رأي

الإسلام والعلمانية (2-2)

الإسلام والعلمانية (2-2)

سمير سعد

إشكالية الدولة المدنية لدى السيستاني

مبدئياً لا يمثل أي كلام صادر من أي جهة ويُنسب للمرجع للسيستاني أي حجية أو دليل موضوعي، فالمسؤول الرسمي عن آراء السيد السيستاني هو موقعه الرسمي، وفي حوار أجرته وكالة "شفقنا" الناطقة باسم المرجعية مع مدير مكتب السيد السيستاني في بيروت الحاج حامد الخفاف، إذ أجاب على سؤال للوكالة بشأن قيام كل من يلتقي السيد السيستاني من عراقيين أو أجانب بنشر ما يدعيه مضمون اللقاء في وسائل الاعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، فمتى يمكن الاعتماد على ما ينشر من هذا القبيل، فكان الرد: "لا يعتمد إلا على ما يتم توثيقه من قبل مكتب سماحة السيد وينشر على موقعه الرسمي في شبكة الانترنيت، وقد لوحظ في حالات غير قليلة أن البعض نسبوا الى سماحته ما لم يقله خطأً منهم في الفهم والتلقي أو لمآرب معينة واغراض مسبقة."

 

بدورنا بحثنا في الموقع الرسمي للمرجع السيستاني عن مفهوم الدولة المدنية التي تُنسب لسماحته فلم نجد أي تصريح أو بيان عن الدولة المدنية التي ينسبها كُتاب ومدونون له، بل إن آراءه بعيدة كل البعد عن مزاعم تلك الدولة المفترضة، ولم تكن تصريحاته التي سبق ذكرها تتضمن أي تلميح أو تصريح أو بيان لفصل الدين عن الدولة وإنما يمثل الدين ركيزة أساسية من ركائزها.

 

رغم ذلك لم نقف عند حدود الموقع الرسمي للمرجع السيستاني فواصلنا البحث في تصريحات المقربين من المرجعية حول الدولة المدنية ومفهومها، حيث اطلعنا على تصريحين يمكن العودة إليهما باعتبارهما يعودان لشخصين مقربين من المرجعية ولهما أثر في إشكالية الدولة المدنية عند السيد السيستاني:

 

التصريح الأول لوكيل المرجعية، الشيخ مهدي الكربلائي، في خطبة الجمعة السياسية بتاريخ 1/ 11/ 2013 ولعل هذا التصريح هو محط الجدل الأبرز والذي تم تسويقه بطريقة مضللة رغم أن الشيخ الكربلائي قال قبل سرده لتوصيات المرجعية أنه سيقرؤها نصاً "للحفاظ على روح المعنى وتمامه" ومن بين تلك التوصيات "الاستماع الى المطالب المشروعة من جميع الأطراف والمكونات ودراسة هذه المطالب وفق أسس منطقية ومبادئ الدستور والقوانين النافذة وصولاً الى إرساء دعائم دولة مدنية قائمة على مؤسسات دستورية تحترم فيها الحقوق والواجبات"، وقبل أي شيء هنا لابد من الإشارة الى أن هذه التوصية تم تناقلها بشكل كبير، لكنها لم ترد بشكلها التام من دون تجزئة وتقطيع وتغيير في كلماتها وتقديمها على أنها دعوة من المرجعية لإقامة دولة مدنية بمعناها فصل الدين عن الدولة، في الحقيقة التوصية لم تكن بهذا المعنى وببساطة ووضوح تضمنت التوصية مفهومين وهما الحفاظ على "مبادئ الدستور" و"المؤسسات الدستورية"، لأجل الحفاظ على روح المعنى وتمامه فلا يجب تجاوز هذين المفهومين في التوصية، كونهما يشيران بشكل واضح للدستور العراقي وبمجرد أن نعود للدستور العراقي، سنجد المادة الثانية من الدستور تنص على :

المادة (2):

أولاً:- الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ أساس للتشريع:

‌أ- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.

‌ب- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.

‌ج- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور.

ثانياً:- يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والإيزديين، والصابئة المندائيين.

 

التصريح الثاني، كان للسيد منير الخباز، وهو أحد تلامذة السيد السيستاني، تحدث عن دعوة الأخير لدولة مدنية، وقد تم تسويقه كدعوة لدولة مدنية تفصل الدين عن الدولة، حيث تلقى السيد الخباز خلال لقاء متلفز السؤال التالي: "كيف نجمع بين تفانيكم في مناقشة ورد نظريات الملحدين في حين تكرر منكم في أكثر من موقف الاشادة بالدولة المدنية التي هي بالطبع قبال الدولة الدينية وأنها الانسب لهذا الزمان والاصلح له، بل ونسبتم ذلك للمرجع الاعلى سماحة السيد السيستاني حفظه الله تعالى، ما صحة هذا النسب للسيد السيستاني، ثانياً أليس هذا تناقض! من جهة تدافعون عن الدين ومن جهة اخرى تدعون الدول للتخلي عن الدين، حسب ما نفهمه من الدولة المدنية؟".

 

فكان رد السيد الخباز: "..نحن لا ندعو للدولة المدنية ولم أنسب للسيد السيستاني دام ظله الشريف فكرة الدولة المدنية أصلاً، الدولة المدنية اصطلاح علماني وهو عبارة عن فصل الدين عن الحياة ومنها السياسة والاقتصاد، بينما نحن وكل رجل دين نعتقد بما يعتقده السيد الشهيد الصدر، الدين يقود الحياة...ف إذا ما نعتقده هو الدين يقود الحياة لا أنناندعوا لدولة مدنية بمعنى فصل الدين عن الحياة.. إن ما طرحه السيد السيستاني هو حكومة مدنية وليس دولة مدنية وبقيدين ذكرهما السيد السيستاني وهما حكومة مدنية تحترم حقوق الإنسان وثوابت الإسلام. لم إذا؟ ساشرح الآن، الأساس هو دولة قائمة على الدين هذا هو الأساس، أن تقوم دولة دستورها الدين برؤية أمامية لأن هذا ما نعتقد بصحته، لكن إذا لم يمكن ذلك كما في مجتمع العراق لتعدد الأديان والمذاهب..لا يمكن إقامة دولة دينية يعني دستورها الدين برؤية إمامية (شيعية)، هذا غير ممكن في مجتمع العراق، هنا السيد السيستاني يقول إذا لم يمكن ذلك فهنالك حل عقلائي ثاني وهو حكومة مدنية بمعنى حكومة منتخبة من الشعب وليس فصل الدين عن الدولة، حكومة مدنية منتخبة من الشعب تحترم حقوق الإنسان وثوابت الإسلام لأن أغلب الشعب مسلم، فلابد أن تحترم ثوابت الإسلام، حرمة الخمر والبارات وغيرها فهذه من ثوابت الإسلام.."

 

في النهاية.. ليس هنالك أي تقارب أو توافق ما بين الإسلامية والعلمانية، فهما خير مصداق للنقيضين الذين لا يمكن الجمع بينهما، ولذلك على الإسلامي أن يكون واضحاً وصريحاً في تدينه، وأن لا يتاجر بالدين ويضلل الآخر كما يفعل بعض المتأسلمين، وفي الوقت ذاته يجب أن يفهم العلماني أن بناء دولة علمانية لا يمكن أن تقوم على أساس الجهل وتزييف الحقائق وصناعة أتباع، بناءً على مغالطات يتم تسويقها جهلاً، فهذا الفعل له عواقب وخيمة على مستقبل الحوار العلمي الموضوعي والعلمانيين أنفسهم، إذا كانت هنالك رغبة في تبادل وجهات النظر وخلق مناخ ملائم لتقبل الآخر، فمن الضروري أن يكون قائماً على الصدق والموضوعية دون محاولة أي طرف استغباء الآخر وإقناعه بوجهات نظر مزيفة لمكاسب مؤقتة.

 

مقالات أخرى للكاتب