رأي

المشاركة في الانتخابات: الدفاع عن الجيل القادم أو عن الفراعنة الجدد

المشاركة في الانتخابات: الدفاع عن الجيل القادم أو عن الفراعنة الجدد

أحمد حسن الياسري

في الساعات الأخيرة قبل بدء افتتاح مراكز اقتراع الانتخابات البرلمانية العراقية، ليلة السبت 9 أكتوبر 2021، بدأ المقاطعين من "النشطاء في احتجاجات أكتوبر 2019 والفاعلون في المجتمع المدني" بتغيير خيارهم في المقاطعة والوقوف ضد "الرأي الجمعي" للاغلبية الصامتة الرافضة للمشاركة اذ بدأوا بحماس بالتشجيع على المشاركة الانتخابية رغم قناعته انها اسقاط وطنية تحصل كل  4 أعوام. وهم ايضا يعرفون انه موسم الجهات والمنظمات الدولية التي تهدر ملايين الدولارات من ضرائب مواطني  الدول المانحة لهذا اليوم الهزيل الذي يحقق الفوز به نوري المالكي وهادي العامري ومقتدى الصدر وفالح الفياض واياد علاوي وعمار الحكيم ومحمود المشهداني وسليم الجبوري وغيرهم.

 

انا هنا، اؤكد انني صدقا احترم خيارات "المشاركة والمقاطعة"، لانني انتمي الى قيم الديمقراطية الاجتماعية والسياسية، التي تسمح لاية جهة او فرد بغض النظر عن انتمائه الطائفي او القومي او الاجتماعي ممن يمتلك الهوية والانتماء الوطني في التنافس على إدارة العمل السياسي والحكومي للدولة.

 

لكن السؤال، هل الانتخابات في العراق يمكن اعتبارها ضمن القيم الديمقراطية السياسية؟ وهل فعلا في العراق هناك ديمقراطية سياسية ؟ وهل مفهوم الديمقراطية مرتبط بالانتخابات الدورية؟.

 

اولا علينا ان نعرف ماهي الديمقراطية او الديمقراطية السياسية، حسب ما درسته في كلية العلوم السياسية فإن  الديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم الذي يتم به انتخاب الحكام من قبل الشعب. ... الديمقراطية سواء السياسية او الاجتماعية تعزز كرامة المواطن، لأنها تقوم على مبدأ المساواة السياسية، وعلى الاعتراف بأن أشد الناس فقرا والأقل تعليما لديهم نفس مكانة الأغنياء والمتعلمين. اذن، هل الديمقراطية في العراق من بعد الغزو الأمريكي صارت ضمن هذا التعريف؟ بالتأكيد لا. والأسباب والمسببات معروفة، لمن عاش مرارة حكم الاحزاب الإسلامية الشيعية/ والقومية الكردية- والعربية-  السنية .

 

ما علينا الا ان نتذكر ان مخرجات الديمقراطية،  كانت " جيش المهدي وتنظيم القاعدة" ثم الفصائل المسلحة المرتبطة بايران وتنظيم داعش . وايضا من مخرجات الديمقراطية ان يكون علي الاديب وزير التعليم العالي، وابراهيم الجعفري وزير الخارجية ورئيس الوزراء، وموفق الربيعي رئيس جهاز الامن الوطني، ونوري المالكي رئيس للوزراء لثمانية اعوام، وفالح الفياض رئيس الحشد الشعبي وعمار الحكيم مالك بساتين منطقة الجادرية.

 

القيم الديمقراطية التي وعدتنا امريكا بترسيخها في العراق، انتهت بان تحمي مبنى سفارتها في بغداد من الهجمات الصاروخية الكاتيوشا بمنظومة الاطارات المتطورة فقط وان تسلم العراق كهدية الى ايران وتركيا واخيرا الى مصر والاردن.

 

ما تبقى من القيم الديمقراطية السياسية في العراق هو احترام خيار المقاطعة والاحتجاج على الانتخابات سواء بفعل ترشح شخصيات غير نزيهة او مشكوك في ولائها الى الوطن او فشل الاحزاب في التمثيل الحقيقي داخل مجلس النواب. لكن حتى هذه يبدو انتهت. اذ لفت انتباهي وأثار استغرابي هو تداول جملة بمنشورات في صحفات التواصل الاجتماعي للنشطاء الداعون الى المشاركة — تنص على انه، "انتخب من اجل اجيالنا او جلينا ومن اجل ابنائنا"!

 

أن هذه الدعوة هي  بمثابة رسالة تطعن بقناعة وخيار المقاطعون للانتخابات. وتتضمن ايضا تحميل المقاطع المسؤولية الكاملة في حال تعرض الجيل القادم لأذى بفعل المقاطعة للانتخابات.

 

السؤال التالي، من يتحمل مسؤولية سوء إدارة مجلس النواب في العراق؟ هل المقاطع ام المشارك؟

فيما يتعلق بالمقاطعين، فهناك ثلاثة أصناف منهم:

 الاول، هم من عامة الناس من الذين يعتقدون ان الانتخابات لا يمكن ان تحقق تغييرًا حقيقياً في حياتهم اليومية، التي يعانون منها اثر سوء الخدمات كانقطاع الكهرباء وازمة السكن والبطالة وحرق المستشفيات وسوء تعامل الاجهزة الامنية من الشرطة والجيش وسرقات الاحزاب السياسية التي تظهر يوميا في شاشات التلفزة.

 

والصنف الثاني هم النشطاء والصحفيون والفاعلون والنخب الاخرى الذين يعتقدون ان المرشحون للانتخابات الحالية ينتمون الى الأحزاب السياسية التقليدية القديمة ولا يمثل هؤلاء خيارًا سياسيًا بالنسبة لهم بل يبحثون عن مرشحين جدد يعولون عليهم بان يكونوا ممثلين حقيقين لتطلعاتهم واهدافهم الاجتماعية والسياسية والثقافية في مجلس النواب ويكونوا قادرين على اعادة المسارح والسينمات وانهاء السلاح المنفلت ومكافحة الفساد المستشري في الدولة والرفع من مكانة الجواز العراقي بعد تراجع قيمة احترامه عالميًا اذ انه في ذيل القائمة السوداء.

 

اما الصنف الثالث هم اعضاء الاحزاب السياسية ومنظمات وجمعيات المجتمع المدني فان سبب اتخاذهم خيار مقاطعة الانتخابات هو قانون الانتخابات الحالي الذي لم يُجرى عليه اية تغييرات حقيقية، بل يعتقدون ان القانون يضمن للاحزاب النافذة - الكبيرة الفوز مرة اخرى رغم تورط هذه الاحزاب بمآسي العراقيين منذ تسعة عشر عاما بعد الغزو الأمريكي.

 

اذاً ان مقاطعة الانتخابات، براي الشخصي، هي أولا خيار ذكي لانها تمثل حالة احتجاجية جديدة ناقمة من النظام السياسي القائم على تفرد عائلات دينية وقومية عربية ـ كردية بالتحكم به وليس العقد الاجتماعي "الدستور" الذي يديره .

 

ثانيا، المقاطعة تريد آلية انتخابية تمكن من ترشيح شخوص يملكون شعور حقيقي بانهم ممثلون لناخبيهم  في مجلس النواب، ويجب عليهم ان ينفذوا بامانة واخلاص ما يريد منهم من يمثلونهم بحيث من يمثل الفلاحين يجب ان يشرع لهم قانون حماية المنتج المحلي من يمثل المجتمع المدني والصحافة عليه ان يشرع قانون حق الحصول على المعلومة وهكذا .

 

ثالثا، المقاطعة هي حالة وعي كبير لدى الرأي الجمعي من عامة الناس نتيجة خبرتهم التي امتدت 19 عامًا مفادها ان الانتخابات التشريعية غير قادرة على وضع حلول لمشاكلهم مع السلطتين التنفيذية والقضائية اللتين  وبسبب ضعفهما جعلتا من العراق دولة مفتوحة للاختراق الخارجي والفوضى العارمة وانتشار السلاح المنفلت وتحكم المليشيات والعشائر في مفاصل الحياة اليومية ما جعل من حياة العديد منهم خطرا كبيرا ودفعهم الى مغادرة منازلهم ومناطقهم ومحوا تاريخهم بفعل ضعف الاجهزة الامنية الحكومية في تأمين حمايتهم وحماية اعمالهم وممتلكاتهم من المليشيات والعصابات العشائرية .

 

لذا قناعة المقاطع واضحة فهو لن يقبل بالمشاركة الاسقاطية التي يدعو لها العديد من النشطاء المشاركون، ولن يقبل بانتخابات تشريعية في ظل نظام سياسي ودستور يمثلان تهديدا لجغرافية العراق. وسيرفض ان تكون نتائج ثورة اكتوبر هي انتخابات واعادة تدوير الاحزاب الضالعة في قتل وقمع المتظاهرين بل يريد ازاحة النظام السياسي وخلفه الدستور- والمجيء بدستور يضمن حماية جغرافية الدولة وعدم سلبها من العائلات المتحكمة بهذا البلد التي تهدد بين فترة واخرى بتمزيق الجغرافية.

 

لذلك المشارك في الانتخابات هو مشارك فعلي بحماية عوائل النظام السياسي الحالي أو الفراعنة الجدد كما يسميهم دكتورعادل بكوان في كتابه الاخير "العراق -مئة عام من الافلاس".

 

مقالات أخرى للكاتب