رأي

حل البرلمان بين آليات الدستور ومطلب التيار الصدري

حل البرلمان بين آليات الدستور ومطلب التيار الصدري

د. آراس حسين دارتاش

يعيش العراق بحكومته وبرلمانه، حالة غير مسبوقة في تاريخ حكوماته المتعاقبة منذ تاًسيسها في سنة ١٩٢١م ولحد الان، بل ونادراً ما نجد تجربة حكومية وسياسية اخرى على الصعيد العالمي شبيهةً بالتجربة العراقية الحالية حسب معرفتي الشخصية.

 

باختصار، فان نتائج الانتخابات العراقية التي اجريت في (١٠ اكتوبر ٢٠٢١ )، رغم تصديقها من قبل المحكمة الاتحادية العليا العراقية الموقرة، الا أن البرلمان الجديد لم يتمكن من تأدية مهامه في ترشيح رئيس لجمهورية العراقية ورئيساً لمجلس وزرائها بهدف تشكيل حكومة عراقية جديدة وفقاً لنتائج تلك الانتخابات، وذلك بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني لحضور أعضائه في اجتماعات البرلمان الحالي، المتمثل بحضور ثلثي عدد الأعضاء حسب حكم المحكمة الاتحادية، بذلك ولاجل اختيار مرشحي رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء بهدف تشكيل الحكومة الجديدة، وبالنتيجة لم يستطيع، التيار الصدري، وهو الفائز الاول في تلك الانتخابات من تشكيل حكومة الاًغلبية التي يطالب بها عن طريق تحالفه مع كتلة السيادة السنية وكتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني داخل البرلمان والذي عرف بالتحالف الثلاثي، وذلك بسبب، كما أشير، عدم اكتمال النصاب القانوني بحضور ثلثي أعضاء البرلمان قي اجتماعاته لتحقيق هذا الغرض، الامر الذي ادى الى حصول انسداد سياسي تام ومزمن بين الاحزاب السياسية المكونة للبرلمان وبالتالي دخول العراق ككل مع حكومته وبرلمانه وأحزابه السياسية في مرحلة انسداد سياسي تام ونفق مظلم بخصوص مستقبله ومصيره منذ انتخابات اكتوبر ٢٠٢١ م ولحد الان، من حيث عدم القدرة على تشكيل حكومة عراقية جديدة تستجيب لمطالب العرافيين المتزايدة، فماذا كانت خاتمة او نتيجة هدا الانسداد السياسي..؟

 

النتيجة باختصار تمخضت او تمثلت بقرار التيار الصدري بالانسحاب النهائي من العملية السياسية البرلمانية عن طريق استقالة أعضائه البالغين ٧٣ عضواً من البرلمان الحالي بشكل مفاجئ ونهائي، وتبدو ان هذه الواقعة تحصل لاًول مرة ان ينسحب حزب فائز في برلمان ويترك مقاعده البرلمانية لبدلاء خاسرين من احزاب اخرى، ومن ثم توجه التيار الصدري الى ممارسات سياسية ومعارضة شعبية خارج إطار البرلمان والحكومة، من خلال اللجوء الى الشارع وساحة الشعب ومطاليبها، وذلك من خلال ما يعرف باللجوء او القيام بالثورة الشعبية لاجل تحقيق مطالبه السياسية والشعبية ولتشكيل الحكومة القادمة خارج الاطر الدستورية المملة والمعتادة المعمول بها.

 

الخلاصة.. أصبح الان التيار الصدري يمارس المعارضة الشعبية خارج البرلمان والحكومة ويتجسد مطلبه الحالي من خلال معارضته الشعبية في (حل البرلمان الحالي واجراء انتخابات مبكرة) لإنشاء برلمان جديد ليقوم بمهام تشكيل الحكومة القادمة.

 

والسؤال هنا.. كيف يمكن حل البرلمان العراقي الحالي واجراء انتخابات مبكرة من خلال (التوفيق) بين الية الدستور ومطلب التيار الصدري بهذا الخصوص وفي ظل الظروف السياسية الغير الاعتيادية والفريدة التي يعيشها العراق الحالي.

 

الجواب...او المخرج... يتجسد فيما يلي:

أولاً- لكي تكون الاجراءات الدستورية القادمة بهذا الخصوص مقبولة وصحيحة دستورياً، تفترض بالمحكمة الاتحادية العليا الموقرة أن تقوم بإصدار حكم ولائي بخصوص تحديد كل من:

ا- تحديد الصلاحيات التنفيذية الفعلية الحالية للسيد رئيس الجمهورية الحالي باعتباره غير مرشحاً من قبل البرلمان العراقي الحالي.

ب- تحديد الصلاحيات التنفيذية الفعلية الحالية للسيد رئيس مجلس الوزراء الحالي (لحكومة تصريف الأعمال) باعتباره أيضاً غير مرشحا من قبل البرلمان العراقي الحالي.

ج- حيث لا يمكن حل البرلمان العراقي الحالي بموجب المادة ٦٤ من الدستور العراقي ان لم يكونا رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء الحاليين مرشحين من قبل البرلمان الحالي

 

ثانياً- لذا وجب اصدار حكم ولائي صريح من قبل المحكمة الاتحادية الموقرة بهذا الخصوص، ان كان هذا الاًجراء ممكناً دستورياً، و ذلك لاجل إنقاذ العراق من المأزق المميت الذي يعيشه الان، اذا كان اصدار الحكم الولائي المذكور ممكناً من قبل المحكمة الاتحادية، سنكون امام (الطرق الخمس) الآتية بخصوص حل البرلمان الحالي (من خلال التوفيق بين الية الدستور ومطلب التيار الصدري) إحداهم اصعب من الاخرى من حيث التنفيذ، وكما يلي:

 

الطريقة الاولى: تخص حل البرلمان الحالي بموجب المادة ٦٤ من الدستور ويكون وفقاً للآليتين التاليتين.

أولاً - الحل يكون اما بطلب من رئيس مجلس الوزراء مقروناً بموافقة رئيس الجمهورية والتصويت عليه بالأغلبية المطلقة من قبل أعضاء البرلمان الحالي.

لكن هذا الإجراء لايمكن ان يتحقق الا في حالتين:

ا- ان تمنح صلاحية ذلك لكل من رئيسي الجمهورية والوزراء من قبل المحكمة الاتحادية الموقرة.

ب - وان تتحقق موافقة الاًغلبية المطلقة لاعضاء البرلمان على الحل.

السؤال هنا.. هل يمكن تحقيق ذلك من قبل أعضاء البرلمان ولا سيما من قبل أعضاء تحالف الإطار التنسيقي المناوىء للتيار الصدري...!؟.

ثانياً - او الحل بطلب من قبل ثلث أعضاء البرلمان الحالي وموافقة الاًغلبية المطلقة لاعضاء البرلمان الحالي على الحل.

 

لكن السوًال هنا:

ا - هل ان البرلمان الحالي الذي يسطر عليه تحالف الإطار التنسيقي ينوي على القيام بهذا الاًجراء.

ب - وهل سيتحقق التصويت بالأغلبية المطلقة على الحل.

 

الطريقة الثانية: وهي اكثر واقعيةً ودستورياً رغم حاجتها الى اجراءات دستورية مملة وفقاً لفترات زمنية محددة ويتم ذلك من خلال مايلي:

ا- ان يقوم البرلمان الحالي بترشيح رئيس جديد للجمهورية الذي بدوره يكلف الكتلة الأكبر، وهي تتمثل بأعضاء تحالف الإطار التنسيقي في البرلمان الحالي، لاجل ترشيح رئيس وزراء جديد للقيام بتشكيل الحكومة القادمة.

ب -و من ثم يكون بالإمكان خل البرلمان الحالي وفقاً للمادة ٦٤ من الدستور حسب ما وردت تفاصيلها اعلاه في (الطريقة الاولى)، لكن هذا الحل يكون بطلب من قبل رئيس وزراء جديد مقروناً بموافقة رئيس جديد للجمهورية، ويكون، في الأغلب ياًتيان عن طريق موافقة أعضاء الإطار التنسيقي على ترشيحهما في البرلمان الحالي.

لكن السؤال هنا:

ا - ما هو الضمان ان يقوم الإطار التنسيقي بحل البرلمان بعد ترشيحه للرئيسين الجديدين وهو مسيطراً أيضاً على البرلمان والحكومة معاً.

ب - وكيف يمكن للتيار الصدري ان يوافق على هذا الاًجراء وهو لا يعترف مسبقاً ومطلقاً بالبرلمان الحالي والنظام السياسي والعملية السياسية الحالية بل ويطالب بإجراء انتخابات مبكرة وبدستور ونظام سياسي جديد...الى اخره.

 

إذاً.. يبدو انه من الصعب حل الازمة السياسية الحالية وانسدادها بموجب الطريقتين السابقتين، لذا فمن الممكن التوجه نحو حل الازمة الحالية بالطريقة الثالثة التي هي الاخرى اصعب من الطريقتين السابقتين وتتمثل بـ:

 

الطريقة الثالثة: وتتمثل بتدخل (اممي ودولي) وضامن بين الأطراف السياسية المتصارعة كافةً في العراق لحل الاًزمة والانسداد الحاليين، ويفترض ان يكون هذا التدخل وفقاً لقرار صريح صادر من قبل مجلس الاًمن الدولي بالاعتماد على مقترحات ومشورة بعثته الاممية (يونامي) التي تعمل داخل العراق.

 

والسؤال هنا... هل ان هذا التدخل الأممي ممكناً في الوقت الحاضر وفي ظل المستجدات الدولية والاقليميةً الحالية التي تختلف تماماً عن ظروف عام ٢٠٠٣م، حيث عملياً قد يكون من الصعب تحقيق هذه الطريقة لاجل حل الاًزمة العراقية في ظل العوامل والظروف العراقية والدولية والاممية الحالية.

 

على اي حال.. اصبحت الطرق الثلاث السابقة غير ممكنة التطبيق وغير قادرة على حل الاًزمة العراقية الحالية، واذا استمرت الاًزمة بقساوتها، فان العراق قد يكون ذاهباً الى الطريقة الرابعة لاجل الحل وكما تلي.

 

الطريقة الرابعة: وهي ما تعرف بقيام بـ(ثورة شعبية) شاملة قد تقودوها، علناً او خلف الكواليس، أطراف سياسية داخلية او إقليمية او دولية، تقوم الجماهير الثائرة من خلالها بمهاجمة واحتلال لكافة المووًسسات الحكومية والسياسية والادارية الحساسة في الدولة ومن ثم القيام بتغيير اركان النظام السياسي الحالي واعادة تركبيها بطريقة اخرى، وهذا ما لا يحمد عقباها في ظروف كالتي يعيشها العراق الحالي وخوفاً من دخول العراق في نفق الحرب الأهلية.

 

ختاماً.. طالما عودتنا الأحداث السياسية الحالية على التجاوز على المدد الدستورية المنصوص عليها بخصوص الاجراءات الدستورية المطلوبة لتصديق نتائج الانتخابات ولعقد اجتماعات البرلمان وتشكيل الحكومات الجديدة، إذاً فما الضير ان يتجه العراق الحالي الى الطريقة الخامسة لحل أزمته الحاليه القاتلة وإنقاذ شعبه من الضياع كالتالي:

 

الطريقة الخامسة: وهي طريقة "التنسيق الثلاثي بين المحكمة الاتحادية ويونامي والأطراف السياسية كافةً"، من اجل ايجاد حل للازمة، حيث من الممكن جداً ان تكون هذه الطريقة من اسلم الطرق وقابلة للتحقيق، ومفادها ان تقوم المحكمة الاتحادية الموقرة، باعتبارها تختص في حل النزاعات الدستورية، وقراراتها باتةً وملزمة للسلطات كافة ً، وهي مستقلة عن القضاء، ان تنظر الى ايجاد حل (دستوري وتوفيقي) يراه مناسباً لأنقاذ العراق الحالي بين (البقاء والفناء)، مثلاً، من خلال اصدار حكم ولائي بحل او تعطيل البرلمان الحالي بسبب عجزه عن القيام بمهامه في تشكيل الحكومة القادمة.

 

او الدعوة الى تشكيل حكومة طوارئ او (حكومة إنقاذ) باتفاق والتنسيق مع الأطراف السياسية كافة ً برعاية ومشورة وضمانة البعثة الاممية (يونامي) العاملة في العراق تحت إشراف مجلس الاًمن الدولي بموجب قرار المجلس المرقم ١٥٠٠ في عام ٢٠٠٣، وأولى مهامها تتجسد في، تقديم المشورة والمساعدة للحكومة والشعب العراقي في حل مشاكلهما، ودعم الحوار السياسي بين الأطراف السياسية العراقية، ودعم المصالحة الوطنية العراقية، تقديم المشورة والمساعدة في العملية الانتخابية.. الى اخره من المهام.

 

و اخيراً... ان عجزت الطرق الخمس السابقة في حل الاًزمة والانسداد السياسي والاجتماعي الحالي، فليس هناك اسهل من اللجوء الى تطبيق الحل المعروف والمتبع لحل اًزمات العراق الموروثة المتمثل بالرجوع الى مبداً (التوافقية) بين الأطراف السياسية رغم مرارتها لانه هناك امر منها

 

 

[email protected]