رأي

حرب الجفاف القادمة صوب العراق

حرب الجفاف القادمة صوب العراق

رياض الحمداني

قد يكون العراق على موعد مع حرب جديدة، لكنها هذه المرة مع الجفاف فالخبراء يحذرون من آثار كبيرة له على القطاع الزراعي، فضلا عن مياه الشرب وكذلك جوف الأرض، ما يعني وجود مخاطر تهدد أساسيات الحياة مع ارتفاع نسبة الملوحة بشكل ملحوظ بمناطق جنوبي العراق.

 

وعاما بعد عام، تزداد أزمة المياه سوءا في العراق مع تراجع معدلات هطول الأمطار وتمدد الجفاف، إلى أن بات العراق البلد "الخامس في العالم" الأكثر تأثرا بالتغير المناخي بحسب الأمم المتحدة.

 

وفي آخرها ما أصدره المجلس النرويجي للاجئين، الذي حذر من تفاقم الكارثة مع ارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض مستويات الأمطار والجفاف في جميع أنحاء المنطقة، مما يؤدي لحرمان الأهالي من مياه الشرب ومياه الري، ولعرقلة عمليات توليد الكهرباء نتيجة شح ونفاذ مياه السدود، وهذا يؤثر بدوره على عمل المرافق العامة الأساسية، بما في ذلك قطاع الخدمات الصحية.

 

ويشير التقرير إلى أن أكثر من 7 ملايين مواطن في العراق مهددون جراء فقدان الوصول لمياه الفرات بالإضافة إلى الجفاف، الذي يعرض مئات الكيلومترات من الأراضي الزراعية لخطر الجفاف التام.

 

ويؤكد التقرير أن المياه المغذية لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ومصائد الأسماك ومنشآت توليد الطاقة ومصادر مياه الشرب قد جفت في العراق، ومن المتوقع أن إنتاج القمح سينخفض بنسبة 17 بالمئة في محافظة نينوى نتيجة للجفاف، أما في إقليم كردستان العراق فمن المتوقع أن ينخفض الإنتاج بمقدار النصف.

 

إن هذه الأرقام المفزعة، تعكس تفاقم الأزمة التي تعصف بالعراق جراء الجفاف والتصحر وتراجع منسوب المياه الجوفية، وتراجع القطاعات الزراعية والانتاجية الأخرى المترابطة، بما يهدد الأمن الغذائي والمائي للبلاد.

 

سلة خبز العراق

عرفت محافظة نينوى بسلة خبز العراق أو سنام العراق الغذائي على مدى قرون من الزمن، اما في هذه السنوات الأخيرة ومع ارتفاع مستويات الجفاف والتصحر وقلة الدعم الحكومي للقطاع الزراعي وشحة مياه الامطار انخفض انتاج المحافظة لمادتي الحنطة والشعير الى مستوى ملحوظ، ففي العام 2020، أنتجت المحافظة 927 ألف طن من الحنطة، محققة الاكتفاء الذاتي، لكن في سنة 2021، انخفضت الكمية إلى 89 ألف طن بسبب الجفاف وقلة سقوط الأمطار.

 

وبحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة إنه في عام 2015، كان لدى كل عراقي 2100 متر مكعب من المياه المتاحة سنويا، مضيفا أنه بحلول عام 2025، ستنخفض تلك الكمية إلى 1750 مترا مكعبا، مما يهدد استقرار الزراعة والصناعة في البلاد على المدى البعيد، فضلا عن تهديد صحة السكان.

 

ماذا يعني لو تم إهمال الملف المائي للعراق؟

يعني ببساطة بانه سيكون هناك (الجفاف، موجات الحرارة العالية، الإجهاد، السيول، التصحر، ارتفاع مستوى سطح البحر، فقدان الأراضي الزراعية والهجرات الجماعية) وغيرها.. والتأثير على صحة الإنسان والحيوان والنبات، بالإضافة الى  التأثير على القطاعات الرئيسية التي تشكل أساس التنمية والتطور في البلد بسبب ندرة وتلوث المياه في نهري دجلة والفرات، وبالتالي التأثير على حالة الاستقرار السياسي في العراق، لذا بات من الضروري جداً اتخاذ تدابير صارمة لمعالجة الملف المائي داخلياً وخارجياً وتعزيز مرونة المجتمع العراقي للتكيف مع تغيرات المناخ، لتقليل الهشاشة في القطاعات الهشة بالفعل والأكثر ضعفًا.

 

لدى العراق سدود استراتيجية كسد الموصل الذي كان قبل سنوات قليلة يهدد العراق بالغرق ما هو اليوم الا خزين ضخم تتضاءل المياه فيه، وهذا يعكس ازمة العراق المائية التي تضاف على ازماته المعقدة.

 

يمر العالم بأزمة المياه ومنها العراق وأفضل طريقة لتأمين الماء في موسم سقوط الامطار، وهو بناء عدة سدود صغيرة لخزن المياه، لذا فكرة انشاء سدو د كبيرة في ظل التغيرات المناخية وقلة الامطار اصبحت غير عملية ما فائدة سد كبير لا تتوفر مياه لنملئه، لان فكرة السدود الصغيرة عملية وتوفر فائدة لمناطق مختلفة هذا بالإضافة الى قابلية خزنها والاستفادة القصوى منها أسرع، اضافة الى أن تكلفة انشائها ليست ضخمة.

 

هناك عمل لمعالجة مشكلة المياه مع الدول المجاورة لكن مع هذا العمل يجب أن يكون عمل داخلي لتنظيم وادارة ما متوفر لدى العراق من مياه، ويجب التوجه الى فكرة حصاد المياه عن طريق انشاء السدود الصغيرة لحصاد مياه الامطار في القرى والمناطق البعيدة عن مراكز المدن، بالإضافة الى المحافظة على ما متوفر من مياه من التلوث وكذلك المحافظة على مجاري الانهر من مصادر التلوث والتجاوز، وضرورة تثقيف المجتمع على المحافظة وترشيد الاستهلاك المائي من الاستخدام المنزلي الى الزراعي، كما يتطلب استراتيجية وإدارة متكاملة ومستدامة للموارد المائية في العراق.

 

إدارة الازمة

الهطول المطري، الحالوب والثلوج شمالي العراق تكون أكثر خصوصاً في شهري كانون الأول وشباط، ويأمل العراق في زيادة الهطولات المطرية لكي تستمر تصاريف الأنهار والجداول ولتصل إلى أقصى مستوياتها، وتتجدد طبقات المياه الجوفية والينابيع، وتعيد تنشيط الشلالات، كما أن تراكم الثلوج على قمم الجبال في الارتفاعات العالية لتذوب وتختفي ببطء في بداية موسمي الربيع والصيف الذي يحول لون الأرض من اللون الأخضر الفاتح في فصل الربيع إلى اللون البني الذهبي في فصل الصيف، لكن في العراق لا توجد سياسة خزينة مستدامة وخطط لإنشاء سدود استراتيجية جديدة أو سدود صغيرة لحصاد وخزن هذه المياه ولذا فإن هطول الأمطار ولو كانت القليل في وقت قصير ولم تخزن أو يتم إدارتها بشكل هندسي، فهذا قد يعني حدوث  سيول وانجرافات للأرض والتربة مما تسبب في تدمر المنازل والجسور والمجاري الصندوقية، وتهدم الطرقات، وتغسل خلايا النحل والحقول المزروعة، نتيجة القوة المذهلة والمدمرة للماء، كلُ ذلك بسبب عدم الاهتمام بالبنية التحتية للمشاريع وإهمال أعمال الصيانة الدورية، وعدم وجود استراتيجية لإدارة متكاملة ومستدامة للموارد المائية في العراق.

 

خطورة الجفاف الذي عرفه السكان هنا وهناك، بعد أن أنجزت تركيا سدها المنيع الضخم على أراضيها، ومع هذا الإنجاز  تراجع صبيب دجلة وتكبدت سوريا والعراق خسائرُ كبيرة، اما في جنوب العراق حيثُ ملتقى النهرين عند شط العرب، كان عرب الأهوار يعيشون على طريقة اسلافهم السومريين مستفيدين من خيراتٍ وهبها الله ثم دجلة والفرات، لكن مع هذا الإنجاز أن لم تتم معالجة الامر دبلوماسيا مع تركيا كيف يكون الحال، هل يستطيع الفرات عناق أخيه دجلة؟

 

مقالات أخرى للكاتب