رأي

انتخابات تشرين لدفن تراث انتفاضة تشرين

انتخابات تشرين لدفن تراث انتفاضة تشرين

علاء اللامي

انتخابات تشرين لدفن تراث انتفاضة تشرين: ماذا قال "تقرير مجموعة الأزمات الدولية رقم 38 حول الشرق الأوسط - 21 آذار /مارس 2005" عن صفقة حكم العراق عبر التوافق الأميركي الإيراني: لكأن المنظومة الحاكمة في المنطقة الخضراء ببغداد تسخر من العراقيين وتهين دماء شهداء شباب العراق الذين سَفكتْ دماءهم في الانتفاضة، فها هي تُجري انتخابات تشريعية جديدة ومبكرة بعد أيام قليلة من الذكرى الثانية لانتفاضة تشرين المغدورة - التي تمر اليوم - والتي تحولت الى ذكرى مجزرة! لقد أريد لهذه الانتخابات المبكرة أن تكون قبرا رسميا لانتفاضة تشرين وتجديدا وتحديثا للصفقة التي ولدت بموجبها منظومة الحكم سنة 2005 ودستورها، ولكنها لن تكون كذلك بسهولة، أو للدقة، لن تكون كذلك لزمن طويل لأن المرجل العراقي، مرجل الظلم والاضطهاد والفساد والهيمنة الأجنبية، يغلي بشدة:

 

*لقد قلنا وكررنا أن المنظومة الحاكمة التي أقيمت في العراق بعد سقوط النظام الاستبدادي إثر حرب الاحتلال أقيمت بموجب صفقة تقول بلسان الغرب وأميركا (لكم أيها الساسة الشيعة والكرد ومن يلتحق بهم من الساسة العرب السنة حكم العراق، ولنا الإبقاء على العراق دولة هشة ضعيفة منزوعة السلاح والصناعة والزراعة تدير مجتمعا استهلاكيا يستورد غذائه من الخارج وتتحكم تركيا وإيران بمياهه)، ولكن الذين يجرؤون على تصديق وجود هذه الصفقة / الرؤية لواقع الحال، والتي تؤيدها مئات الأدلة والشواهد ظلوا قلة على الدوام.

 

*لم تكن هذه الصفقة - التي يتحدث البعض عن سقف زمني لها يصل الى خمسين عاما - سرية تماما، بل أن الوقائع والأحداث الدامية والتمردات المسلحة الإجرامية العنيفة في تجربتي القاعدة وداعش والتي جرت بعد سنة 2005، وحتى تصريحات قادة وجنرالات صهاينة اعتبروا الوجود الأميركي في العراق "غلاف صدٍّ دفاعيا عن إسرائيل"  قد أكدتها بوضوح جم. وإضافة الى لغة الوقائع ثمة لغة الوثائق الصادرة عن جهات سياسية غربية لعل من أخطرها الوثيقة الصادرة عن مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) وهي مجموعة أكاديمية سياسية دولية غير حكومية تأسست سنة 1995 وتضم ساسة ودبلوماسيين غربيين محترفين عمل بعضهم في الأمم المتحدة وفي دبلوماسيات الدول الغربية الإمبريالية. تحمل هذه الوثيقة المبكرة عنوانا إداريا هو "التقرير رقم 38 حول الشرق الأوسط – 21 آذار /مارس 2005" وعنوانا أكاديميا هو " إيران في العراق: ما مدى نفوذها؟". 

 

*ويمكن اعتبار هذه الفقرات نوعا من الاعترافات بما خططت له الولايات المتحدة والدول الغربية بتوافق إيراني ونفذته وتنفذه بخصوص العراق، ولكن مضمونها العام والخط الذي يحكمها هو المحافظة على الواقع القائم في العراق كما أنها تسكت على الدور الإسرائيلي الخطير في كل ما حدث ويحدث للعراق من تدمير وإضعاف وارتهان، فهو - الكيان الصهيوني - صاحب المصلحة الأولى والأكبر في بقاء العراق مسحوقا تحت ثقل هذا الحكم الفاسد التابع اللصوصي الذي تهيمن عليه واشنطن وطهران

 

*لقد جاءت انتفاضة تشرين 2019 كصرخة تحدٍ وأمل بالتغيير الحقيقي، وخطوة على طريق كسر "منظومة الصفقة الحاكمة" واستعادة العراق المستقل، ولكن المنظومة الحاكمة نزلت بكل قوات قمعها ومخابراتها ومليشياتها ومعها البيشمركة، داخل وخارج المؤسسة الأمنية الحكومية، فقتلت المئات من المتظاهرين العزل وجرحت الآلاف، ثم نجحت في تسويف مطالب وأهداف الانتفاضة وقدمت بلسان المرجعية الدينية التي باركت قيام هذه المنظومة منذ سنة 2005 وبمشاركة فعالة من ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة جنين بلاسخارت -وزيرة الدفاع الهولندية السابقة - خطة الانتخابات المبكرة لتجديد وإعادة انتاج "منظومة صفقة 2005" الحاكمة بموجب دستور المكونات الرجعي التفتيتي.

 

*لن تسمح واشنطن ولا طهران بإقامة انتخابات حرة تؤدي الى كسر منظومة صفقة 2005 وإنهاء حكم المحاصصة الطائفية التوافقية واستعادة العراقيين لسيادتهم واستقلال بلادهم، وما يزيد الأمر سوءا ومأساوية هو عدم تبلور بديل وطني استقلالي حتى في الحدود الدنيا من التأثير والنمو في الشارع رغم كل التضحيات التي قدمها شباب العراق. أدرج أدناه الفقرات الثلاث من تقرير مجموعة الأزمات الدولية والتقرير متوفر باللغتين العربية والإنكليزية على الانترنيت:

 

*كما قال مسؤول إيراني لكاريسز غروب "مجموعة الأزمات": "تمارس إيران نفوذها وسلطتها بطريقة لبقة (سلسة) في العراق بينما تستخدم الولايات المتحدة السلطة المدعومة بالقوة، وتحافظ إيران على الحوار والعلاقات مع الشيعة والسنة والأكراد. وتتمثل المصلحة الإيرانية الثانية في وجود حكومة عراقية مركزية تكون قوية بما فيه الكفاية للحفاظ على وحدة البلد ولكن ضعيفة لدرجة لا تستطيع معها أن تشكل خطرا، ويمكن الوثوق بها لتبقى على علاقات ودية معها".

 

*وباختصار، فإن استراتيجية إيران تستند إلى المطلب المتمثّل في عدم ظهور العراق كتهديد، سواء كان ذات طبيعة عسكرية أو سياسية أو إيديولوجية، وسواء كان مستمداً من إخفاقه النهائي (وقوعه في حرب أهلية)، أو نجاح حاسم (ظهوره كنموذج ديموقراطي حقيقي).

 

*ولإعادة صياغة ما قاله مسؤول أمريكي، فإن إيران مهتمة بوحدة العراق، ولكن أكثر من ذلك في حصانتها. ويمكن ترجمة هذه الاستراتيجية الخاصة ضد العراق إلى سياسة "الفوضى المسيطر عليها". في حين أن الاضطراب المستمر والموسع في العراق قد يهدد المصالح الإيرانية، فقد رأت إيران أن الفوضى الطويلة الأمد ولكن القابلة للسيطرة عليها في المدى القصير هي السبيل الأمثل لحماية المجموعة الكاملة لتلك المصالح.

 

مقالات أخرى للكاتب