ثقافة

الخالدي: الرواية والأدب قوة ناعمة وذاكرة ومحرك للتفكير في المهمل

الخالدي: الرواية والأدب قوة ناعمة وذاكرة ومحرك للتفكير في المهمل

حوار: علي كاظم داود

كاتب يحمل الوجع العراقي قضية في ما يكتبه، فتبدو نصوصه استجابات إبداعية للمتغيرات التأريخية التي شهدها العراق. كاتب يكتب بوعي نافذ وبصيرة عالية. مدرك لخطورة القول، ومتقن لأدواته الفنية. ولذلك تمكن بعدد قليل من الروايات، أن يضع اسمه بين أسماء أهم الروائيين العراقيين.

 

ضياء الخالدي، بدأ بمجموعة قصصية بعنوان "النشيد الأخير" صدرت عام 2001 عن دار الشؤون الثقافية في بغداد. تلتها روايته الأولى "يحدث في البلاد السعيدة" عام 2006 عن دار الشؤون الثقافية أيضاً. وبعدها رواية "قتلة" عام 2012 عن دار التنوير في بيروت. ثم رواية "1958- حياة محتملة لعارف البغدادي" عام 2018 عن منشورات نابو في بغداد. وآخر اصداراته رواية "هروب وردة- وقائع صيف 1995" عام 2020 عن منشورات نابو أيضاً. عن هذا المنجز الهام وموضوعات أخرى كان لنا معه هذا الحوار:

 

* كيف يمكن لمن كتب الرواية والقصة القصيرة الموازنة بينهما، والنجاح في كتابة كلٍ منهما، نظراً لاختلاف اشتراطات الكتابة الابداعية بينهما، فالقصة تقتضي التركيب المجهري الدقيق، والرواية تمنح كاتبها حرية السياحة واستقصاء العوالم والفضاءات والشخصيات بشكل غير محدود؟

- هما جنسان متجاوران، ويحملان الكثير من المشتركات التي ينبغي عدم تجاوزها، ما يجعل النجاح في كليهما وارداُ بنسبة كبيرة. الأمر يتوقف برأيي عند رؤية الكاتب وقدرته في فهم طبيعة الفوارق، والموضوعات التي تناسب كل منهما. عدم إدراك ذلك هو الوقوع في مأزق حقيقي يكتشفه القارئ ببعض الروايات مثلاً، وشعوره بالملل بسبب البطء دون مبرر فني بدفع الأحداث كما يقتضيه السياق، أو الدوران حول المعالجة نفسها للفكرة، أو الشخصية التي لا تتطور بما يناسب طبيعة الفن الروائي. كذلك الأمر في القصة القصيرة، لكن بشكل معاكس تماماً.

في النهاية، نجد عند كُتاب هذين الجنسين ميلاً لأحدهما على حساب الآخر، بوصفه المساحة الأكثر تأثيراً لمخرجات الرؤية لديهم، وحجم المهارات التي اكتسبوها في تجاربهم.

  

* هل تمثل حيادية الكاتب ضرورة ملحة عندما يكتب أم إن انحيازه لأفكاره وقناعاته وإيديولوجيته أمر حتمي؟ وهل يمكن أن يمثل الانحياز مثلبة عليه؟

- حيادية الكاتب ضرورة لا نقاش حولها، ولكن علينا أولاً أن نفهم ماهية هذه الأفكار والقناعات. إذا كانت تعني أن يكون الكاتب صوتاً لجماعة ما، سياسية أو دينية أو غيرهما، فذلك خلل في موقع الذات من العالم، والتي تصبح غير قادرة على النظر بعين سليمة إلى الآخر المختلف، وأن التراكم التي حصلت عليه بالتجربة والقراءات هو لتأكيد القناعات المسبقة التي وهبتها له العائلة أو المحيط أو الظرف الاجتماعي. لكن في الجهة المقابلة ثمة أفكار وقناعات تترسخ تدريجياً وبعيداً عما وجدنا أنفسنا فيه، ويكون فيها جانب الهدم مرافقاً لفعل البناء، ما يقربنا من صنع فرديتنا، والانتماء إلى فضاء واسع يتجاوز الانتماءات الضيقة. هذه الأفكار والقناعات لا تؤذي الحيادية، بل تقدم لها وجهاً آخر يعزز من وهجها في الكتابة، ولن تبدو منفصلة عن الذات لأنها لا تذهب إلى منطقة رخوة لتقويتها، بل تنطلق بفرادتها كونها حيازة شخصية تم العمل على صنعها، ولا تتطابق مع أفكار وقناعات الآخرين بالمجمل.       

 

 * كيف تنظر للتأثيرات التي قد تتركها التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى في النصوص الروائية على مستوى الشكل والمضمون؟ وبالمقابل هل يمكن أن تُحدث الرواية تغييرًا ما في الواقع؟

- في العراق، ودول العالم المشابهة له، تكون التأثيرات كبيرة في كل شيء، لأن التغييرات عاصفة، ولا تخضع إلى تحولات طبيعية بطيئة. تنهار الحدود القديمة فتبدأ الجديدة في إعطاء مساحاتها للتفكير. المضمون هو المتغير الأكبر، ونعني هنا الفكرة واللغة والأسلوب والركائز الأخرى، وكلما كانت الحرية أكبر نلمس تنوعاً وتأثيراً أعمق في في تقديم الجديد اللافت للنظر. هذا الجديد يستطيع احداث الأثر والتغيير عبر المناطق التي استهدفها، والتي كانت محرمة في السابق، ما يعني حيازة الرواية أو الأدب قدرة على التوجيه إلى قضايا ينبغي الانتباه إليها. الأدب قوة ناعمة وذاكرة الشعوب، ومحرك فعال لبنية التفكير في تتبع المهمل في حياتنا. ذلك الذي يتم نسيانه جراء الضغوط اليومية أو كوابح السلطات القامعة، فنبدأ باستعادته بوصفه جزءاً حيوياً قادراً على تغيير نظرتنا للعالم، ونقلها إلى مستوى أعلى في تحليل الوقائع باختلافها، آنية كانت أو تأريخية.

 

* شهد الواقع العراقي بعد 2003 تحولات وتغييرات كبيرة على مستويات عديدة، منها ما أتيح للكاتب من حرية نسبية في التعبير وسهولة في النشر، وفي المقابل أخذت بعض القوى الناشطة في المجتمع تضع حدودًا وقيودًا أخرى، كيف يمكن أن يتعامل الكاتب مع هذا الواقع الملتبس؟

- إجابة هذا السؤال امتداد للسؤال السابق، فالحرية النسبية المكتسبة دفعت الروائيين إلى استثمار ما يمكن الوصول إليه والعمل ضمن الحدود الجديدة. هناك انجاز تحقق، والكثير من الروايات المهمة التي صدرت بعد التأريخ المذكور لم تكن ستصدر قبله، وهنا علينا النظر إلى حجم القيمة الابداعية المهدورة في ظل الأنظمة الشمولية. القوى الناشطة كما أسميتها ملأت الفراغ حسب تأثيرها، والكاتب يعي جيداً هذا التغيير، بيد أن القوة الأكثر هيمنة برأيي صورة المجتمع القديمة عن نفسه، أو بتعبير آخر، الثوابت الراسخة في ذهنية الانسان العراقي عن سردية انتماءاته الصغيرة بكونها أشبه بالمقدسات التي لا يمكن أن يطالها النقد أو مجادلتها. وهذا يأتي بسبب قلة الوعي بالهوية الوطنية، التي تحتوي الفرعيات وتنقلها إلى موضوعات قابلة للنقاش. لا أقصد بقلة الوعي ضعف الانتماء للبلد، وانما أن يتحرر الفرد من قيود السلالة ومهيمن الشخصيات والحوادث التأريخية إلى الأيمان باللحظة الوجودية التي يعيشها، وكونه فرداً لا يقل قيمة عن أي أفراد سابقين أو حاليين. 

*بالحديث عن رواياتك، نلاحظ فيها ظاهرة وجود الكثير من التأملات والجمل الاعتراضية والتحليلات التي تنفصل كليًا عن سيرورة أحداث الروايات، لتأخذ القارئ إلى منطقة معرفية تحفل بالقيم وتفسيراتها، وهو ما يصنف نقديًا تحت وجهة نظر المؤلف الضمني، الذي قد يظهر بوصفه قارئًا ومستهلكًا داخليًا للقيم الاجتماعية والإنسانية، وقد يبدي موقفًا أو نقدًا لها، هل يعدُّ المؤلف الضمني، بهذه الصورة، قناعًا للكاتب أو كائنًا روائيًا ناطقًا بصوت المؤلف الحقيقي؟

- بدا ذلك واضحاً في رواية "قتلة" لأن ثيمة العمل كانت تسمح بذلك حسب قناعتي، ووجود المؤلف الضمني يزيد من وهج الحكاية وتأثيرها، ويفتح مسارات جديدة في نقل المتن إلى الغايات التي أردتها. هذا المؤلف النموذج الذي يصنعه كل قارئ وفقاً لمرجعيته الثقافية لا يتقاطع مع فكر الشخصية وسلوكها، ولا يعد نافراً في المحصلة النهائية للعمل.. في الروايات الثلاث الأخرى نراه يقترب من الاختفاء، ولا سيما في الروايتين الأخيرتين "1958-حياة محتملة لعارف البغدادي" و "هروب وردة- وقائع صيف 1995" أمام وعي الشخصيات البطلة، وتأملاتها وأفكارها النابعة من طبيعة حياتها ومواقفها اليومية. المشكلة برأيي لا تتعلق إن كان المؤلف الضمني قناعاً للمؤلف الحقيقي، بقدر هل كان الأول دخيلاً ومدمراً لفكر وسلوك الشخصيات البطلة، بحيث يجعل الأحداث غير مقنعة، والشخصيات كأنها دمى يتم تحريكها لغايات ليست من طبيعة أفعالها وتفكيرها. 

 

* تجسد رواية (قتلة) منازل عديدة في تراتبية الصراع المحتدم من أجل فرض السيطرة والتحكم في العراق عمومًا وفي بغداد بالخصوص. هل انتهى فعليًا هذا الصراع بنهاية ما عرف بسنوات الاقتتال الطائفي، أم إنه ما يزال متواصلًا ولكن بصور مغايرة؟

- الصراع موجود وأتخذ شكلاً آخر، وهو امتداد لصراعات في تأريخ دولتنا الحديثة. سنوات العنف الأهلي نتيجة أو مظهراً طاف على السطح. لكن ما يعطينا أملاً أن محرك الصراع يبدأ دائماً من السلطة وليس من البنية المجتمعية التي تعد متماسكة وغير قابلة للتشتت. يحتاج السياسي إلى قناع وفكرة يتم صنعها من أجل دفع الناس إلى مشاريع ضيقة. عناوين كبرى، وكليشهيات التأريخ المجيد والمستقبل الزاهر تحضر باستمرار من أجل الهيمنة، ورواية "قتلة" حاولت تتبع جذور هذه الأفعال والمشاريع التي ارتدت شعارات كبيرة في وقتها وباتت فضفاضة وخيالية في زمننا. هذه الشعارات اقترفت تحتها الجرائم وتوقفت بفعلها عجلة التقدم والتنوير، وضاعت أجيال في الحروب والأزمات. عماد الغريب، الشخصية البطلة في الرواية، جسد هذا التناقض ما بين الكلمات والأفعال وهو يبحث عن النجاة من خلال نجاة المجتمع ذاته. اقترف الجريمة وهو مؤمن أن الفعل الذي انجزه في صالح المجتمع، بقتله انساناً سيئاً يشكل ضرراً على حياة الآخرين. لقد انتقل ما بين أسوار الأيديولوجيات بدافع الاقتراب من تتطابق الكلمات والأفعال، وليس بدوافع انتهازية ومرحلية، ولذلك كان خاسراً في حلبة لها قواعد لا تضع الإنسان في سلم الأولويات.

ما نراه اليوم في حال البلاد السياسي يؤكد أن التجارب السابقة في الحكم لم تتم الاستفادة منها من أجل التجاوز، والنهوض صوب دولة مدنية تحترم الإنسان بوصفه البوصلة التي يتحرك بفضلها الجميع، لا بالشعارات وإنما بالأفعال التي تعطي التراكم تدريجياً، وتنقل وعي الفرد إلى مرتبة تفكير أعلى تجعله مشاركاً فاعلاً في البناء، وليس متحيناً للفرص.

 

* تستعيد رواية (هروب وردة) بعض وقائع الحروب العراقية والحصار التسعيني، وآثارهما على الإنسان وسلوكياته وعلى القيم والعلاقات الاجتماعية، ونلمس فيها واقعية المسرود، أي إن الكاتب قد عاشه فعلًا مثل بقية العراقيين، فكيف يمكن الفصل بين الواقعي التاريخي والتخييلي المختلق فيها؟ أم إن هذا الفصل غير مهم من الأساس؟

- الواقع التأريخي مادة خام كما معروف، وينبغي التعامل معه فنياً عبر خيارات الاستبعاد والاستهداف وإعادة الخلق، وهذا يشمل السيرة الشخصية للكاتب في تلك الوقائع المراد كتابتها. الواقع التأريخي هو الأرض الصلبة التي تتيح للخيال أن يضع طاقات التعبير الممكنة عليه لبناء الحكاية، ورسم الشخصيات، في المناطق الأكثر تأثيراً. وكلما كان الكاتب ماهراً ولديه حساسية عالية أمام الحوادث الماضية، فأن الخط الفاصل سيتلاشى، ويجعل القارئ يتساءل عما يقرأ، إن كان واقعاً حقيقاً أو مختلقاً، فمن جهة هو أمام أماكن ومسميات يعرفها وربما عاشها، ومن جهة أخرى منشداً لتفاصيل حياتية درامية تشير إلى حرفية الكاتب، وقصديته في إيصال المتن إلى مساحات تدعو للتساؤل والاعجاب.. رواية "هروب وردة" حاولت مس ذلك المقطع الزمني الذي عاشه العراقيون، وهم أسيرو حالة غياب الهدف، أو المستقبل بسبب الحصار الاقتصادي العالمي. وكل شخصية كان لها الخيار في الثورة على الواقع أو التعامل معه بوصفه قضاءً وقدراً.