رأي

لماذا حانت لحظة تغيير النظام السياسي أو إعادة هيكلته؟

لماذا حانت لحظة تغيير النظام السياسي أو إعادة هيكلته؟

د. باسل حسين

بات واضحا أن العراق كدولة يمر بمرحلة استثنائية بما خلق توقعات انه بدأ ينزع نحو مستقبل مجهول المعالم وهذا يعود إلى العوامل الآتية:

 

1. كل نظام سياسي يولد وتولد معه الأدوات التي تمكنه من مواجهة التحديات والتهديدات لكن نظام 2005 لم يستطع إلا أن يكون نظام أزمة وليس نظام حل والآليات الرئيسة كالدستور والمؤسسات التي كان من المفترض ان تكون مرجعية اساسية للحل، أصبحت جزءا من نظام الأزمة.

 

2. مرت الدول التي اطيح بانظمتها الشمولية بمرحلة انتقال ديمقراطي، لكن ما يسجل على هذا النظام انه اصبح عالقا في هذه المرحلة ولم يتقدم سوى خطوات جزئية ومتعثرة نحو تعزيز الديمقراطية، بما وضعه في منطقة رمادية مابين الديكتاتورية والديمقراطية وبالتالي فإن ما كان مفترضا من مرحلة انتقالية مؤقتة من التحول الديمقراطي أصبح أمرا غير واردا، إذ اننا أمام نوع من التوطين لهذه المرحلة الانتقالية.

 

3. في وسط هذه المرحلة القلقة ولد في العراق نموذج "ديمقراطية الواجهة" التي تمارس الشكل الديمقراطي من دون مضمون ديمقراطي أو ديمقراطية بلا ديمقراطيين، مما قاد إلى نوع من الاستبدادية التنافسية أو الاستبدادية الانتخابية كأحد نتاجات ديمقراطية الواجهة.

 

4. رتب على ذلك أن شرعية الديمقراطية في انحدار وتأكل مستمر، وبالتالي ولد أزمة تمثيل حقيقي ولم يعد الصندوق الانتخابي كافيا لإثبات هذا التمثيل نظرا لعدم الثقة في نزاهته أو في البيئة السياسية التي هي مجاله الحيوي.

 

5. فشل النظام السياسي في بناء مشروعية له من خلال تجاوز الأطر القانونية والرسمية التي سجلت على الممارسات السياسية.

 

6. قام النظام السياسي على فكرة اساسية هي الديمقراطية التوافقية التي تقوم على فكرتين أساسيتين الأولى تقاسم السلطة (power sharing) الثانية الحكم الذاتي للجماعات ويقصد بتقاسم السلطة بان تشارك كل العناصر الأثنية أو الدينية في عملية صنع القرار من خلال تشكيل حكومات ائتلافية، وهذا القاسم ينزل إلى المؤسسات العامة الأخرى.

 

في حين يمنح الحكم الذاتي للجماعات حق إدارة شؤونها الداخلية ويرى منظر هذا النموذج ليبهارت أن الفيدرالية خير تعبير لهذا الحكم الذاتي.

 

7. الهدف المفترض لهذا النموذج هو الحفاظ على تماسك الدولة في مجتمع تعددي، لكن التطبيق المشوه لهذا النظام قاد البلد إلى مزيد من التفكك مما ولد شكا في نجاعة هذا النموذج في حل الإشكالات العراقية.

 

8. أثبتت التجربة العراقية أن إقحام الدين في الممارسات الديمقراطية وفي قضايا تتعلق بأشكاليات بناء الدولة هو أقحام أضر بالدين والدولة معا وأعاد سؤال الإسلام والديمقراطية ومدى التعارض بينهما، القائم على فكرة وجود تناقض متجذر بين القيم الإسلامية والديمقراطية أو كما يرى صموئيل هنتغتون في كتابه (الموجة الثالثة) بأن الإسلام والكونفوشيوسية هما من أشد التحديات الثقافية للانتشار العالمي للديمقراطية.

 

9. إن أي نظام حكم وكما يرى فيلبيب شميتر انه مجموعة من المبادئ تحدد أساليب تولي المناصب العامة وصفات الممثلين المطلوبة والمتنوعة من تولي هذه المناصب والقواعد المتبعة في صنع القرارات الملزمة من خلال عملية المأسسة، وهذا ما عجز عنه نظام 2005.

 

10. لاشك أن المأسسة والاستقرار صنوان، ومن أحد أهم أسباب عدم الاستقرار هو الفشل في بناء المؤسسات في العراق، إذ اننا أمام هياكل مؤسساتية من دون قواعد مؤسساتية رصينة مما خلق وهم بوجود مؤسسات، وفي مجتمع تعددي تساهم المأسسة في بناء المواطنة وفي خضوع الأفراد والجماعات للإرادة العامة كما أنها تساعد على بناء الدولة الحيادية بما يضمن ثقة فواعل المجتمع ويقلل من عمليات التنازع والتصارع.

 

11. هناك قناعة كبيرة لدى الفاعلين السياسين أن هذا النظام هو عبارة عن منتج سياسي political product وليس نتاج تطور عملياتي political process صاغه إرادة خارجية وبالتالي هناك رغبة لدى جميع الأطراف بتغير شكل ومضمون هذا المنتج السياسي لعدم القناعة أو لتحقيق مزيد من المكاسب النابع من احساس بعدم رصانة هذا المنتج أو قواعده وهشاشة بنيته مع عدم احترام كامن له.

 

12. دخول قوي للسلاح السياسي في دورة الحياة السياسية والاقتصادية ومحاولة الأطراف الفاعلة فيه من فرض إرادتها على المجموع كرها، وهي ما يتعارض مع ابسط قواعد الديمقراطية في أن السلاح والديمقراطية ضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان معا.

 

13. تحول الفساد من ظاهرة إلى بنية إلى مؤسسة، بل إن مؤسسة الفساد هي التي أضحت تقود البلاد فعلا في العلن وإلخفاء، وهو أحد اهم العوامل التي تهدد البلاد ومستقبل أجيال.

 

صفوة القول إن نظام 2005 قد فشل في معادلة التحدي والاستجابة مما خلق نوع من النظام السياسي الكسيح الذي زاد من أزمته طبيعة ومضمون فواعله الأساسية فضلا عن تأثير العوامل الخارجية السلبية التي شكلت ضغطا متزايدا عليه عمقت من أزمة فشله.

 

وعليه أن تغييره أو إعادة هيكلته فرض وواجب ضمن مشروع وطني يستجيب لكل التحديات والتهديدات التي تواجه الدولة والمجتمع.

 

ومن دون هذا المشروع فإن مصير البلاد والعباد ذاهب نحو خيارات. ليس أقلها التفكك والصراعات والفشل المستمر.

 

 

مقالات أخرى للكاتب