رأي

تركيا والنائمون في العسل

تركيا والنائمون في العسل

د. فراس مصطفى

في العام 1995 أطبق الحصار قبضته القاتلة على العراق حتى وصل الحال إلى عدم قدرة الحكومة العراقية آنذاك في توفير رغيف الخبز للمواطن مما أضعف موقف صدام ودفعه إلى التشبث بكل الوسائل المتاحة لفك الضائقة التي ألمت بالبلد نتيجة لذلك الحصار الجائر ليس حبا بالشعب العراقي إنما لديمومة الكرسي الذي لم يكن يفكر بالتفريط فيه مهما كلف الثمن ومن تلك الوسائل غض النظر عن تحركات تركيا داخل العراق وتحديدا في الشمال العراقي الذي صار محمية دولية بما يعرف (بمنطقة حظر الطيران)  مما أدى ضمنيا إلى استغلال تركيا لاتفاقية سابقة كانت قد وقعتها مع العراق عام 1983 لاستخدام قواتها العسكرية لملاحقة حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية و لمسافة عشرة كيلومترات.

 

تركيا التي وجدت في هذه الاتفاقية ضالتها في التوسع داخل الأراضي العراقية و ضم ما تستطيع ضمه من أراضي عراقية لأراضيها خصوصا وإن عينها تتجه نحو الموصل و كركوك من جهة و من جهة أخرى سوف تكون تلك الاتفاقية فرصة عظيمة لها للانتقام من الأكراد وتحجيم دورهم بغض النظر عن جنسيتهم و تواجدهم الجغرافي لأن المشكلة التركية مع الأكراد (حزب العمال الكردستاني) ليست مشكلة عسكرية إنما هي صراع قومي عميق عابر للجغرافية و الجنسيات فنصبت قواعدها العسكرية في الشمال العراقي و بدأت تتحرك بعمق مستغلة عزل تلك الأراضي بقرار أمريكي بريطاني فرنسي بعد حرب الخليج الاولى عام 1991 (منطقة حظر الطيران) وضعف صدام بسبب الحصار المفروض عليه.

 

ما عزز التوغل التركي والتمادي في التغلغل أكثر داخل العمق العراقي هو التحالف الذي تم بين حزب البارزاني و تركيا في العام 1992 ومواقف كردية أخرى (وفقا لمقال منشور في الجزيرة عام 2007 بعنوان موقف أكراد العراق من صراع حزب العمال الكردستاني وأنقرة)  و ذلك لأن اكراد العراق كانوا يرون في ذلك الاتفاق فرصة ذهبية لن تتكرر للقضاء على آمال أكراد تركيا و منعهم من التفكير بإنشاء دولة كردية مستقلة على حساب إعلان دولة كردستان العراقية و تعطيل ذلك المسعى بأي ثمن لأن الحلم الكردي في إعلان الدولة الكردية المستقلة لم يكن حلم أكراد العراق فقط إنما هو حلم كل الشعب الكردي الممتد على مساحات واسعة في ايران وتركيا واذربيجان وسوريا إضافة للعراق.

 

لقد ساعد الاحتلال الأمريكي للعراق وإسقاط صدام حسين و إنهيار الوضع الأمني لسنوات لاحقة تركيا في التمدد داخل الاراضي العراقية أكثر فأكثر ضاربة الاتفاقين اللذين أبرمتهما مع صدام و البارزاني عرض الحائط لا سيما و إن العراق بعد أن تم حل جيشه وقواته الأمنية بقرار من الحاكم العسكري الأمريكي بول بريمر و بضغط كردي شيعي أصبح ضعيفا الى الحد الذي لم يستطع فيه الدفاع عن أرواح مواطنيه داخل البلد فكيف به الوقوف في وجه بلد يمتلك ترسانة عسكرية لا يستهان بها مثل تركيا حتى وصل التمادي التركي و عدم احترام مبادئ القانون الدولي و الأعراف و المواثيق و المعاهدات الدولية التي تنظم علاقات حسن الجوار وتنظم المصالح المشتركة بين بلدين متجاورين الى التجاوز الصارخ على الحصص المائية العراقية من نهر دجلة الذي ينبع من تركيا و المتفق عليها منذ عشرات السنين فقامت ببناء عدة سدود عملاقة على نهر دجلة مسببة دمارا شاملا لملايين الدونمات الزراعية و مهددة العراق بالعطش والجفاف الدائمين. 

 

إن ما قامت به تركيا من قصف صاروخي طال المناطق السياحية الآمنة في شمال العراق و سقوط العشرات من الأبرياء بين شهيد وجريح لم يكن القصف الأول ولن يكون الأخير فمسلسل القصف و القتل مستمر منذ سنوات فقد تسببت الهجمات الصاروخية والعمليات العسكرية التركية بسقوط العديد من الأبرياء وقامت باعتداءات لا يمكن السكوت عليها بحجة مطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني وأخرها كان في شهر آب من العام 2020 حين سقط ضابطان عسكريان عراقيان رفيعا المستوى والرتب بقصف صاروخي من طائرة مسيرة بدون طيار و راحت دماؤهما سدى دون اتخاذ الحكومة العراقية إجراءَ يتناسب مع جسامة الموقف!.

 

لقد أصبح القصف التركي الأخير الذي طال المناطق السياحية في شمال العراق ولأول مرة محط إهتمام الوسائل الإعلامية العراقية و رواد السوشيال ميديا و خرج على إثره المئات من المتظاهرين إلى الشارع بحثا عن المصالح التركية لحرقها دون التمييز بين التصرف الدبلوماسي و القانوني وحتى الرد العسكري إن أقتضى الأمر لمعالجة مثل هذه الانتهاكات وبين حرق المباني, حتى إن البعض من المتظاهرين في مدينة كربلاء إتجه الى مبنى يعود لشركة عراقية تستقبل طلبات العراقيين للحصول على الفيزا التركية لحرقه متوقعين أنهم بهذه العملية سوف يردعون التصرف التركي العسكري!.

 

إن معظم العراقيين نائمون في العسل فهم لا يعرفون إن تركيا تمتلك أكبر القواعد العسكرية في منطقة بامرني قرب دهوك شمال العراق و لها قواعد و مقرات ثابتة في العمادية و ابراهيم الخليل و زاخو وغيرها ومنذ أكثر من خمسة وعشرين عام و وصل الزحف التركي إلى بعشيقة الواقعة على مرمى حجر من الموصل علما إن الغزو التركي للعراق لم يقتصر على التمدد العسكري فقط إنما شمل التمدد التجاري و الصناعي والزراعي فصار العراق سوق رائجة لكل المنتجات التركية التي تحقق المليارات سنويا لتركيا على حساب تدمير الاقتصاد العراقي و تجفيف أراضيه وقتل محاصيله الزراعية و الاستحواذ على معظم المشاريع الحكومية ومنافسة القطاع الخاص العراقي في الصناعة و الزراعة و البناء والإنشاءات والنقل والطيران حيث تسير شركات الطيران التركية عشرات الرحلات الجوية عبر مطارات العراق يوميا وذلك على حساب شركة الخطوط الجوية العراقية ناهيك عن الفائدة الأكبر و هي عائدات مرور النفط العراقي و خصوصا نفط كردستان عبر أراضيها إلى السوق العالمية.

 

إن التصرف الحكومي الخجول تجاه الممارسات التركية و التعتيم الإعلامي الذي مارسته الفضائيات المملوكة لسياسيين وأحزاب عراقية متنفذة وإتخاذ وضعية النعامة تجاه الانتهاكات التركية الصارخة طيلة السنوات الماضية لم تأتِ من فراغ إنما جاءت نتيجة لتفضيل المصالح الفردية على حساب المصلحة العامة حيث ألجمت الاستثمارات و العمولات و الأرصدة و القصور الفارهة أفواه الكثير من صناع القرار العراقي من الذين لديهم تعاملات و مصالح مالية مع الشركات التركية و بمباركة الحكومتين العراقية و التركية و الذين يعملون بكل ما أوتوا من قوة لمنع إزعاج تركيا خوفا على مصالحهم غير عابئين بمصلحة البلد و الشعب و لذلك فإن التحرك الجماهيري لا ينفع بالتوجه نحو حرق المباني العراقية التي تشغلها شركات تركية أو مكاتب سماسرة أتراك يعملون على إبرام الصفقات المليونية إنما بالاحتجاج على الجهات الحكومية التي تتقاعس عن اتخاذ دورها وأداء واجبها في الرد الحاسم على الانتهاكات التركية و ليس بالضرورة أن يكون الرد عسكريا إنما يجب أن يكون بالمقاطعة التجارية و منع الشركات التركية من العمل في العراق وإيقاف ضخ النفط عبر الأراضي التركية و إيقاف الرحلات الجوية بين العراق وتركيا وأي تصرف أخر من شأنه الضغط على الحكومة التركية و إجبارها على احترام حقوق الجوار و احترام سيادة العراق وعدم التجاوز على مياهه و اقتصاده و سيادة أراضيه و قتل شعبه الآمن بهذه الطرق البشعة.        

 

مقالات أخرى للكاتب