رأي

قصف مطار بغداد جريمة والجميع في النظام وحماته متهمون!

قصف مطار بغداد جريمة والجميع في النظام وحماته متهمون!

علاء اللامي

إن قصف مطار بغداد جريمة قذرة وحماقة غبية استهدفت المسافرين المدنيين العراقيين دون غيرهم، وأعطت إشارة واضحة إلى المدى الإجرامي الذي يمكن للمجموعات المسلحة الفالتة أن تصل إليه في صراعها على مغانم السلطة مع خصومها في المنظومة الحاكمة الطائفية العرقية والتي هي جزء عضوي منها. لقد أكد القاصفون أنهم لن يترددوا في قتل آلاف العراقيين على الطريقة الداعشية والمس باللحم الحي للمواطنين العراقيين الأبرياء من أجل تحقيق أهدافهم السياسية الظلامية وأن تشدق بعضهم - وخصوصا هذه المجموعة التي قصفت المطار - بعناوين مقاومة الاحتلال هو كذب وتدليس ومتاجرة رخيصة بدماء الناس.

 

حسناً فعل الإطار التنسيقي بإدانة هذه الجريمة وبوصفها بالفعل "الإجرامي الإرهابي"، ولكن هذا لا يكفي فلكي يعطي الإطار وأي طرف أدان هذه الجريمة صدقية لإدانته اللفظية يجب عليه أن يدعو إلى رفع الغطاء السياسي والاجتماعي عن هذه المجموعة وتقديمها للقضاء وتزويد القضاء بما في حوزته من معلومات حول حيثيات هذه الجريمة. أما المتباكون على هيبة الدولة فهم لا يقلون نفاقا وزيفا عن غيرهم في النظام لأنهم عجزوا ويعجزون عن حماية المواطنين وعبثوا ويعبثون بثروات البلاد ومقدراته ويستمرون في الخضوع والتبعية لأوامر وقرارات "المندوب السامي" في السفارة الأميركية ولا يجرأون على كسر أصغر الممنوعات الأميركية كحل مشكلة الكهرباء! إنهم الوجه الآخر لعُملة الخراب والتبعية وفقدان الاستقلال والسيادة الوطنية!

 

وفي ضوء ما سبق، فربما يكون من المفيد، في أجواء الاستقطاب السياسي والأمني الحالي التذكير ببضع نقاط كنت أظنها بديهية لكثرة ما كررتها في كتاباتي:

1-لا فرق جوهرياً من وجهة نظري بين جميع أحزاب ومليشيات المنظومة الحاكمة من أقصى يسارها الشيوعي المزيف إلى أقصى يمينها الإخواني والليبرالي المحافظ والقومي الكردي والعربي والولائي التابع لإيران طالما اشتركت هذه القوى والشخصيات في العملية السياسية الطائفية ودستورها المكوناتي.

 

2-مازلتُ أرى أن من حق أي عراقي -حتى لو كان متهما بالفساد- أن يقاوم الاحتلال والهيمنة الأميركية والاحتلال التركي والوجود العسكري الأجنبي كله بالسلاح حتى طرده دون أن يعني ذلك السكوت على فساد الفاسدين ومتاجرة المتاجرين أو تبريرهما أو الدفاع عنهما.

 

3- لا أثق بإعلام المجموعة التي تسيطر على الحكومة اليوم والأطراف الداعمة لها كتحالف الصدر والبارزاني والحلبوسي، ولا بما يقوله ويكرره إعلام خصومها والساعين للحلول محلها في تحالف المالكي والعامري والخزعلي، وأحاول أن استعمل عقلي الخاص بطريقة نقدية شكاكة. وكل حدث أو جريمة حدثت حتى الآن، من قتل المتظاهرين السلميين وحتى قصف مطار بغداد، وحتى قبل ذلك من جرائم في سنوات الاقتتال والقتل على الهوية الطائفية، كل هذه الجرائم لا يمكن تبرئة حلفاء واشنطن أو طهران منها وبين هؤلاء وأولئك تتحمل الجماعات التكفيرية كالدواعش مسؤولية وعارا خاصين وهي تعترف بجرائمها على كل حال!

 

4- حين أكتب وأحلل حدثا ما، أسعى جاهدا لاستعمال عقلي النقدي الشخصي وأتجاوز الانحيازات العقائدية البدئية التي أحملها كشخص منحاز طبقيا وفكريا وأيديولوجيا إلى اليسار، وأحاول التمرد على الانحيازات الاجتماعية الفطرية والكامنة في اللاوعي والتي لا يخلو منها أي إنسان بهدف تعطيلها أو تحييدها، فأهجر الأحكام المسبقة والجاهزة من قبيل اتهام الطرف الأميركي تلقائيا ودون تفكير وهو الطرف الذي لا يحتاج إلى اتهام، ولكن ذلك قد يؤدي إلى تعطيل العقل والبحث العقلاني عن طرف متهم محتمل آخر.

 

5-لذلك ينبغي البحث عن بصيص من الضوء في ظلمة الكذب والدجل وانعدام الشفافية الإعلامية والطمطمة المتبادلة بين أطراف الحكم الفاسد، فطالما كان الجميع مشاركا ومسؤولا عن الكارثة التي حلت بالعراق وشعبه وماحدث فيه طوال العقدين الماضيين وهي مستمرة دون انقطاع فالجميع متهمون ومسؤولون عما يحدث ولا يمكن تبرئة أي طرف مسبقا، وحتى السخرية من حيل وأكاذيب طرف ما دون إدانة الطرف الآخر يمكن أن تفسر - في مناخ الاستقطاب السياسي والطائفي الحالي - وكأنها دفاع عن ذلك الطرف!

 

6- بخصوص جريمة قصف مطار بغداد، وبكلام أكثر وضوحا، أعود وأكرر أن هذه الجريمة جاءت في سياق تتطاحن فيه أطراف المنظومة الحاكمة على الحكم بعد ان خرج الجميع ملطخين بدماء شهداء انتفاضة تشرين وأخمدوها أو جيَّروها لمصلحتهم، وفي سياق سعي بعض الأطراف للقيام بعمليات مسلحة متواصلة وتهديدات علنية وجهت لرئيس الحكومة وحلفائه وبلغت درجة تهديده بقطع أذنيه، واستهدفت الوجود الاحتلالي الأميركي، ولذلك فلا يمكن تبرئة الأطراف المليشياوية والحزبية الخاسرة للانتخابات، ولا يمكن أيضا تبرئة السفارة الأميركية وحلفائها المحليين الساعين للانفراد بالحكم وطرد حلفاء إيران من المشهد السياسي العراقي، وخصوصا بعد دعوة الخنجر المشبوهة والمدانة إلى تدويل حماية مطار بغداد وطلب المساعدة "الخارجية" أي لوضعه تحت الحماية العسكرية الأميركية كمقدمة لإعادة الاحتلال العسكري المباشر لبغداد كلها ثم للعراق كله.

 

7-أما ما قيل عن اعتقال شخص واحد يشتبه بقيامه بعملية قصف المطار وأن هذا "الطرزان" له علاقة بالحلبوسي، فهو يبقى مجرد خبر عن اعتقال مشتبه به أما إلصاق الاتهام بطرف من ساسة العرب السنة فهو على الأرجح لا يخلو من الانحياز والتأجيج الطائفي ورمي المسؤولية على الطرف المقابل وهذه كلها اتهامات لا قيمة لها لأنها بلا دليل ملموس ولن يسمح النظام بالكشف عن دليل ملموس لها ولا تختلف عن القول "الحلبوسي قصف بيته ليتهم طرفا آخر"، وستنتهي كل هذه الضجة بالصمت والطمطمة أيا كان الطرف الذي ارتكب جريمة قصف المطار!

 

8-تتحمل حكومة الكاظمي مسؤولية الفشل في منع حدوث هذه الجريمة وما سبقتها من جرائم عديدة، كما تتحمل مسؤولية حجب الحقائق والمعطيات المتعلقة بتفاصيل هذه الجريمة ومنها اعتقال شخص مشتبه به، وعليها أن تعرضه على القضاء العلني ولا تطمطم الموضوع مثلما طمطمت غيره من ملفات مضمخة بدماء العراقيين المظلومين.

 

 

علاء اللامي: كاتب عراقي

 

 

مقالات أخرى للكاتب