ثقافة

عامر توفيق.. رحلة الخلود الأبدي

عامر توفيق.. رحلة الخلود الأبدي

د. فراس مصطفى

يقول الباحث العراقي الدكتور فالح مهدي في كتابه تاريخ الخوف "المصريون انطووا على ذواتهم في بناء الأهرامات.. في حين قام العراقيون القدماء بالبحث عن المجهول أي الخلود، كما تمثل ذلك في ملحمة كلكامش"، فعلا، فالعراقي محب للحياة ويبحث دوما عن أفضل الفرص ليعيشها دون أن يفكر بالموت، فقد عاش العراقي منذ سالف الدهر حياة المتعة والترف المعنوي قبل المادي وكان الفقير والغني يعيشان حياتهما بسعادة كل حسب طريقته.

 

كثيرة هي الأسماء التي خلدها فنها وبقيت في قلوب محبيها حتى بعد موتها، بل إن منهم من صار أيقونة بما ترك وظلت الأجيال تتناقل فنه جيلا بعد جيل، فمازلت أصوات ناظم الغزالي وسليمة مراد وصديقة الملاية وحضيري ابو عزيز تصدح في الكثير من المجالس وتسمع في الكثير من المناسبات وتتحدث عنها وسائل الإعلام وتنشر موسيقاها وأغانيها عبر أثير الأذاعات العراقية والعربية وتهتم بفنها دور النشر وتنشر كتبا ومؤلفات عنها حتى إن بعضها أصبح موضوعات لرسائل الماجستير والدكتوراه.

 

من الأصوات التي لا يمكن أن تنسى رغم غيابها جسدا هو صوت الفنان والملحن عامر توفيق الذي رحل وحيدا بالأمس، ليس فقط لأنه برز بشدة في برنامج الأصوات المميز ذا فويس النسخة العربية إنما كان شاخصا متفردا في الكثير من الأغاني التي غنتها فرقة المسرح العسكري ايام الثمانينات وقبلها في فرقة الانشاد العراقية في سبعينات القرن الماضي فكان صوتا عذبا رخيما جعل من حكام ذا فويس يقفون على أقدامهم ويصفقون بحرارة لهذا الصوت الكبير، حتى إن كاظم الساهر الذي يعد من رموز الغناء العربي التف مخالفا قوانين البرنامج الصارمة لأنه كان قد إستنفذ حقه في إختيار الاصوات ليرى هذه الاعجوبة التي أذهلته بصوتها، فكان إستغربابه أكبر حين رأى زميله وصديقه القديم عامر توفيق الذي لم يدع الفرصة لأذني كاظم الدقيقتين في اختيار الأصوات الرخيمة أن تتردد في الطرب لهذا الصوت الكبير، ولولا عمر عامر توفيق الستيني لكان الفوز بلقب ذا فويس العرب من نصيبه لا محالة سيما وإن الفنان عاصي الحلاني قالها وبكل صراحة وتواضع إننا نتعلم منك يا عامر توفيق!!

تربطني بعامر توفيق علاقة خاصة، فأنا من أشد المعجبين بصوته وبشخصيته التي تتميز بكاريزما قل نظيرها، تعود تلك العلاقة لشتاء العام 1986 حين كان وطيس الحرب العراقية الإيرانية حاميا بأعلى درجاته وكانت تلك الحرب تحصد أرواح الاف الشباب دون أن تميز بين الأديب والمثقف والفنان والطبيب والمهندس والاستاذ الجامعي ووصل الحال بالنظام الدكتاتوري الى إرسال كل من يستطيع حمل السلاح إلى تلك المحرقة بغض النظر عن مكانته ومواهبه الفذه والنادرة ليكونوا وقودا لها فكان عامر توفيق من بين الذين زجوا لتلك المحرقة بعد أن كان مطربا في فرقة المسرح العسكري فهرب من الجيش لكن الأرض ضاقت عليه بما رحبت فسدت بوجهه كل الابواب وأولها أبواب أهله وأخوته وأقاربه لأن التستر على الفار من الجيش في تلك الفترة تعني إعدام العائلة التي تأويه ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة لها، فاستقبله والدي رحمه الله في بيتنا مع مجموعة أخرى من الشباب من بينهم خالي ووفر لهم المأوى الأمن والضيافة بكل معانيها متحديا بذلك سطوة النظام الفاشي وجبروته حتى وصلت الحرب لنهايتها وخفتت نارها فعاد كل منهم إلى عائلته.

 

كان صوت عامر توفيق يشدو كل ليلة بأروع الألحان، كان يجيد غناء كل أنواع المقامات وكان صوته رخيما دافئا في أن واحد، كان يشعرني بدفيء كبير رغم قسوة الشتاء في تلك السنوات، كنت أتسلل لمخبأه  لأستمع لصوته وأحاديث باقي الشباب الذين كانوا على مستوى عال من الثقافة والوعي، كان عامر لا يتوانى بقبول الطلب في الغناء وكان يفرح إن هناك من يريد سماع صوته الذي ظن إنه سيموت بسبب ذلك الغياب القسري والتخفي عن أعين أزلام السلطة، كان يبدع حين يغني لعبد الوهاب وأم كلثوم ويحيى حمدي وناظم الغزالي وغيرهم ناهيك عن ألحانه الرائعة.

 

لم يكن عامر موفقا في حياته الفنية، لا لعيب في صوته بل للظروف التي احاطت بحياته، ففي ريعان شبابه دخل العراق في أتون الحرب التي أخذت مأخذها وأحرقت الأخضر قبل اليابس ولم يكن متملقا كغيره ممن غنى للقائد الضرورة بل نأى بنفسه بعيدا عن الأضواء وأختار فرقة المسرح العسكري ليكون بعيدا عن الجبهة لكنه سيق لها عنوة في العام َ1986 ثم ما لبثت أن انتهت الحرب حتى إحتل العراق الكويت ودخوله في حرب خاسرة أخرى لتجر بعدها ويلات الحصار الذي دمر كل شئ ليأتي المحتل ويقضي على كل الآمال والأحلام التي يحلم بها عامر توفيق وأبناء جيله فساد الفن الرخيص وأزدهر الطارئون على الفن فضاعت كل الفرص على عامر توفيق الذي لم يبع فنه وصوته بذلك الثمن الرخيص فعاش معزولا فقيرا يكتنفه النسيان حتى جاءت فرصة ذا فويس التي لم يحالفه الحظ فيها بسبب كبر عمره.

 

نم قرير العين يا عامر فأن صوتك سيبقى خالدا في قلوب محبيك ومتذوقي فنك الكبير وسوف يبقى ذلك النزر اليسير الذي أظهرته من فيض فنك في ذا فويس كافيا ليبقي صوتك خالدا عبر الزمن، فأنت حفيد كلكامش أيقونة الخلود في هذا العالم.

 

 

 

مقالات أخرى للكاتب