ثقافة

المخرج الأفغاني صديق برماك لـ"العالم الجديد": شاهدت "القادسية" و"ابن بابل".. والسينما الكردية أكثر تقدما في العراق

المخرج الأفغاني صديق برماك لـ"العالم الجديد": شاهدت "القادسية" و"ابن بابل".. والسينما الكردية أكثر تقدما في العراق

حوار: كوثر جبارة

المخرج الأفغاني الشهير "صديق برماك" يعد من أبرز المخرجين العالميين، كتب وأخرج العديد من الأفلام القصيرة والطويلة والوثائقية، وحاز فيلمه الروائي الطويل (أسامة 2004) على عدة جوائز عالمية مهمة، من أبرزها الغولدن غلوب Golden Globe لأفضل فيلم أجنبي في العام 2004، فضلاً عن مهرجان كان السينمائي 2003 إذ حاز على جائزة كان للناشئين (Cannes Junior Award) كما رشح لجائزة الكاميرا الذهبية في الدورة ذاتها، وحصل على تنويه خاص من لجنة التحكيم، وكذلك حاز على جائزة الجمهور في مهرجان بوسان السينمائي للعام 2003 وغيرها من الجوائز.

وعلى هامش مشاركته مهرجان دهوك السينمائي الدولي الثامن الذي أقيم في منتصف شهر تشرين الثاني نوفمبر الماضي، في مدينة دهوك، كرئيس للجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة العالمية، التقته "العالم الجديد"، فكان معه هذا اللقاء:

 

هل يمكنك إعطائي صورة عامة عن السينما الأفغانية، عن بداياتها ومن هم أهم المخرجين فيها وخاصة المخرجات النساء؟

بدأت السينما في أفغانستان عندما جلب الملك جهاز عرض من أوروبا عام 1927، وكانت هذه المرة الأولى التي يشاهد فيها الناس في أفغانستان السينما والأفلام، وكان هذا صادما لهم آنذاك، إذ كيف للصور أن تتحرك هكذا، وبعد ذلك بدأت عروض عدد من الأفلام، لكن بسبب الأوضاع السياسية والتغييرات والحروب في أفغانستان توقفت كل هذه العملية. وفي بدايات الثلاثينيات وبالتحديد في سنه 1935 ظهرت من جديد السينما في أفغانستان وعرضت الأفلام الصامتة من أوروبا وكذلك أفلام أخرى وخاصة الأفلام الهندية، ورافقت الآلات الموسيقية هذه الأفلام كالبيانو والدرامب، وكان الناس يستمتعون بهذه العروض.

 

لكن إنتاج الأفلام في أفغانستان بدأ للمرة الأولى عام 1947 وصعوبة إنتاج الأفلام في أفغانستان كانت بسبب غياب المعدات، فذهب المخرجون المسرحيون والممثلون إلى الهند، ففي ذلك الوقت لم تكن باكستان قائمة، وهناك صنع أول فيلم أفغاني بإنتاج مشترك مع الهند مع ستوديو اسمه (هوما فيلم) وكان عنوان ذلك الفيلم (الحب والصداقة) أخرجه (رشيد لطيفي) وكتب له السيناريو (حسن بينا) وكانت قصة الفيلم قصة حب ميلودرامية حول الحب الذي يضحى به لأجل الصداقة، إذ يحب رجلان الفتاة نفسها ثم يذهبان إلى الحرب، ويعلم أحدهما أن صديقه يحب الفتاة نفسها التي يحبها هو فيضحي ويترك المدينة لأجل أن يكون صديقه مع الفتاة التي يحبها، كان فيلما ميلودراميا ترافقه عدد من الأغاني، وكان قريباً جداً من طبيعة السينما الهندية.

صديق برماك (العالم الجديد)

 

وبعد ذلك في العام 1960 نشأت رغبة في المملكة بإعطاء العديد من المعلومات حول أفغانستان، عن وضعها السياسي والحرب فبدأت بصناعة الأفلام القصيرة التي لا تزيد مدتها عن عشرة دقائق وكانت تعرض في صالات السينما قبل العرض الرئيسي للأفلام الروائية الطويلة، وآنذاك كان من الصعب جدا أن تصنع أفلام متقدمة تقنيا، وبعد ذلك ساهمت أمريكا ببناء ستوديو صغير ومختبر لصناعة الأفلام وهنا بدأت إنتاج السينما الأفغانية، وبدأ الشباب الأفغان بتعلم فن السينما في الاتحاد السوفيتي وفي الهند ثم قدموا إلى أفغانستان وبدأوا بصناعة الأفلام الروائية الطويلة واستمرت هذه الحال حتى سنة 2002، وكانت حصيلة الأفلام التي أنتجت في هذه الفترة 45 فيلما في هذا الستوديو. وفيما عدا هذه الفترة وأقصد في السنوات الممتده بين 1996 و2002 عندما قدم الطالبان إلى الحكم كانت السينما الأفغانية تقدم الأفلام الروائية والأفلام الوثائقية، وكانت الحكومة هي من تنتج تلك الأفلام لكن بعد 2002 جُلبت فلسفه جديدة للاقتصاد في البلد، وصار الاعتماد أكثر على السوق المفتوحة ولم يعد للحكومة أي مسؤولية عن إنتاج الأفلام، ولم تعد مستعدة لتدفع ولو فلساً واحداً لأجل السينما، لكنها أعطتنا الحرية في الحصول على الدعم لإنتاج أفلامنا من أي مكان نريد، وكان هذا صعبا علينا، لأنه يصعب الحصول على الممول في دولة مثل أفغانستان، ولذلك اضطررنا إلى البحث عن دول أخرى ومنتجين آخرين للحصول على بعض المال لإنتاج أفلامنا، وخاصة عبر المنظمات العالمية، وشكرا للتكنولوجيا الحديثة التي جعلت الشباب الذين يملكون شغف صناعة السينما يستطيعون الحصول على كاميرا صغيرة أو هاتف محمول وجهاز كومبيوتر لعمل فيلم روائي أو وثائقي، فصار لدينا الكثير من الأفلام القصيرة الناجحة وساهمت في ظهور المخرجات النساء في أفغانستان، وكُنَّ أشبه بهبة من الله لتلك السينما، فعلى سبيل المثال ظهرت (رؤيا سادات) التي أخرجت في العام 2003 فيلما بعنوان (ثلاث نقاط) وحقق نجاحا كبيرا في العالم وأيضا لدينا (صحرا كريمي) ومخرجة أخرى ايضا مهمة هي (شهربانو سادات) التي شارك فيلمها (رقصة الفتيان) في عرضه العالمي الأول في مهرجان كان السينمائي الدولي (نصف شهر المخرجين)، وأيضا المخرجة (صحرا ماني) التي تصنع الأفلام الوثائقية وقدمت فيلما عن ضعف العدالة في أفغانستان، والذي موضوعه فتاة تتعرض لاعتداء جنسي من قبل والدها، وهو من أفضل الأفلام الوثائقية الأفغانية.

 

أرى أن السينما الأفغانية قد بدأت تبني نفسها لكن لسوء الحظ في ليلة واحدة دمر كل هذا عندما عادت طالبان من جديد إلى السلطة في أفغانستان، فحوصرت السينما شتى أنواع الحصار، فقد صدر مؤخرا في أفغانستان قرار جديد من طالبان يقضي بأنه لا يسمح للمرأة بالمشاركة في الأفلام والمسلسلات، وفقط لديها الفرصة لقراءة الأخبار على التلفاز أو تقديم الأمور المتعلقة بالقضايا السياسية، ومع ذلك هي مجبرة على ارتداء الحجاب بطريقة كاملة كما تفرضه طالبان، فسيطروا على كل شيء وبدأوا بالتحكم بكل شيء خلال أشهر قليلات وفرضوا سلطتهم على النساء في أفغانستان، وبعد سنوات أظن أننا سنبدأ بخوض صراعات لأجل أن ننشر سينمانا.

 

هل لديك معلومات عن السينما العراقية أو السينما العربية بصورة عامة؟ هل هي سينما ناجحة وهل هنالك سينما عراقية بالفعل يمكننا الحديث عنها وتقييمها؟

لدي معلومات عن السينما العراقية وأول فيلم رأيته من السينما العراقية كان فيلم عن الحرب هو فيلم (القادسية) الذي أنتج أثناء عهد صدام حسين وعُرض في كابول عرضاً خاصاً، وفيه وجدت نوعا من الميلودراما وأرى أنه يشبه بأسلوبه الأفلام المصريه في الستينات، لكن بعد ذلك سمعنا عن بعض الأفلام الناجحة والمهمة بعد عام 2003 مثل فيلم (ابن بابل)، وأتوقع تشابه وضع السينما في كلا البلدين، وهذا مرجعه أن السينما في بلداننا متعلقة بالدعم الحكومي، وعندما يتوقف الدعم الحكومي ويعتمدون على السوق المفتوحة يتحول وضع سينمانا إلى وضع كارثي، وأستطيع تخمين كمية الصعوبة التي يواجهها صناع الأفلام في العراق للحصول على الدعم الحقيقي لصناعة أفلامهم، لكن مع وجود بعض المهرجانات السينمائية كمهرجان دهوك ومهرجان السليمانية صار الموضوع أكثر سهولة فهي تقدم نوعا من التشجيع والدعم لصناع الأفلام وخاصة الشباب وخاصة في مهرجان دهوك الذي يقدم الكثير من الدعم وخاصه للسينما الكردية وصناع السينما الشباب.

 

هل ترى نجاح السينما الكردية متعلق بطريقة سردها للمواضيع أو أنه يعود للمواضيع التي تختارها أو المعدات والأمور التقنية المتطورة التي تتوفر في صناعتها؟

السينما الكردية أكثر نجاحاً مقارنة بالمناطق الأخرى في العراق، وأرى أن هذا يعود لوجود العديد من القصص والمواضيع والمشاكل الاجتماعيه والآلام التي تتعلق بالكرد، وسرد القصص عن هذه الأمور وعن التاريخ الحديث للكرد هو ما يسلط النظر على الجانب المظلم في هذا المجتمع، وهذا ما جعل من السينما الكردية أكثر نجاحاً.

 

برماك: السينما الكردية الأكثر تطورا في العراق

 

هل هنالك اختلاف أو تشابه بين السينما الأفغانية والكردية؟ وهل يمكن المقارنة بينهما أو الحديث عن علاقة تربطهما؟

بالتأكيد هناك العديد من العلاقات التي تربط بين السينما الكردية والسينما الأفغانية، من عدة جوانب، نستطيع أن نقول هذا لأننا نتشابه بالعادات والتقاليد وأيضا نتشابه بأننا دائما نخضع لضغط المشاكل السياسية والحروب كما أننا لدينا ثقافة مشتركة وتاريخ مشترك، فضلا عن أن المشاكل الاجتماعية مشتركة بيننا كذلك، بل وحتى ان اللغات تتقارب بيننا وبين الكردية، وهناك العديد من الجوانب الأخرى التي تتشابه بها الثقافتان، لكن المسألة الأكثر أهمية هي صراعنا حتى نصبح أحرارا ونحاول أن نحصل بطريقة ديمقراطية على مجتمع أكثر انفتاحاً وكذلك للحصول على حياة أفضل، وكل هذه الأمور تجعل من التشابهات متعددة وكثيرة وخاصة فيما يتعلق بالمسائل المتعلقة بالمرأة ومشاكلها، فبالتأكيد لدينا المشاكل نفسها في مجتمعنا والمجتمع الكردي، لكن هنا أستطيع أن أرى بعض التطورات، التي جعلت الوضع أفضل مما هو عليه في أفغانستان، فعلى الأقل العراق لديه نفط وكردستان فيها نفط، ما يعني أن هنالك موارد تدخل البلد لكن في أفغانستان لازلنا لا نملك أي شيء، بل ننتظر دعم الأجانب لنا.

 

إذا أردنا أن نُخرج السينما الكردية من منطقة، كونها سينما مهرجانات إلى جعلها سينما تعرض في صالات العرض التجارية هل يمكن ذلك؟ وكيف؟

هذا يتعلق بكيفية تعامل الحكومة مع الموضوع، فإن كانت الحكومة تريد ذلك يمكنها إصدار العديد من القرارات وتغيير القوانين لخدمة السينما، وخاصة في ما يتعلق بالسينما الأجنبية التي تعرض في الإقليم، على سبيل المثال يمكن فرض الضرائب العالية على الأفلام الأجنبية في مقابل منح الإنتاج المحلي الفرصة، لأن يعرض نفسه في الداخل بدون أي ضرائب، واستغلال الضرائب الأجنبية لدعم صناعة الأفلام المحلية وصناعة مشاريع خاصة لدعم السينما المحلية، وأيضاً يمكن إدخال الموضوعات أو المناهج الدراسية إلى المدارس وتدريسها للطلاب، ولابد أن تتعلق تلك المناهج والموضوعات بكيفية تعلقهم بوصفهم الجيل الجديد بالفن بصورة عامة والمسرح والسينما على وجه الخصوص، وعلى هذا الأساس بعد 10 سنوات أو 12 سنة يصبح لدينا جيل جديد يمكنه أن يرى أهمية السينما والفن والمسرح والفنون بصورة عامة، لأنه إلى جانب أهمية صناعة السينما لابد من أن نهتم أيضا بصناعة جمهور يتلقى هذه السينما، وكيفية صناعة الجمهور تبدأ من الطفولة، كيف نعلمهم على حب السينما وعلى مشاهدة الأفلام وأهميتها.

 

وإن تحدثنا عن الأفلام نفسها فنياً كيف يمكننا تنفيذ هذا؟

يمكن تحقيق هذا في حال استطعنا أن نوازن بين السينما التجارية والسينما الفنية، فالجيل الجديد يحب أفلام الحركة، والأفلام الديناميكية، والقصص الجديدة المثيرة للاهتمام. بطريقة أو بأخرى لابد لنا من الموازنة في ما نقدمه للمشاهدين، فهم بحاجة إلى الأفلام الفلسفية، لكن في الوقت نفسه هم بحاجة لموضوع يثير اهتمامهم ويجذبهم للمتابعة، وهنا لابد لنا أن نكون حذرين في اختيار المواضيع وطريقة سرد القصة، فالسرد الجيد يؤدي إلى الحصول على أكبر عدد من المشاهدين.

 

 

كوثر جبارة: أكاديمية وناقدة وسينمائية حائزة على الدكتوراه بالنقد الأدبي

 

 

مقالات أخرى للكاتب