رأي

عامان على ضربة المطار

عامان على ضربة المطار

أمير سلام

تحولات مضطربة شهدتها الساحة السياسية العراقية على مدار العامين الماضيين، فبعد حادثة المطار التي استهدفت القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبومهدي المهندس، أصيبت الفصائل العراقية الموالية لإيران بالتشتت والضياع وظهور الخلافات الداخلية، ففقدت مركزيتها التي كانت تتمتع بها تحت قيادة "المهندس".

 

وكان المهندس يعد العقل المدبر بالسيطرة على تلك الشبكة من الفصائل العراقية والحفاظ على ارتباطها بطهران، وكان صاحب الكلمة الفصل في كل الخلافات، وهو حلقة الوصل بين الحكومة والنظام من جهة والفصائل الموالية لايران وهيئة الحشد الشعبي من جهة أخرى، فقد كان بمثابة المايسترو الذي يضبط الإيقاع في اتخاذ القرارات الصادمة والسريعة والمكثفة واللامتوقعة.

 

بعد اغتيال المهندس وسليماني لم تعد الفصائل قادرة على استيعاب بعضها البعض وزادت حدة الخلاف فيما بينها، وأخذت شكلا حادا وبارزا في أكثر من مورد، فظهرت الى العلن مرات عدة، وحتى مبادرات التهدئة والتنسيق لم تنجح في احتواء الخلافات بينها، فـ"تشكيل تنسيقية الفصائل" التي ضمت كتائب حزب الله، النجباء، عصائب اهل الحق، وكتائب سيد الشهداء، ضربها الخلاف والانشقاق، ما أدى مقاطعتها من قبل أبو فدك المحمداوي رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي، والذي يمثل القائد الفعلي للحشد وخليفة للمهندس، إذ لم يحضر اجتماعات التنسيقية سوى مرة واحدة قام بعدها برفضها وأوصى بعدم تمثيلها الحشد الشعبي أو فصائل المقاومة، على الرغم من كونها جزءا من كتائب حزب الله العراقي التي يعد أحد قياداتها.

 

الخلاف السياسي

في الانتخابات الأخيرة انشقت قوى الفصائل هذه لأكثر من قائمتين انتخابيتين، هما الفتح بقيادة هادي العامري رئيس منظمة بدر وحركة حقوق بقيادة حسين مؤنس الذي يمثل الجناح السياسي لكتائب حزب الله، بالإضافة الى قوائم أخرى صغيرة مثل العقد الوطني بقيادة فالح الفياض، وآخرين مستقلين ينتمون الى نفس هذه المجموعات، وفي ظل التعقيد والتداخل بين هذه الاتجاهات والصراع المحتدم خسرت تلك الفصائل تمثيلها السياسي بسبب هذا الانقسام والتشتت في توزيع أصوات جمهورهم.

 

أما على الصعيد الإقليمي، فقد أصبحت تلك الفصائل أكثر استقلالية، ودائما ما تحاول أن تبدوا وكأنها لا تتماشى مع أوامر طهران، بسبب اختلاف المصالح فيما بينها، خصوصاً مع تفاقم الأزمة المالية التي مرت بها الجمهورية الاسلامية الداعمة الأولى لها.

 

حتى الجنرال إسماعيل قاآني الذي عُيْنَ بعد سليماني، كانت أيديولوجيته تختلف عنه كثيرا، فقد كان الأخير بمثابة الأب الروحي لتلك الفصائل، وكانت علاقته جيدة مع قادتها، ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة تخصهم، ويعمل على حل مشاكلهم، أما قاأني فقد كان يضع خطوطا عامة عريضة وخطوطا حمراء أخرى ويأمر القادة بالالتزام بها وكأنه رئيسهم وسيدهم، وهذا ما أثار حفيظة قادة كبار في فصائل المقاومة، حيث خرج قيس الخزعلي مرةً وهو قائد فصيل عصائب أهل الحق الذي يملك تمثيلا سياسيا بخطاب متلفز في 17 حزيران يونيو 2021 أكد فيه الاستمرار باستهداف التواجد الأمريكي المحتل في العراق، وأن "المحادثات النووية الأمريكية الإيرانية لن تكون بعين الاعتبار"، وقد جاء هذا الخطاب بعد زيارة قاآني الى العراق واجتماعه بزعماء فصائل المقاومة، وطلب منهم التهدئة الى ما بعد المحادثات.

 

اغتيال المهندس وسليماني، كشف الحدود الفاصلة بين الدولة واللا دولة، حيث كانت هذه الحدود مندثرة وضائعة بوجود المهندس الذي كان يلعب دور المايسترو، ما أوصل تلك الفصائل الى مرحلة التطرف والمواجهة حتى مع من يتفق معها جزئيا، الأمر الذي زاد من فوضويتها وتخبطها الذي أخذ يستنزفها عسكريا واقتصاديا وسياسيا.

 

هذه المرحلة وضعت الفصائل عرضة للضربات الموجعة التي تتلقاها من كل حدب وصوب، فقد خسرت معركتها السياسية في الانتخابات الأخيرة بعد أن خسرت أكثر من 70 مقعدا، وعلى مستوى التمثيل الحكومي فقد خسرت تمثيلها لصالح مقتدى  الصدر زعيم التيار الصدري الذي بدى أكثر تنظيما وتخطيطا وعقلانية، وانتزع منهم وزارات أمنية مهمة ومواقع أمنية كبيرة، وعلى المستوى الاقتصادي، خسرت الفصائل المسلحة الكثير من أنشطتها أيضا.

 

الضربات الموجعة أصابت الفصائل العراقية الموالية لإيران بفقدان التوازن رغم امتلاكها الخبرة والقدرة على التكيف مع الخسائر والهزائم، إلا أنها فشلت في رسم سياسات جديدة لتتماشى مع الظروف الجديدة، لذا فإن الغارة الأمريكية لم تستهدف قيادات فحسب، بل كانت ضربة موجعة للمنظومة بشكل عام.

 

إن غياب المهندس عقد الأمور على مدى العامين الماضيين، وترك فراغا في العراق، مثلما أعاد غياب سليماني طهران الى خانة الدبلوماسية والسياسة الناعمة وأرغمها على إضعاف مصالحها في العراق.

 

 

مقالات أخرى للكاتب