رأي

ماذا يجري في العراق؟

ماذا يجري في العراق؟

د. خالد المعيني

 

تنافس محلي على السلطة، أم صراع إقليمي دولي بالوكالة

لم يكن تفاقم الصراع على السلطة في العراق وليد الانتخابات الأخيرة وإنما كان تتويج لعملية سياسية هشة منذ بدايتها، حيث ولدت من رحم الاحتلال الامريكي وبشعارات فضفاضة كانت أكبر بكثير من جسد الشعب العراقي المثخن بجراح أربعة عقود من الحروب الطاحنة والحصار الإقتصادي القاسي وسنين الإحتلال.

 

زاد من ذلك إعتماد نظام المحاصصة الطائفية والإثنية كنظام حكم سياسي ساري المفعول، من إنقسامات المجتمع العراقي، حيث سعت الطبقة السياسية إلى توظيف ذلك لصالحها بعيدا عن مصالح الشعب العليا، مما خلق تدريجيا حالة من الاحتقان والغليان الشعبي، الذي عبر عن نفسه مرارا على شكل موجات من الانتفاضات الشعبية إبتداءً منذ عام 2011 كنتيجة حتمية لحجم الخراب وإنهيار الخدمات الصحية والتعليمية وجيوش الشباب العاطلة عن العمل وتضخم معدلات الفقر وتفشي المخدرات والأمية والفساد المالي والإداري ونهب الثروات الذي مارسته بإنتظام أحزاب السلطة ومافيات الفساد وأمراء الحرب، وتحول نظام الحكم تدريجيا إلى ما يشبه الإقطاعيات، وأضحت الديمقراطية والإنتخابات نكتة سمجة ومسرحية لإعادة إنتاج وتدوير ذات الواجهات السياسية.

 

أولا - ارتدادات الغزو الروسي لأوكرانيا

منذ مجيء الديمقراطيين إلى الحكم في الولايات المتحدة لم يكن العراق أصلا على قائمة أولوياتهم، الأمر الذي أطلق يد إيران في العراق، وفي الوقت الذي كان معدل الصراع الدولي الذي يعد السمة الغالبة في العلاقات الدولية يسير بسرعة هادئة نسبيا، جاء الغزو الروسي لأوكرانيا على تخوم أوربا ليشكل صدمة وليعجل من سرعة الصراع الدولي إلى الحد الذي دفع بدول واقفة على الحياد منذ نصف قرن للإسراع في الانضمام إلى حلف الناتو في لحظة تاريخية تشبه إصطفافات ما قبل عشية الحرب العالمية الثانية.

 

الحرب الأوكرانية دفعت أميركا وأوربا العجوز إلى إعادة حساباتها عسكريا وإقتصاديا، والصحوة من إجازتها الطويلة في شهر العسل، بعد أكثر من ربع قرن من تفكك الاتحاد السوفيتي، وليعود الاهتمام من جديد من قبل الدول العظمى والكبرى لإعادة فحص مناطق نفوذها التقليدية وإعاد ضبط أطراف تحالفاتها، ومن أهم هذه المناطق هي الشرق الأوسط والخليج وبالتحديد العراق المهمل كونه سيشكل خط الصد الأول الفاصل بين المحور الإيراني الروسي الصيني من جهة، والمحور الخليجي الأمريكي الغربي من جهة أخرى، وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي في زيارته للسعودية وحضور (قمة جدة "للأمن" والتنمية : لن نترك منطقة فراغ تملئها الصين وروسيا وإيران) في إشارة واضحة لا تقبل اللبس إلى العراق.

 

مما تقدم من الواضح إن طبيعة وخارطة الصراع الدولي بعد الحرب في أوكرانيا لن يكون نفسها قبل ذلك، وإن العراق قد عاد بقوة إلى دائرة الاهتمام الأمريكي والأوربي والخليجي كخط تقسيم لمحاور الصراع الدولي القادم وكونه محاذي لمصادر الطاقة، وإن لم تبرز بعد ملامح هذا الإهتمام، ومما قد يزيد الوضع الدولي خطورة ونتيجة لمبررات موضوعية أهمها عوامل الطاقة والإقتصاد والتضخم وإحتمالات الركود، هو مجي الجمهوريين لسدة الحكم في الولايات المتحدة مما قد يشهد العالم حربا، فكما هو معروف لكل رئيس امريكي جمهوري حربه.

 

ثانيا - تداعيات زيارة بايدن للمنطقة

حرص بايدن ومنذ إستلامه الادارة الأمريكية مطلع 2021، على إتخاذ مواقف بعيدة عن أسلافه في التعامل مع المملكة السعودية، وكان منها إزالة بطاريات الباتريوت المضادة للصواريخ، والتصريح بأنه لن يتعامل مع ولي العهد السعودي، كما وافق على إزالة "الحوثيين" من قوائم الإرهاب، وحظر تجهيز التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن بالسلاح.

 

شهدت نفس فترة التعالي والغرور الأمريكي في التعامل مع السعودية، شهدت تقاربا سعوديا حثيثا بإتجاه الصين وروسيا لاسيما خطوات الشراكة الاقتصادية والتجارية، تتوج الموقف السعودي بالوقوف على الحياد في قضية الحرب على أوكرانيا ثم لتأتي الصفعة الأكبر في رفضها زيادة إنتاج النفط لسد النقص الحاصل جراء الحرب في أوكرانيا.

 

باغت الغزو الروسي لأوكرانيا أوربا والولايات المتحدة لاسيما بقطع الإمدادات الروسية للغاز والطاقة إلى أوربا العجوز، مما جعلهما يعيدان النظر بتحالفاتهما القديمة مع الخليج وتحديدا السعودية التي شرعت توا بخطوات تقارب شرقا في إتجاه المحور الروسي- الصيني، هذه العودة الاضطرارية الأمريكية الأوربية جاءت لتفادي فتح جبهتين في آن واحد من جبهات حرب الطاقة وإرتفاع أسعار النفط، قد يجعل من شتاء أوربا الأشد قسوة عبر تاريخها.

 

أمام هذا الخطر إضطر إدارة الرئيس الأمريكي إلى العودة إلى الشرق الأوسط، معترفا بأنه "جاء ليصحح الأخطاء"، ومن أبرز محطات زيارته عقد إتفاقية ستراتيجية جديدة مع إسرائيل ثم زيارته إلى السعودية في قمة قادة المنطقة والتي تقدم في عنوانها شعار الأمن على التنمية وهي (قمة جدة للأمن والتنمية) وكان من أهم مخرجاتها على الأقل الظاهر منها على السطح :

 

أولا – التعهد الأمريكي بعدم السماح "مطلقا" بإمتلاك إيران للسلاح النووي، وهذا يعني إطلاق رصاصة الرحمة على المفاوضات في فيينا أو على الأقل مضي الاتفاق ولكن بشروط أمريكية وليست إيرانية.

 

ثانيا – تصريح الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن : بعدم السماح بترك فراغ في المنطقة تملئه الصين وروسيا وإيران، ولاشك إن المقصود بمنطقة الفراغ هو العراق كونه يقع كخط فاصل بين محاور الصراع الإقليمية والدولية.

 

ثالثا – تصريح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الملفت للنظر: بأنه لم يعد مسموحا بوجود "ميليشيات " في المنطقة.

 

على الأقل هذا ما ترشح من القمة وبالتأكيد ما لم يترشح من إتفاقات أمنية وترتيبات عسكرية تحت الطاولة هو الأهم. أضف إلى ذلك هذه العودة الأمريكية الإضطرارية للمنطقة وتحديدا الى المملكة السعودية تعد إقرارا بإستعادتها لمكانتها في دوائر القرار الامريكي ودورها المحوري الذي ستؤديه مستقبلا في إدارة الصراع الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط، رغم الإشارات السعودية الواضحة بعدم الإنخراط مجددا مع المخططات الأمريكية والتورط في حروب وصراعات غير محسوبة لا خاسر فيها سوى شعوب المنطقة نفسها.

 

ثالثا - طبيعة الصراع المحلي في العراق

اتخذ الصراع على السلطة في بداية الاحتلال الأمريكي غطاءا طائفيا وعنصريا ومذهبيا وبدا العراق كأنه ثلاث كتل منقسمة تتصارع على السلطة والمال والسلاح، ولكن بمجرد مرور الوقت إتضح زيف الطبقة السياسية التي كلفها الاحتلال في التخادم والتعاقب وإنكشاف حجم فسادها وفشلها في تقديم أية خدمات ورهن سيادة العراق وإستقلاله لصالح دول أجنبية على حساب مصالح الشعب العراق الأمر الذي أدى إلى إنحسار شعبيتها وفقدانها تدريجيا مشروعية حكمها رغم مسرحيات الإنتخابات الهزيلة التي تجري كل أربع سنوات، وواقعيا أصبحت هذه الطبقة معزولة وفي مواجهة الشعب بعد أن سقطت ورقة التوت عن شعاراتها الزائفة وبعد أن سقطت ورقة الطائفية التي نجحت في بداية الأمر في توظيفها لصالح بقاءها وإعادة إنتاج نفسها في السلطة.

 

تدريجيا لم يعد لهذه الأحزاب أية أرضية شعبية وفقدت رصيدها بالكامل وعبر عن ذلك بما يشبه الاستفتاءات الشعبية من خلال إنتفاضات شعبية عارمة قادها الشباب.

 

حاليا آلية نظرية الضد النوعي، باتت تعمل بقوة داخل أروقة هذه الطبقة، بحيث أصبحت الانشقاقات والتصدعات السمة الغالبة في طبيعة عمل هذه الطبقة ويعود السبب إلى التنافس والصراع على مزيد من النفوذ والبقاء في السلطة والحفاظ على المكاسب الإقتصادية الهائلة التي حققتها طيلة التسعة عشر عاما الماضية، ومن خلال سعيها للبقاء في السلطة والإستقواء على الضد النوعي تحولت بعض هذه القوى إلى وكلاء بالنيابة عن مصالح هذه الدولة الأجنبية أو تلك ممن لديها نفوذ ناعم وصلب في العراق عسكريا وسياسيا وإقتصاديا.

 

وكعرف، ليس له أي أساس في الدستور إنحصر منصب رئيس الوزراء وهو محور السلطة والسلاح في النظام البرلماني المشوه في العراق والقائم على أساس(المحاصصة التوافقية) إنحصرت رئاسة الوزراء كحصة في حيز أحزاب الإسلام السياسي الطائفي، ونتيجة تصدعات هذه الأحزاب وصراعها على مزيد من مغانم السلطة، والتي كانت لوقت قريب تبدو موحدة ومتخادمة فيما بينها، ساهم في تعميق هذا الخلاف، إشتداد الصراع الدولي والإقليمي وسعي محاوره على ملء الفراغ في العراق لصالحها نتيجة موقعه الجيوبوليتيكي الخطير وثرواته النفطية، حيث يرغب المحور (الإيراني الصيني الروسي) في إبقاء العراق ممر مفتوح جيوستراتيجيا للقوس (الإيراني – العراقي – السوري – اللبناني وصولا إلى شواطيء البحر الأبيض المتوسط) وبالنسبة للصين يمثل العراق بكافة خيارات طريق الحرير الجديد وهو مشروع القرن بالنسبة للصين، يمثل العراق فيه عقدة الوصول إلى شواطيء البحر الأبيض المتوسط.

 

من جانب آخر يرغب المحور (السعودي الأمريكي الغربي) في أن يستعيد العراق إستقلاله وقراره عن النفوذ الإيراني، وتشكيل حكومة قوية قادرة على إنهاء النفوذ الإيراني وأذرعه في العراق، ليشكل مقص يقطع نفوذ إيران والصين بإتجاه البحر الأبيض المتوسط.

 

حاليا إستكملت محاور الصراع المحلي في العراق ملامحها لتتبلور في قطبين، هما تكتل (التيار) الصدري الذي يقوده السيد مقتدى الصدر مدعوم كرديا بالسيد مسعود البرزاني ومدعوم من المناطق الغربية من خلال الحلبوسي والخنجر من جهة، وهو محور بعيد نسبيا عن التوجه الإيراني وأقرب إلى إستعادة العراق لدوره العربي وقريب من التوجهات الأمريكية بالمعنى الواسع، والمحور الثاني هو (الإطار) ويمثل القوى والفصائل القريبة من إيران.

 

كلا المحورين متعادلين من حيث القوة، فالمحور الأول لديه تيار شعبي ملاييني واسع يمتلكه الصدر حصريا في الساحة السياسية العراقية وبدون منافس، ويتصف بإنضباط عاطفي عالي، مسنود بجناح عسكري يمثله "جيش المهدي" وسرايا السلام كفصائل مسلحة. كما يمتلك محور الإطار فصائل مسلحة مدربة ومجهزة بصورة متقدمة نوعيا ومدعومة من إيران.

 

سابقا، كان قد جرى "عرفا سياسيا " في أن يكون رئيس الوزراء في العراق قابل للقسمة على الإرادتين الإيرانية والأمريكية بما يضمن مصالح كلا الطرفين، حاليا وبسبب تغير طبيعة الصراع الإقليمي والدولي فإن كلا المحورين يسعى للإستيلاء على السلطة كليا وإقصاء خصومه وإجتثاثهم من الساحة وسط حجم هائل من المخاوف والشكوك يحول دون أية تفاهمات أو حوارات.

 

المفارقة إن كلا المحورين المتصارعة لا يشكلان من حقيقة المشهد السياسي أكثر من 20 % في حين هناك الأغلبية الساحقة الصامتة والمنتفضة ضد كلا المحورين والتي مثلتها إنتفاضة تشرين وعمودها الفقري الشباب المتمرد على هذه الطبقة السياسية ويسعى إلى تغييرها، إلا إن هذه الأغلبية رغم إنها بالإمكان أن تكون المعادل والمكافيء والموازن والرقم الصعب الثالث في المعادلة السياسية الثنائية الحالية، كونها الوحيدة التي تمتلك طاقة الشارع والشباب إلا إنها طاقة معطلة كونها غير منظمة وتفتقر لمنظومة قيادة وسيطرة كما تفتقر لرؤية سياسية واضحة المعالم.

 

رابعا - مشاهد العراق المحتملة

تتداخل خطوط المصالح في العراق وتتشابك بمصفوفة معقدة يصعب معها نسج أي تصور وسط تداخل الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية وتداخل الأبعاد السياسية والإقتصادية والعسكرية، أضف إلى ذلك أدى غياب إرادة سيادية موحدة إلى بروز مراكز قرار وقوى خارج الدولة وأحيانا أقوى منها، عمق من ذلك نظام سياسي مشوه قائم على أساس المحاصصة والمغانمة وجو سياسي مشحون ومثقل بالإحتقان والشكوك مما يجعل من العراق أشبه ببرميل بارود قد ينفجر في أي لحظة نتيجة إنعدام صمامات الأمان اللازمة لتهدئة الأوضاع.

 

لا شك إن التصدعات قد بلغت أقصاها عموديا وأفقيا في بنية ومنظومة المحاصصة والفساد الهشة أصلا، وإستكملت كافة أبعادها العقائدية والمصلحية والعسكرية والسياسية، سواء في صفوف الأحزاب ذات النهج القومي في شمال العراق، أو أحزاب الإسلام السياسي في الوسط والجنوب، أما في المناطق الغربية فلا توجد أحزاب سياسية بالمعنى الحقيقي وإنما سماسرة صفقات لا يمتون بصلة لواقع نسيج هذ المناطق الفكري والسياسي.

 

جميع الاحتمالات مفتوحة في وضع العراق الشائك، من أكثرها تفاؤلا، إلى أكثرها تشاؤما وقتامة، مستقبل العراق في مهب الرياح ويشبه مركب بلا ربان أو وجهة واضحة، وسط أمواج الصراع المحلي والإقليمي والدولي المتلاطمة وفي أدناه بعض التصورات والمشاهد المحتملة:

 

المشهد الأول:

بقاء رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي المقرب من التيار، ومضاعفة الضغط الشعبي لجماهير التيار على القضاء والمحكمة الاتحادية لحل البرلمان وتعطيل مؤسسات الدولة والذهاب لإنتخابات مبكرة خلال سنة.

 

المشهد الثاني:

التوافق بوساطة خارجية على رئيس وزراء توافقي لتصريف الأعمال ترشحه قوى الإطار قريب من التيار الصدري ولايستفزهم، يهيأ لإنتخابات مبكرة

 

المشهد الثالث:

الهروب للأمام وقيام قوى الإطار منفردين بتشكيل حكومة يرأسها مرشح من قبلهم

 

المشهد الرابع:

فرض الأمر الواقع من خلال فصائل الحشد الشعبي والذهاب إلى حكومة طواريء تشكلها قوى الإطار بإعتبارها حاليا تمثل الأغلبية داخل البرلمان

 

المشهد الخامس:

تأجيج ورقة التحشيد الشعبي والزج بالعشائر ، ومع وجود السلاح خارج الدولة وفي ظل غياب مركزية وهيبة الدولة، قد يؤدي إلى إلإصطدام نتيجة أي خطأ مقصود أو غير مقصود من أحد الاطراف وربما من خلال عامل خارجي.

 

المشهد السادس:

العودة من جديد إلى نظام التوافق (المحاصصة) نتيجة تعادل كفتي أطراف الصراع (التيار والإطار) واللجوء إلى تعديل قانون الانتخابات، مع تغيير في خارطة أوزان الغنائم والمكاسب بما يرضي الأطراف المتصارعة.

 

الخلاصة: صفوة ما سبق، فإنه يمكن القول، بأن طبيعة الصراع الجاري في العراق قد يبدو لأول وهلة إنه صراع وتنافس محلي بإمتياز على السلطة وذلك صحيح بجانب كبير منه، إلا إنه لايمكن فصله بأي حال من الأحوال عن أبعاد الصراع الإقليمي والدولي الذي بات العراق منطقة ستراتيجية فيه بسبب موقعه الجيوبوليتيكي وثرواته في خارطة هذه الصراع ومن المحتمل أن يتحول هذا الصراع المحلي إلى صراع بالوكالة عن قوى إقليمية ودولية حسب مصالح ومخططات هذه الأطراف قد تعبر عن نفسها بإنتخابات مبكرة شرسة تستخدم فيها كافة الوسائل الناعمة والصلبة المتاحة لدى أطراف الصراع.

 

 

* مدير مركز دجلة للتخطيط الاستراتيجي

 

مقالات أخرى للكاتب