رأي

التغير الديموغرافي وأثره على المشاركة السياسية للإيزيديين بعد 2014

التغير الديموغرافي وأثره على المشاركة السياسية للإيزيديين بعد 2014

مصطفى السراي

تعد الايزيديية اقلية دينية في العراق وفق تعريف الاقليمات التي تعتمده الدولة العراقية، ومعترف بوجودها في العراق منذ الالف السنين، ويقطنون في المناطق الشمالية الغربية من العراق، تعرض الايزيديين للكثير من اعمال الاضطهاد والعنف القسري بعد سيطرة تنظيم داعش على الاراضي العراقية في 2014 الامر الذي غير كثيراَ من شكل الديموغرافية الخاصة بالايزيديين والتي قد تنعكس على مستوى ادائهم السياسي.

 

ديموغرافية الازيديين..

تعدّدت الروايات التاريخية حول تاريخ وجود دينهم، حيث يعتقد البعض أن الإيزيديين ودينهم وجدا منذ آلاف السنيين، في حين تذهب روايات أخرى إلى أنهم انبثقوا عن الديانة البابلية القديمة في بلاد ما بين النهرين، في تناقض للرواية الإسلامية وغيرها بأن الإيزيدية هي ديانة منشقة ومنحرفة عن الإسلام، في ظل وجود رأي آخر يفيد بأنها خليط من ديانات قديمة عدة مثل الزاردشتية والمانوية، أو امتداد للديانة الميثرائية، حسب الباحث والمؤرخ الإيزيدي خليل جندي، وتعود مفردة الإيزيدية إلى كلمة يزدان التي تعني عبدة الله الذين يمشون على الطريق القويم، حسب تعريف جندي، الذي يقول إن الإيزيدية من الديانات الهندوإيرانية القديمة قبل الديانة الزاردشتية، التي تعرف تاريخيا بديانات الخصب التي ترتبط فلسفتها وطقوسها بالطبيعة وباكتشاف الزراعة وبدء التحضر، مع وجود بصمات واضحة من ديانات وادي الرافدين القديمة كالسومرية والبابلية والآشورية والميتانية، ويقدر عدد الايزيديين في العالم بحوالي (1.5 مليون ايزيدي) يعيش العدد الاكبر منهم في العراق وهم ما يقارب (550 الف ايزيدي) وتحديداً في منطقة سنجار شمال العراق ومناطق سهل نينوى ن اذ يصنفون الازيديين علة انهم اقلية عرقية دينية تتحدث اللغة الكردية ويعتمدون بشكل كبير على الزراعة في مناطق تواجدهم وايضا التي تعد المكان المقدس لهم لممارسة طقوسهم الدينية الروحية نظرا لوجود (معبد الالش) الذي يعد اقدس اماكنهم الدينية بالاضافة الى بعض المزارات في المنطقة الجبلية شمال غرب العراق ن والتي يقصدوها الزوار حفاة لممارسة طقوسهم الدينية.

 

المشاركة السياسية للايزيديين..

اقر الدستور العراقي الدائم لعام 2005 في المادة (3) على ان العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب، ليؤكد ذلك في المادة (2 ثانيا) التي نصت على ضمان كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين،والايزيديين، والصائبة المندائيين، ليضمن في المادة (15) حق كل فرد في الحياة والامن والحرية بغض النظر عن عرقه او دينه او مذهبه، ليضمن في المادة (20) الحقوق السياسية، اذ نصت المادة على (للمواطنين رجالا ونساء، حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح) واستناداَ لهذه المادة فالايزيديين كغيرهم من المواطنيين لهم الحق في التمتع بالحقوق السياسية والمشاركة السياسية في النظام، لتؤكد المادة (49 اولا) على ان يتكون مجلس النواب من عدد من الاعضاء بنسبة مقعد لكل مئة الف نسمة من نفوس العراق يمثلون الشعب العراقي باكمله يتم انتخابهم بطريق الاقتراع العام السري ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه، وهذا ليضمن حق وجود ممثل عن الايزيديين داخل مجلس النواب ليعبر عن حقوقهم السياسية، و أقر مجلس النواب العراقي في آب 2012 بتأسيس ديوان "أوقاف الديانات المسيحية واليزيدية والصابئة المندائية"، ويمتلك اليزيديون مقعداً في مجلس النواب العراقي وفقاً لقانون انتخابات مجلس النواب لسنة 2020، ومقعداً في مجلس محافظة نينوى ومجلس قضاء الموصل، ويمتلك اليزيديون أيضاً نائباً في البرلمان الأوروبي.

 

التغير الديموغرافي ومشكلة المشاركة السياسية..

يحرص الايزيديين على المشاركة السياسية عن طريق الترشيح لشغل المقعد النيابي والتصويت للمرشح كي يحظى بالفوز ليكون معبر عنهم ويقتصر الايزيديين على المشاركة السياسية في هذا الجانب فقط، الا ان هذا الامر يعاني من عديد من المشاكل ولا سيما بعد العام 2014، في 3 أغسطس/ آب 2014، ارتكب "داعش" إحدى أبشع جرائمه في العراق، حين اقتحم مئات من مسلحيه بلدة سنجار، وأعدم مئات من الرجال والشباب، وخطف آلاف النساء والفتيات، بينهم أطفال ما زال أكثر من 3 آلاف منهم مجهولي المصير وغيرهم من المخطوفين الذي عذبوا وتم ممارسة اقسى انواع العنف اتجاهم وتغير دينهم ومحاولة الاسلمة، وهاجر ما يقارب 100 الف ايزيدي الى الدول الاوربية والعالم خوفاً من بطش داعش، ولا سيما أنّ أكثر من 60 في المائة من سكان سنجار يعيشون في مخيمات نزوح بإقليم كردستان، بسبب ان مدينة سنجار مدمرة بالكامل نتيجة استيلاء تنظيم داعش عليها والعمليات العسكرية التي حدثت فيها بين القوات المسلحة العراقية وتنظيم داعش ورغم فرض سيطرة القوات العراقية على المدنية وتحرريها من تنظيم داعش الا انها ما تزال مدمرة وتعاني من انعدام اوجه الحياة وهذا الامر يجبر العوائل الايزيدية البقاء في مخيمات النزوح، ولا حل يلوح في الافق من قبل الحكومة العراقية او حكومة اقليم كردستان بخصوص النازحيين الايزيديين، بالاضافة الى التهديد الامني والقلق الامني الذي تعيش فيه مدينة سنجار نظراً لتواجد عناصر (حزب العمال الكردستاني PPK) و عناصر بعض الفصائل المسلحة التي تعمل بقاء الوضع على ماهو عليه لتحقيق مصالح مادية وسياسية ووبسط منطقة نفوذ وتوسيع قاعدة شعبية في المدينة عكس القاعدة الحقيقية والاصلية للمدينة، الامر الذي يوعزه مراقبون هو بداية تغير بالديمغرافية الاجتماعية والسياسية للمدينة وبداية تغيب الوجه الحقيقية للايزيديين، فعمدت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة الاقليم الى توقيع ما يسمى (اتفاق سنجار) والذي يهدف الى اخلاء عناصر حزب العمال الكردستاني وايضا اخلاء الفصائل المسلحة واخلاء المقرات العسكرية في سنجار، ويعد الاتفاق يشكل السبيل والوحيد والحل الأكثر مثالية اليوم لإنهاء معاناة الأهالي ومعالجة غالبية المشكلات،  الا ان هذا الاتفاق لم يطبق ولم تهتم الحكومة المركزية او حكومة اقليم كردستان التي تستغل قضية ملف النازحيين الايزيديين سياسيا مع الحكومة المركزية في حل هذه القضية ومحاولة اعادة العوائل النازحة واعادة اندماج الايزيديين في المدينة وفي الاوضاع الاجتماعية والسياسية، هذا الامر الذي سيحد من فاعلية وقابلية الايزيديين على المشاركة السياسية والاندماج في الحياة السياسية لعدة اسباب:

 

  1. الثبوتات الرسمية اذ اغلب الايزيديين يعانون من انعدام الاوراق والثبوتات الرسمية التي تسمح لهم بالمشاركة السياسية سوى في الانتخاب او الترشيح، كذلك الهجرة الكبيرة لهم للخارج ومع قرار مجلس النواب العراقي والمفوضية العليا المستلقة للانتخابات في 2020 في قانون انتخابات مجلس النواب التي الغى فيها انتخابات الخارج انحرم معظم الايزيديين العراقيين في العراق في التصويت والانتخاب للممثلهم النيابي.
  2. الشعور بالتهميش والظلم بسبب تأخر حل قضية الازيديين والمعاناة التي يعيشون فيها بدأ الشعور لديهم بالتهميش والظلم الممارسة اتجاهم من قبل الحكومة العراقية وعدم الاهتمام بهم مما افقدهم الدافع والمحفز القوي للمشاركة.
  3. الاستقرار ؛ بسبب معاناة النزوح وعدم الاستقرار الجغرافي يصعب عملية المشاركة ولاسيما في ظل القانون الانتخابي الجديد الذي قسم المحافظات الى دوائر انتخابية متعددة ومنح الايزيديين مقعد على وفق نظام الكوتا في محافظة الموصل.
  4. وعلى الرغم من تشريع البرلمان العراقي قانون الناجيات، الخاص بالأيزيديات المخطوفات وأهم بنوده منحهن امتيازات مالية ومعنوية لتسهيل إعادة اندماجهن في المجتمع، من بينها راتب تقاعدي وقطعة أرض للسكن، وأولوية في التوظيف، إلى جانب استثناءات تتعلق بشروط الدراسة، عبر إعفائهن من شروط العمر والأجور الا ان القانون لم ينفذ الى الان مما يولد حالة من الضجر والقلق لديهم.

 

هذه وغيرها من المشاكل تجعل ملف المشاركة السياسية للايزيديين في وضع محرج جداَ للعملية السياسية العراقية والنظام الديمقراطي الذي يعد احتارم الاقليمات وضمان حقوقهم السياسية والاجتماعية من اهم مقومات هذا النظام، فضلاَ عن امكانية اندماج الايزيديين مع الحياة العامة والتي منها السياسية التي اصبحت صعبة نتيجة المعاناة التي يعيشونها في ظل النظام السياسي الحالي وحالة عدم الثقة التي تولدت لديهم، لذا لابد للحكومة العراقية من اقامة بعض الاجراءات لضمان حقوق الايزيديين ومنها:

 

  1. الاسراع في تنفيذ اتفاق سنجار واتخاذ القوة اتجاه ذلك لضمان الاستقرار الامني في المدينة.
  2. اعادة اعمار مدينة سنجار ممايسمح لاعادة العوائل اليها وخصوصاً اعادة اعمار الاماكن والابنية الثقافية والدينية الخاصة بالايزيديين التي دمرت بالكامل على ايدي تنظيم داعش بشكل ممنهج.
  3. ضمان حق الايزيديين الديني والعقائدي والجغرافية وايقاف محاولات التغير الديموغرافية التي تمارس اتجاههم.
  4. الحل الخلاف مابين الحكومة المركزية وحكومة الاقليم فيما يخص مدينة سنجار كي يتمكن الايزيديين من اعادة الاندماج من جديد في الحياة العامة.

 

 

مصطفى السراي: باحث في الشان السياسي