ثقافة

الإدريسي الهاشمي الجغرافي الأول والزهراوي الأنصاري أبو الطب الجراحي

الإدريسي الهاشمي الجغرافي الأول والزهراوي الأنصاري أبو الطب الجراحي

علاء اللامي

1-الإدريسي الهاشمي: الجغرافي الأشهر وراسم الخرائط الدقيقة للملك روجر الثاني والتي ورثتها أوروبا في نهضتها: هو أبو عَبد الله مُحَمَّدٌ بن مُحَمَّدٌ الإِدْرِيسي الْهَاشِمِيّ الْقُرَشِيّ (بضم القاف أحيانا وبفتحها أحيانا أخرى). عالم عربي مسلم (وُلد عام 1100م (493هـ) في مدينة سبتة شمالي المغرب الحالي، وُتوفي عام 1166م (559هـ) في صقلية جنوبي إيطاليا وهي جزء منها في عصرنا، ونسبه الموَّثق؛ قرشي، هاشمي ينتهي إلى الإمام علي بن أبي طالب، ولذا لُقِّبَ بالشريف، ولقب بالصقلي لأنه اتخذ جزيرة صقلية موطناً له حتى وفاته. يُعتبر الإدريسي من كبار الجغرافيين في التاريخ ومن مؤسسي علم الجغرافيا، ودرس الفلسفة والطب والنجوم في قرطبة، كما كتب في الأدب والشعر والنبات. استخدمت مصوراته وخرائطه في سائر كشوف عصر النهضة الأوربية. حيث أنجز تحديد اتجاهات الأنهار والبحيرات والمرتفعات، وضمَّنها أيضاً معلومات عن المدن الرئيسية حدود الدول.

 

وللإدريسي العديد من الأعمال العلمية لعل من أهمها كتابه الموسوعي "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، الذي ألفه في صقلية بناء على طلب ملكها روجر الثاني. وقد اكتسب هذا الكتاب شهرة عظيمة لما احتواه من معلومات عن الكثير من الأماكن في الشرق والغرب التي ذكرها الأقدمون مضيفاً إليها معلومات ميدانية رآها ورصدها هو شخصيا في رحلاته وأسفاره. ويتضمن هذا المؤلف أكثر من سبعين خارطة للعالم وأخرى تفصيلية لمناطق محددة منه. وقد ظل هذا الكتاب مرجعاً للعلماء الأوروبيين وغير الأوربيين لمدة تزيد على الثلاثمائة عام، حتى القرن السادس عشر الميلادي، ولهذا يعد هذا الكتاب كما تشير دائرة المعارف الفرنسية، أعظم وثيقة جغرافية في القرون الوسطى. وقد ترجم الكتاب إلى لغات عدة شملت اللاتينية والفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية والإنجليزية/موسوعة الجمعية الجغرافية السعودية". وتنسب بعض المصادر الغربية هذا الكتاب الموسوعة إلى الملك روجر الذي طلب من الإدريسي تأليفه ورسم الخرائط فيه وليس إلى الإدريسي فيسمونه "الكتاب الروجري"!

 

في تفاصيل ذلك، نعلم أنَّ الإدريسي سافر من الأندلس إلى صقلية، بهدف العمل مع الملك النورماني المحب للعلوم روجر الثاني، وذلك في العام 1138م، حيث كلفه الملك بتأليف كتاب عن الجغرافيا، يحتوي جميع البيانات المتاحة عن موقع ومناخ المراكز السكانية الرئيسية في العالم القديم آنذاك فأنجز الإدريسي المهمة خير إنجاز/ الصورة لتخطيط أنجزه فنان أوروبي يسجل فيه حدث استقبال الملك روجر للجغرافي العربي الإدريسي وكتب في تعريف التخطيط "الإدريسي في بلاط الملك روجر الثاني مع حشد من الوجهاء والأمراء وهو بشرح لهم كروية الأرض".

 

وقد توفي الملك روجر في السنة التي وضع فيها الإدريسي كتابه هذا، وخلفه الملك غليوم الأول، وظل الإدريسي على مركزه في بلاط بلرم (باليرمو - عاصمة صقلية). وألفَّ للملك الجديد كتاباً آخر في الجغرافيا سمّاه (روض الأنس ونزهة النفس) أو (كتاب الممالك والمسالك)، لم يعرف منه إلا مختصر مخطوط موجود في إسطنبول.

 

ومن أعماله أيضا:

1- "لوحة الترسيم" وهو تصميم جغرافي على كرة ضخمة من الفضة الخالصة تزن نحو 400  رطل للكرة الأرضية، وضع عليه الإدريسي مواقع البلدان ولكنه جعل الجنوب في أعلى الخريطة والشمال أسفلها.

2- كتاب "الجامع لصفات أشتات النبات وضروب أنواع المفردات من الأشجار والثمار والحشائش والأزهار والحيوانات والمعادن وتفسير أسمائها بالسريانية واليونانية والطينية والبربرية". وهي موسوعة ومعجم علمي ضخم لم يسبقه إليه أحد منم العلماء بهذا التفصيل وهذه الدقة.

3- كتاب "روض الأنس ونزهة النفس" أو "كتاب الممالك والمسالك".

4- كتاب "أنس المناهج وروض الفرج".

 

*توفي الإدريسي في جزيرة صقلية في عام 560 هـ (1166م) ودفن فيها. وقد كرمته وكالة ناسا الأمريكية بأن أطلقت اسمه على سلسلة الجبال الموجودة على سطح كوكب بلوتو، وسمتها "سلسلة جبال الإدريسي"، ولكن بشكل غير رسمي كما تقول الموسوعة الحرة، ولا أدري لماذا "بشكل غير الرسمي"!

 

 

وينسب للإدريسي شعر جميل وحزين حول الغربة قاله وكأنه كان يتوقع موته غريبا بعيدا عن وطنه ومنه هذه الأبيات:

لَيتَ شِعري أَين قَبري ****ضاعَ في الغُربَةِ عُمري

 لَم أَدَعْ للعينِ ما     **** تَشتاقُ في بَرٍّ وَبَحرِ

 وَخَبِرتُ الناسَ وَ***** الأَر ضَ لَدى خَيرٍ وَشَرِّ

لَم أَجِد جاراً وَلا داراً *****كَما في طَيّ صَدري

 فَكَأني لَم أَسِر إِلا   ***** بِمَيتٍ أَو بِقَفرِ

الصورة 1: الخريطة التي رسمها الإدريسي لروجر الثاني ملك صقلية عام 1154 م. نلاحظ أن الشمال في الأسفل والجنوب في الأعلى، وهكذا يظهر على الخريطة رأسًا على عقب لأن الناس في ذلك العصر كانوا يعتبرون أن الجنوب يوجد في الأعلى.

الصورة 2: رسمة تخطيطية يظهر فيها الإدريسي في قاعة روجر الثاني مع حشد من الوجهاء والأمراء وهو يشرح كروية الأرض.

2-أبو القاسم خلف بن عبَّاس الزهراويّ الأنصاري القرطبي: وأبو الطب الجراحي في العالم وطبيب الفقراء في الأندلس: ولد في عام 325هـ/ 936م بمدينة الزهراء الأندلسية وعاش في قرطبة. تعود أصوله إلى الأنصار، كما يقول الباحث سامي خلف حمارنة في كتاب له باللغة الإنكليزية يحمل عنوان (A pharmaceutical view of Abulcasis al-Zahrāwī in Moorish Spain)، دون تحديد إنْ كان أجداد أبي القاسم من الأوس أو الخزرج. ويعتبر الزهراوي من أمهر الأطبّاء والجرَّاحين على مَرِّ العُصور، وهو يُعرَف في أوروبا باللاتينية باسم أبوالكاسيس(Abulcasis) .

 

ومن إحدى الموسوعات الجامعية العربية "السعودية" انتقيت لكم هذه الفقرات المعلوماتية المفيدة عن هذا العالم الجهبذ:

-كان تأثير الزهراوي عظيما بأوروبا في عصر نهضتها، فقد ترجمت كتبه إلى لغات عديدة، وخاصة موسوعته التي تقع في ثلاثين مجلداً وتحمل عنوان "التصريف لمن عجز عن التأليف" ودُرِّست بجامعاتها الطبية. واقتفى أثره الجراحون الأوربيون، واقتبسوا عنه حتى إنهم في كثير من الأحيان انتحلوا بعض مكتشفاته من دون أن يذكروه كمصدر لها. وكان مؤلفه الكبير "التصريف" المرجع الأمين لأطباء أوروبا من أوائل القرن الخامس عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر.

 

-اعتبر الزهراوي التشريح ضرورة لتعلم الجراحة، وذلك في كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف".

 

-يُروى أن الزهراوي كان يقف خلف ستار خفيف، ويعطي إرشاداته المناسبة للقابلات في تدبير حالات الولادة العسيرة. كما رُوي عنه أنه كان ينصح بوضع مرآة تحت مقعد المرأة ليرى كل شيء على هيئته.

 

-ابتدع الزهراوي كثيرا من الأدوات الجراحية التي صممها بنفسه، وبين لكل منها طريقة استعمالها ومكانه.

 

-ونصح بكيِّ السرطان في بدء تشكُّله بمكواة حلقية. كما تكلم عن كيِّ النزف الناجم عن قطع الشريان بربطه أو الضغط عليه. ونظرا لعدم وجود كهرباء في ذلك الوقت، كان يستخدم السَّخان، فيعمد إلى تسخين قطعة معدنية ويضعها على المنطقة المصابة فتؤدي إلى تجمد الأنسجة وتوقف النزف. وهو بذلك يكون قد سبق الجراح الفرنسي الشهير أمبرويز باريه (من أطباء القرن السادس عشر وطبيب ملوك فرنسا آنذاك) الذي تعزى إليه الأسبقية في عملية ربط الشرايين بخمسة قرون.

 

-الزهراوي هو أول من اكتشف ووصف النزف الدموي المسمى الناعور أو الهيموفيليا.

 

-وهو أول من أجرى طريقة استئصال الحصى المثانية لدى النساء عن طريق المهبل، وأول من استعمل آلات خاصة لتوسيع عنق الرحم، وأول من ابتكر آلة خاصة للفحص النسائي لا تزال إلى يومنا هذا.

 

-كما تكلم عن جراحة دوالي الخصية التي تعرف باسم دوالي الحبل المنوي بلغة اليوم، وعن جراحة الفتوق.

 

-وصف علاج الجروح الناجمة عن قطع سيف أو سكين أو طعنة رمح. وتحدث عن جراحات الرأس وما يرافقها من كسور في العظم وتهتك في الأعصاب، وعن جراحات العنق والصدر والبطن والأمعاء وخياطتها. وتكلم أيضا عن قطع الأطراف، ونشر العظام، وبتر الأعضاء، وقطع الدوالي وعلاجها.

-يعد أول جراح استخدم الخيوط التي كان يستلها من أمعاء الحيوانات في خياطة الأمعاء، وأول من استخدم جسور الأسنان الذهبية والفضية وأدوات ضغط الأسنان، ونجح في معالجة تشوهات الفكين وفي تقويم الأسنان باستخدام آلات جراحية ابتكرها لهذا الهدف.

وقد ترجم الإيطالي جيراردو كريموني كتاب الزهراوي "التصريف لمن عجز عن التأليف" في القرن الثاني عشر إلى اللاتينية، وأصبح هذا المؤلف الكتاب المدرسي المعتمد بكليات الطب في أوروبا كلها حتى مطلع القرن السابع عشر.

 

-نقل الجراح الفرنسي الشهير دي شولياك كثيرا من آراء الزهراوي إلى مؤلفه "الجراحة الكبرى" واستشهد بآرائه أكثر من مئتي مرة، كما طبع كتاب الزهراوي أول مرة في إيطاليا عام 1471 م، ثم تبعتها فيما بعد أكثر من عشرين طبعة أخرى في القرن السادس عشر في مدن أوروبية مختلفة.

 

وفي مقالة أخرى وردت إنجازاته التالية:

-كشف الشريان الصدغي، وتحديد أنواع مختلفة من الصداع.

-قام بالكشف عن حالة إعتام عدسة العين.

-ابتكار مقصلة لاستئصال اللوزتين.

-قام بابتكار مبضع يدخل القصبة الهوائية.

-استعمل الخطَّاف لاستئصال الورم من الأنف.

-تبنى وضعية الاستلقاء عند الولادة.

-قام بعلاج البواسير الشرجية.

-قام باستئصال الغدة الدرقية المتورمة.

 

*توفي أبو القاسم الزهراوي بعد سنة 400 هـ/1013 م وعرف عنه تقاه وورعه وعطفه وتضامنه مع الفقراء فقد كان يخصص نصف نهاره لعلاج الفقراء مجانا كما يذكر محمد بن فتوح الحميدي في كتابه "جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس".

 

*صورة 1 لمجموعة أدوات طبية جراحية ابتدعها الزهراوي من كتابه التصريف.

 

*صورة 2 صفحة من ترجمة كتاب الزهراوي إلى اللاتينية "التصريف.." يعود تاريخه إلى 1541. نسخة محفوظة في مكتبة قطر الوطنية.

 

#كسر_التهميش_الاستشراقي_الغربي

 

 

مقالات أخرى للكاتب