رأي

الكهرباء بين الفساد والسياسة

الكهرباء بين الفساد والسياسة

د. فراس مصطفى

في العام 1991 تعرضت شبكات الكهرباء في العراق للتدمير الشامل على أيدي قوات التحالف أثناء العمليات العسكرية لتحرير الكويت في حرب الخليج الأولى ولم تتعافى تلك الشبكات رغم كل المحاولات التي قام بها النظام السابق والذي بذل كل ما يستطيع من جهد لإعادة أعمار الشبكة الوطنية وتجهيز مدن العراق بالكهرباء لكنه لم يستطع إعادتها لسابق عهدها بسبب الحصار الخانق الذي فرض على العراق آنذاك ومع ذلك نجحت الكوادر الهندسية المحلية من تجهيز العاصمة بغداد وبعض المحافظات المهمة بالكهرباء بشكل مستمر رغم انعدام الإمكانات المادية والتقنية طيلة فترة الحصار.

 

لم يكن للعراق وزارة اسمها وزارة الكهرباء حتى عام 2003 ومع تشكيل أول حكومة بعد الاحتلال استحدثت وزارة الكهرباء كوزارة سيادية لعلاج الأزمة الخانقة التي ألمت بالشبكة الكهربائية بعد انهيارها كليا نتيجة القصف الجوي الذي استهدفها أثناء حرب الخليج الثانية عام 2003 وخُصِصَ لها موازنات ملياريه فاقت موازنات وزارات سيادية مهمة كوزارتي الدفاع والداخلية اللتان كانتا ومازالتا الأهم من بين كل الوزارات نتيجة لحرب الاستنزاف التي تخوضانها ضد الإرهاب بمختلف أشكاله.

 

تشير التقارير المالية إن موازنة وزارة الكهرباء وحدها تقدر بأكثر من مئتي مليار دولار على مدى السنوات التسعة عشر الماضية (حصص الموازنة الحكومية السنوية زائدا القروض والمنح الدولية) وهذه الموازنات كفيلة بإنشاء عشرات المحطات الكهربائية الحديثة لكنها وعلى مدى حكم ست وزارات تعاقبت على حكم العراق بعد احتلاله من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا عام 2003 لم تستطع جميعها توفير الطاقة الكهربائية لمدن العراق ولو لساعات بشكل مستمر دون انقطاع وفشلت فشلا ذريعا بإعادة الشبكة إلى وضعها الذي كانت عليه في زمن الحصار وليس في وضعها الطبيعي أيام الثمانينات لأن معظم تلك الأموال اختفت بسبب الفساد وصارت في جيوب الفاسدين الذين أثبتت الأدلة القاطعة تورطهم بسرقة تلك الأموال دون أن تتم محاسبتهم لأنهم مدعومون من تيارات وأحزاب سياسية متنفذة إضافة إلى أن تلك الحكومات لم تكن يوما جادة بتحقيق ذلك لأسباب سياسية سوف نتطرق لمغزاها في نهاية هذا المقال.

 

اليوم وبعد تسعة عشر عاما من سقوط النظام السابق واحتلال العراق تصرح الحكومة على لسان وزارة الكهرباء ووسائل إعلامها بأنها سوف تفك ارتباط شبكة العراق الكهربائية بشبكة الكهرباء الإيرانية لربطها مع السعودية؟!! أي مهزلة هذه وأي حكومة تصرح بمثل هذه التصريحات دون خجل أو وجل وأي وزارة سيادية بِعُدتِها وموازناتها المليارية لا تستطيع حل مشكلة الكهرباء التي صارت من ابسط المشاريع التي تقوم بها الدول عبر بناء المفاعلات النووية ونصب التربينات المائية والطواحين الهوائية ومحطات الطاقة الشمسية وحتى من النفايات والمخلفات الحيوانية والعراق يخسر عشرات المليارات دون أن يستطيع توفير ساعة كهرباء واحدة بدون انقطاع ويخسر اقتصاده مليارات الدولارات نتيجة خسارته لقطاعات كاملة معتمدة على الكهرباء كالصناعة والزراعة والنقل والتعدين وغيرها والتي ماتت بسبب عدم توفر الطاقة الكهربائية وخلفت مئات آلاف العاطلين عن العمل ناهيك عن المعاناة التي يعانيها العراقيون بسبب قسوة الأجواء ودرجات الحرارة المتطرفة التي تضرب العراق في كل المواسم.

 

لقد أثبتت السياسات التي إنتهجتها الحكومات التي حكمت العراق بعد العام 2003 بأن ملف الكهرباء هو ملف سياسي بامتياز, فبالإضافة للفساد الذي نخر جسد العراق الجريح فأن الأحزاب والتيارات السياسية كافة متمتعة ومستأنسة بأزمة الكهرباء وانقطاعها المستمر منذ تسعة عشر عاما لأن عقول الناس باتت منشغلة كليا بكيفية توفير الكهرباء لتنعم بساعة من الراحة في الصيف القائظ والربيع المترب والخريف الأظلم والشتاء القارص, فبينما يبحث الملايين من أفراد الشعب عن أية وسيلة لتوفير هذه النعمة "من مولدات الكهرباء المنزلية وخطوط المولدات الكبيرة وما يبتكره أصحابها من مسميات للضحك على ذقون الناس وسرقة أموالهم واستغلال حاجتهم كالخط الذهبي والخط الماسي الى صرف الملايين لتوفير الكاز والبنزين إلى البحث عن البدائل لتوفير لقمة العيش بعد أن دمرت الكهرباء كل المشاريع التي كانت توفر لهم فرص عمل شريفة الى عشرات الابتكارات لحل هذه الازمة دون جدوى" فإن الحكومات المتعاقبة والأحزاب السياسية التي تقود البلد سعيدة كل السعادة بذلك لأنها وجدت في ازمة الكهرباء ضالتها في التعتيم عما يجري فهي اللهو الأمثل لأشغال الشعب بما يبعدهم عن التفكير بفسادها وفشلها وصفقاتها في بيع وشراء المناصب وترسيخ المحاصصة المقيتة والطائفية القدرة اللتان دخلتا في كل مفصل من مفاصل الدولة ونهب المال العام وتذويب العقارات العائدة للدولة وتفتيت الأراضي الزراعية وتهجير الملايين من مدنهم واغتيال الناشطين والتستر على الفاسدين دون عقاب ومحاسبة وغيرها.

 

إن الكهرباء ليست بتلك المعضلة التي تعجز عن إنجازها وتوفيرها دولة غنية مثل العراق جنت ترليون دولار من عائدات نفطها على مدى تسعة عشر عاما في الوقت الذي أنشأت فيه الأردن, البلد الذي يعاني من أزمات اقتصادية خانقة مفاعلا نوويا لتوفير الطاقة الكهربائية وبأربعة مليارات دولار فقط ونصبت مصر الفقيرة أكبر محطة لتوليد الطاقة الكهربائية في العالم باستخدام الطاقة الشمسية خلال ثلاثة سنوات وبكلفة ثلاثة مليارات دولار فقط وبنت تركيا التي تعصف الأزمات المالية باقتصادها عدة سدود مائية لتوفير الكهرباء وبكلف بسيطة ولو كانت هناك نوايا سليمة وجدية كافية لتحقيق هذا الهدف كأولوية من أولويات الحكومات المتعاقبة على حكم العراق لاستطاعت بناء العشرات من محطات توليد الطاقة الكهربائية والتي تكفي لتجهيز جميع دول المنطقة بالكهرباء وليس للعراق فقط ولعاش العراقيون بنعيم وسلام وراحة بال واستقرار نفسي, لكن تحقيق ذلك سيكون كفيلا بإسقاط الحكومة وكشف كل الألاعيب السياسية والصفقات المشبوهة ومحاسبة كل الفاسدين والقضاء على الفساد خلال ساعات لأن الشعب سوف يصحو من هذا الكابوس المرعب وسوف يفهم اللعبة بكل تفاصيلها وسوف يعي ما يدور حوله وسوف يتفرغ لتصفية الحسابات مع من لعب بمقدراته طيلة تلك السنوات العجاف.  

 

مقالات أخرى للكاتب