتت أن الدين حاجة وجودية، تولد مع ولادة الإنسان وتتطور بتطور وجوده، وإن الإنسان بلا ارتباط ديني هو وجود مغترب، وحسب تعبير الرفاعي يسقط الإنسان في الاغتراب الميتافيزيقي عن الوجود المطلق الغني بذاته، وينهك الإنسان القلق الوجودي.

 

هذا الكتاب يثبت أن الدين باعثٌ للمعنى عند الإنسان، فهو يضيف للحاجة الوجودية للدين الحاجة إلى منح المعنى للحياة. الدين إذن ليس حاجة وجودية تقتضيها طبيعة الكينونة الإنسانية فقط، بل هو حاجة تُنتج المعنى لحياة الإنسان، وتنقذهُ من حالات العدمية والشعور بالعبث والضياع والقلق والاغتراب الوجودي.

 

يعطي الرفاعي في كتابه "الدين والكرامة الإنسانية" للإنسان مركزية في الأرض، تأتي بعد مركزية الله في الوجود، حسب تفسيره لمفهوم "استخلاف الإنسان في الأرض". ويجعل من الاعتراف بمقام الإنسان وفهمه بوصفه مقدمة لفهم الدين، ويطلب الرفاعي وبجرأة كبيرة إعادة فهم الإنسان من أجل إعادة فهم الدين، إذ لا يمكن للدين حسب قرائته أن ينتج معناه ما لم نفهم معنى الإنسان وحاجاته الوجودية.

 

أفاد الرفاعي في قراءته للنص الديني من نتاجات علم النفس الإيجابي، الذي يؤكد على إيقاظ مكامن القوة في الشخصية، والانهمام بما يبعث ويغذي كل طاقة بناءة محتجبة مثل: تقدير الذات والتفاؤل والأمل، والعطاء والقناعة والإيثار، لذا فهو يؤكد على إبراز جانب الرحمة الذي ينطوي عليه النص، ويعمل على استجلاء مفهوم المحبة، وضرورة استحضاره، وعدم تغييبه في أي قراءة للنص الديني.

 

إن الإسقاطات النفسية للذات، وإحباطات الحياة المؤلمة، والفهم المغلق للنص الديني هو الذي أدى إلى تسيّد صورة مشوهة ومرعبة عن الدين والإله في أذهان الكثير، إذ إن الصورة التي يرسمها المتشائمون، والمنغلقون تشكل اقترانا بحسب المقاربة النفسية السلوكية، يعمل هذا الاقتران على ردع أي سلوك أو رغبة في الانتماء للدين، أو الاقتراب منه بوصفه فعلاً غير مرغوب للنفس، ولا يتوافق معها. الدين وفقا لتلك الصورة يخلق لدى الإنسان سلوكا مقترنا بالألم والانزعاج والنفور، يُظهر تبعا لذلك سلوكات تجنبية رغبة في تجنب الألم النفسي الناتج منه.

 

من النتائج المثيرة التي توصلت اليها الدراسات النفسية هي أن سلوك التجنب قد يصل إلى مرحلة مستعصية يصعب معها نقصانه، أو زواله، حتى بعد الغياب التام للمثيرات المنفرة؛ لأنها تتحول إلى آلية دفاعية ذاتية وحتى مضمرة، يتحول فيها التنفير إلى بنية داخلية تعمل على شلّ تفكير الإنسان، وتنفر من أي ممارسة للنقد، أو خروج عمّا هو مألوف، رغبة في السلامة وعدم اهتزاز ما ترسخ وتجذر عندها.

 

نجح الرفاعي في كتاب "الدين والكرامة الإنسانية" في تشخيص واقع الإنسان وحالات الاستلاب والاغتراب والقلق، واهدار الكرامة التي طالت كيانه، ولا تزال تطاله الاهانة والحط من مكانته، وهو ما تسعى إليه الأنظمة التسلطية دينية كانت، أم سياسية، أم عرقية، وتعمل على ترسيخه في نفس الإنسان وتحويله إلى سلوكٍ طبيعيٍ مقبولٍ بواسطة عمليات الإيحاء والترويض النفسي والتدجين،. الأمر الذي يصل بالإنسان وبتسيد مازوخي إلى الدفاع والاستماتة من أجل تبرير أدوات استلابه، وهدر كيانه، بل يصل أيضا إلى حالة مؤلمة من الشعور بالذنب وتبخيس الذات، واتهامها بالتمادي غير المبرر على السلطات، والمساس بقداستها.

 

لا يغيب لدى الرفاعي الفهم الفرومي "نسبةً إلى الفيلسوف وعالم النفس اريك فروم" للدين، والذي يرى أن في الدين الإنساني والعقلاني حلاً لكل هذه التشوهات التي أحاطت  بكيان الإنسان وعملت على مسخ كينونته. الدين الذي يُعنى بالإنسان هو الذي يعمل على إنمائه، وتأكيد ذاته، وزيادة فاعليتها، وكشف الإمكانات الإيجابية والطاقات الحية واستثمارها في بناء نوعية حياة جديدة جديرة بالعيش والكرامة.

 

إن أهم العوامل التي تستبيح الإنسان وتهدر كرامته، وتجعله عرضة للاغتراب الوجودي، هو الفهم المغلق للنصوص الدينية، وقراءتها قراءة نكوصية تريد للإنسان العيش في مرحلة عصر النص، ولا تكترث بطبيعة ظروفه والواقع الذي يعيش فيه، وتسعى من خلال هذه الأوالية الدفاعية إلى إعادة تعميم تلك القراءة على الحاضر والمستقبل، في محاولة بائسة لتجاوز الفشل والإخفاق الذي يحيط بالإنسان وإحساسه المزمن بالغربة عن الواقع، وشعوره بتدني هويته مقابل الهويات الأخرى.   

 

وذلك ما لا يرتضيه الدكتور الرفاعي، إذ يرى أن الدين عملية ديناميكية مستمرة تنتج معرفتها باستمرار بمواكبة تغيير الواقع الذي يعيش فيه الإنسان، وهو كفيل بملء كيان الفرد وحماية هويته الوجودية وفردانيتها، دون الانسحاب للعيش في الماضي أو أسطرته، أو الذوبان في هوياتٍ أخرى توهم بخلق وجود إنساني آخر.

 

إن جوهر إنسانية الدين بحسب المقاربة التي يتبناها الرفاعي هو حماية الكرامة الإنسانية، فالدين الذي لا يحمي الإنسان بما هو إنسان، ولا يحفظ له كرامته مطابق للايديولوجيا، ولا يتضمن معنى الدين. الدين يحمي الكرامة الإنسانية، ويعمل على تعزيزها وانمائها وتطويرها؛ بوصفها قيمة كونية يشترك فيها الجميع، وأي انتهاك لها يُعدّ انتهاكا لكرامة الجميع.

 

الدين الذي يُعنى بالإنسان وكرامته يعمل على إعادة قراءة الإنسان لذاته ككيان مستقل يفرض على الآخرين الاعتراف بإنسانيته، وعدم المساس بها، فهو يسهم في جبر هشاشة الإنسان وضعف تكوينه وإنقاذه من حالة الخواء التي ترافقه، ويغذي منابع القوة في الإنسان، ويدعم انتاج المعنى في حياته، ويغلق كل الثغرات التي يمكن أن تُستغل في هدر وجوده والانتقاص من كرامته.

 

إن الحضور الايجابي الفاعل للدين في توليد معنى الحياة، هو حضوره خارج أنساق الأيديولوجيا المغلقة، الأيديولوجيا تطبع الأفكار بمعنى تنتجهُ من خلال صور متخيلة لا تعكس الواقع. الأيديولوجيا كما يراها الرفاعي تزييف للحقيقة، وهي مرض للدين والتدين.

 

باختصارٍ شديد ان كتاب "الدين والكرامة الإنسانية" يعيدُ قراءة الدين والتدين بما يضمن حضور الإنسان وكرامته، ويسعى إلى إنقاذ الإنسان والدين معا من حالات الاستلاب والهدر التي طالتهما، بفعل تشكلات معرفية صاغتهما نظرتا الفقه وعلم الكلام للإنسان والدين. الإنسانُ في الرؤية القرآنية كما يرى الرفاعي غيرهُ في رؤية الفقه والكلام، لذلك يجتهد الدكتور الرفاعي في انتشال "الإنسان القرآني"، والتعريف به بالشكل الذي يحرر الدين من الطوارئ والإسقاطات التي لحقت به؛ بفعل عمليات الإغراق الإدراكي الذي يوفر حضورا مكثفا لهدر إنسانية الإنسان واستلاب كرامته.

 

الرفاعي ومن خلال هذا الكتاب يعيدُ ثقة الإنسان بذاته، ويدعوه لاكتشاف مكامن الجمال في روحهِ والعالمِ من حولهِ، ويدعوه لأن يتعامل مع تراثهِ بعقلانية نقدية، بعيدا عن عمليات التجميل والجذب والإبهار والتفخيم. بعيدا عما يجوز لي أن اسميه الغرق في نرجسية التراث، وتوجيه نزوة الحب لهُ فقط، الأمر الذي يجعل ذات الإنسان خاوية مهدورة فاقدة لكلِ معنىً روحيٍ وجماليٍ سامٍ .

 

د. أزهر هاشم العذاري - دكتوراه في علم نفس النمو - أستاذ في جامعة ساوة – المثنى/ العراق.