رأي

وصايا الدولة واعتزال الحائري.. المصير والأهداف

وصايا الدولة واعتزال الحائري.. المصير والأهداف

أحمد حسن الياسري

في نهاية يوليو 2022 بدأت متغيرات جديدة في العراق إثر اقتحام مبنى مجلس النواب من قبل أنصار مقتدى الصدر والاعتصام أمامه حتى أواخر أغسطس 2022 انتهت بصدامات مسلحة في المنطقة الخضراء وسط بغداد وقرب القصور الرئاسية في البصرة بين "سرايا السلام" الجناح العسكري للتيار الصدري ومجموعات مسلحة منضوية بتشكيلات فصائل الحشد الشعبي الموالية لحركة عصائب أهل الحق ولحزب الدعوة الإسلامية. المناوشات المسلحة أوقعت 300 شخص بين قتيل وجريح بفعل تصعيد خطير وصف من قبل الفاعلين السياسيين بالخاطف ضمن ميدان الصراع بين الأطراف الشيعية الفاعلة حول الظفر في "القيادة السياسية الشيعية"، إذ تعود بوادر هذا الصراع بين المعسكرين الشيعيين "التيار الصدري والإطار التنسيقي" إلى أواخر عام 2008 إثر انشقاق قيس الخزعلي وأكرم الكعبي واخرين من قادة الصف الأول في جيش المهدي الذي أعلن تأسيسه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في منتصف 2003 لمحاربة الامريكان وارتماء المنشقين بمعسكر نوري المالكي الذي شن في ذلك الوقت حملة عسكرية واسعة النطاق على مليشيا جيش المهدي بمساندة سياسية واضحة من هادي العامري قائد منظمة بدر والمرتبطة انذاك بالمجلس الأعلى الذي كان يتزعمه الراحل عبد العزيز الحكيم، وبدعم جوي وميداني من الجيش الأمريكي. هذان النموذجان من الشيعة أتيحت لهما فرصة التحكم في العراق بعد الانسحاب الأمريكي أواخر 2011، رغم عدم رضا اية الله السيستاني عن أدائهما السياسي والإداري، حيث صار يخرج من عباءتهما رئيس الحكومة في كل موسم انتخابي.

 

ومع مرور عام كامل على إعلان نتائج انتخابات أكتوبر 2021 لم يخرج من طاولة مفاوضاتهم الى الان رئيس الوزراء بسبب عناد من قبل الصدر لتثبيت معادلة "حكومة الأغلبية" التي يراها من استحقاق كتلته الانتخابية لحصدها أكثر مقاعد نيابية، وبهذا النسق الجديد يريد الإطاحة "بمعادلة المحاصصة الحزبية"ـ العرف السائد في تشكيل الحكومات وهذا ما يراه الإطار التنسيقي انقلاب على الشرعية ومؤامرة لضرب مصالحه السياسية والاقتصادية التي اكتسبها بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية داعش في الموصل.

 

خفايا مشروع الصدر؟

من الصعب للغاية فهم السلوك السياسي لمقتدى الصدر البالغ سن 47 والذي يتبعه جمهور غفير غالبيتهم من الشباب دون سن 50، حتى يفهم ما هو مشروعه بالحقيقة لإدارة الدولة مع سيل من القرارات والمواقف المتناقضة التي يتبناها في الحدث الواحد ـ على سبيل المثال، بين توجيه ممثلي تياره بالاستقالة من عضوية مجلس النواب وبين التحشيد والضغط على الجهات القضائية بالعدول عن قبول استقالتهم. يمثل هذا السلوك السياسي ـ ضمن ادبيات علوم الاجتماع السياسي "العمل على ارباك الخصوم لتقديم تنازلات". على اية حال، ما يفهم من بيانات الصدر الرسمية انه يتبنى ثلاث خطابات أيديولوجية (طائفية شيعية، قومية عربية، وطنية عراقية).

 

في عمق الميدان الحكومي نجد الصدر في تحالفات تشكيل الحكومات السابقة يظهر دائما في منتصف عمر الحكومة "الشريك غير المقتنع بها"ـ اما على طاولة التنافس السياسي فيظهر زعيما مقاوما ضد الغزو الأمريكي ورافضا للتدخلات الإيرانية ومعاديا للفصائل الولائية. في سياق التنافس الشيعي يظهر وريث مرجعية والده السيد محمد صادق الصدر مناهضًا لصمت مرجعية النجف إزاء سلطة الأحزاب الشيعية ورافعا لواء العروبة لمنع تفريس مدرسة النجف. على صعيد فرض القوة والمواجهة، يظهر مرتديا زي سرايا السلام وصاحب لواء يوم الموعود وإشارة من اصبعه كافية لإعادة "جيش المهدي" الى الخدمة.

 

آراء الصدر المتناقضة تعطينا رؤية ان هناك طموحات يسعى لتحقيقها ضمن مشروع استراتيجي، من بينها، الاستعداد لفرصة التدافع في تحقيق ظهوره كمرجع شيعي ثوري بعد رحيل المرجع الأعلى السيستاني الذي يناهز 92 عاما وهي فرصة مماثلة للظروف التي ظهر فيها والده بعد رحيل أبي القاسم الخوئي في تسعينيات القرن الماضي. وفي خطوة مسعفة لإصراره على تحقيق أعلاه حال تعرضه لمنافسة حادة تحيده من الوصول لرغبته، يلجأ الى إضفاء الشرعية على تسويقه كوصي معنوي على الدولة، بدلا من مرجع تقليدي شيعي وهي صفة سلوكية مقدسة لا تختلف عن وظيفة الوصاية التي يقوم بها الفقيه في إيران، بمعنى ان يكون وصيا على الدولة "بمنصب الأعلى من رئاسة الوزراء والجمهورية"، بهذا تتحول هوية الدولة من دولة ذات نظام برلماني فيدرالية ـ الى دولة ترعى بوصايا شخصية ـ متعددة القوميات والأديان والمذاهب وبممارسة انتخابية برلمانية ديمقراطية. هذا ما يراه الفاعلون من إصراره على تغيير النظام السياسي ومطالبته المتكررة في تعديل الدستور.

 

جدل الشيعة حول مشروع الوصايا

يختلف الشيعة الإثنا عشرية حول معنى المصطلح الذي يقصد ضمن السياق التقليدي الاسلامي "ولاية امر المسلمين"، وفق اجتهادات المدارس الشيعية المحدثة لأصول الدين يعتبر اية الله الخامنئي وقبله اية الله الخميني "ولياً لأمر المسلمين" وهذا ما تفنده المدارس التقليدية في النجف التي لا تؤمن بشرعية تطبيق هذا الوصف لاي شخص غير "الامام المهدي" الغائب. وفق شهادة رجل دين يدرس في مدرسة الشيرازي في كربلاء، ان المدرسة الصدرية تؤمن بولاية أمر المسلمين لشخص من غير المعصوم، كما تعتبر والد مقتدى وليا للمسلمين لكن بـ"ولاية غير مطلقة ـ أي غير عابرة للحدود ضمن جغرافيا الدولة" التي ينتمي لها، عكس ما تؤمن به المدرسة المحدثة في قم "ولاية الخميني والخامنئي مطلقة لجميع الدول الإسلامية وعابرة للحدود"، وحينها غضب الايرانيين من وصف والد مقتدى الصدر بولي امر المسلمين، معتبرين ذلك تجاوزا على شخص الولي الفقيه الذي لا يوجد منافس لمكانته الشرعية.

 

سياسيا، مشروع وصاية الصدر على الدولة ينسجم مع خصوم إيران في الداخل والخارج، بالتالي ما يطرح من سؤال، لماذا ارتمى سنّة الانبار وكرد البارزانيين في معسكر الصدر؟ بناء على مقابلات مع الفاعلين ان ارتمائهم في حضن الصدر هو وقاية من افتراس الشيعة الولائي لهويتهم الطائفية والقومية وأكثر ما يثير الفاعل السياسي السني والكردي هو تمدد فصائل الحشد الشعبي في مناطق كركوك والموصل والانبار وصلاح الدين وتحكمهم فيها بقوة السلاح ومصادرة نفوذهم التاريخية. حيث في كل حي بمدن تلك المناطق الكبرى صورا وشعارات تمجد بمشاريعهم العقائدية بولائية الفقيه في إيران.

 

خارجيا، تشعر السعودية والأردن ومصر وحلفائهم من الخليج والعرب بخسارة العراق وسوريا واليمن ولبنان بعد التمدد الإيراني لتلك البلدان العربية والتحكم فيها وما يثيرهم غضبهم هو تصنيف الاعلام الرسمي الإيراني لتلك البلدان بدول "المقاومة الإسلامية" في إشارة واضحة لتبعيتها الى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لذا مشروع الصدر كوصي على الدولة خطوة مهمة في تضييق الخناق على ايران من الداخل العراقي، البوابة الرئيسية لطهران لتحكمها في الدول العربيةـ بالتالي ان تحقق المشروع يساعد في تقويض التمدد التركي في الدول العربية والإسلامية الذي يجري عبر رفع "راية الإسلام السني". لذا يشعر المحور المصري والسعودي الأردني بتعرض القومية العربية الى النهش من قبل "الفرس والأتراك" اللذين يتبنون عناوين إسلامية طائفية هادفة لدحض قومية الدول العربية ويقسمون ادوارهم في التحكم في الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

 

واتفقت شهادة المقابلات التي اجريناها على تفاعل سعودي مع مشروع الصدر ليس فقط لأنه موجه ضد التمدد الإيراني والتركي وانما أيضا يندرج ضمن مكافحة تمدد المشروع الإسرائيلي ـ الاماراتي بعنوان "الإسلام الابراهيمي الحديث" الذي تتبناه الامارات في التنافس مع المشروعين الإيراني والتركي في الشرق الاوسط وشمال افريقيا. لا تزال السعودية رافضة لمثل هذا التحديث الإسلامي الذي يمثل ضربة لتاريخها الحاضن للإسلام التقليدي السني، بالتالي موقف الصدر الحاد في مكافحة التطبيع مع إسرائيل يعني مكافحة "مشروع الإسلام الابراهيمي" الذي يراه الصدر انحرافاً خطيراً وسلاحا عقائدياً ضامنا للتمدد الإسرائيلي.

 

وبعيداً عن الخفايا، تقرأ وسائل الاعلام السعودية مشروع الصدر اصطفافا لجانب إعادة دمج الدولة ضمن محوره العربي الاسلامي، وبينما الفاعل الايراني المحافظ يصنفه مشروعا سعوديا لمعاداة الاخوة مع الجمهورية الإسلامية، والتركي يعتبره مشروعا مناهضا لمصالحه. بهذا التدافع العميق يمارس مقتدى الصدر سلوكه السياسي المتناقض ـ الهادف.

 

الكاظمي لسان الصدر الخارجي

الجدل كثير حول العلاقة بين مقتدى الصدر ورئيس الحكومة مصطفى الكاظمي وفقا لمتابعة شهادة قادة سياسيين عراقيين، اذ أكدوا لأكثر من مرة، أن طاعة الكاظمي واضحة لأوامر الصدر. البيانات الرسمية للطرفين دائما تتضمن اشادة كل منهما بالأخر وهذه إشارة واضحة تظهر متانة العلاقة، لكن الملفت للانتباه هو وصف الكاظمي العام الماضي للصدر بزعيم "المقاومة العراقية أنفاً عن الجميع" وهذه إضفاء شرعية من الحكومة لمقاومة الصدر عامي 2004 و2005 بمشاركة جماعات سنية، وهي بحد ذاتها شهادة مناوئة ضد اية الله السيستاني المعارض لما قام به الصدر حينذاك.

 

لكن مكتسبات هذه العلاقة حققت مصلحة للطرفين، أولا لولا الصدر لما تمكن الكاظمي من الوصول الى إدارة الحكم وتحمله مقاومة فصائل الولائية والحشد الشعبي الذي وصل به الامر الى قصف منزله في الخضراء. ويشعر انه الأقرب للحصول على ولاية ثانية في إدارة الحكم بدعم مباشر مميت من قبل الصدر. وما عمل ويعمل عليه الكاظمي هو اظهار الصدر اقليميا دوليا "الرجل الاقوى في العراق" ومن عباءته تولد الأحداث وتطفى. تكوين صورة إقليمية ودولية عن الصدر لا منافس لقوته السياسية والاجتماعية والعسكرية ورجلا ثوريا ـ عربيا ـ وطنيا.

 

وفقًا لشهادات في المقابلات فان تسويق الكاظمي ساهم في تغيير وجهات نظر دولية عن الصدر، الرجل الطائفي الذي فجر مساجد السنة وقاد حربا ضدهم في عام 2006، ما دفع بدولة كمصر والأردن والسعودية وحتى فرنسا بدعم الكاظمي في إشارة الى وقوفهم الى جانب الصدر ومشروعه .

 

مشروع الإطار التنسيقي

في مراجعة لمشروعهم بقيادة المالكي والخزعلي، فهم يميلون الى استنساخ نظام الجمهورية الاسلامية. وقد اعترف المالكي بنوايا تنفيذ هذا النموذج في التسريبات الصوتية له، التي يشرح الغاية من تأسيس الحشد الشعبي ليكون بمثابة الحرس الثوري في العراق أي بمعنى آخر رديفا للجيش ودرعا حامياً لمشروع الجمهورية الإسلامية في العراق. وقد عرف المالكي في أكثر من بيان عن "الحركات الإسلامية" خاصة في تعاطيه مع ازمة الحفلات الغنائية في بغداد التي هدد القائمين عليها بمواقف ميدانية عنيفة تصدر من "الحركات الإسلامية"، والمقصود بهذه الحركات، هي "فصائل المقاومة الإسلامية" ـ المليشيات الشيعية المسلحة المنضوية في الحشد الشعبي وممثليهم في مجلس النواب من أحزاب سياسية وتيارات وجماعات. سياسيا، يفهم ان تسويق المالكي يراد منه إعطاء هذه الحركات قداسة تنافس قداسة مرجعية النجف. وتؤكد المقابلات ان المالكي من اشد المناهضين لدستور يهدف الى صناعة مشروع جديد إسلامي شيعي بنسخة إيرانية لإدارة الدولة وهذا لا يتحقق الا بهيمنة "الحركات الإسلامية" التي يقودها معنويا ً في الحكومة القادمة.

 

موقف السيستاني من المشروعين

لا يؤمن اية الله علي السيستاني بكلا المشروعين، ويستند الى منهجية المدرسة الدينية التقليدية في النجف التي بدأت منذ الف عام على يد الشيخ الطوسي ووصولا الى امانته بعد الراحل اية الله أبو القاسم الخوئي، وهذه المنهجية تتفق مع مفهوم "الدولة" القائمة على الجغرافيا وإدارة حكومية منتخبة جماهيريا متعددة الثقافات والأديان، بغض النظر عن الدين والمذهب في حين تسعى مدرسة الخميني المحدثة الى أنهاء الحدود بين المجتمعات العربية والإسلامية بقيادة ولي امر المسلمين، وبقيت مدرسة النجف منهكة في منع تحقيق هذا النموذج بان يكون الدين والمذهب والقومية حجة لتهديم الحدود وإعلان الامة بين الدول. كما أكد ذلك مسبقاً وكيل السيستاني في لبنان حامد الخفاف في مقابلة صحفية.

 

لكن هناك ميزة بين المشروعين ـ مشروع الصدر مسيطر عليه من قبل مرجعية النجف التي تحاول تقليمه كلما حاول العمل عليه، لكن مشروع الإطار المدعوم مباشرة من المرشد الإيراني ومن مراجع في قم لا يمكن ان تتصدى له. ولكن الاهم، هل يمكن لآية الله السيستاني إنهاء العنف المسلح بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، على اعتباره مرجعاً شيعيا أعلى في العراق؟

 

بناءً على ما تشير له الحسابات والمعطيات الميدانية وقراءة باحثين متخصصين في شؤون المرجعيات الدينية في النجف، ان الصدريين والإطارين من ضمنهم حزب الدعوة الاسلامية يتبعون فقهيا مدرسة اية الله كاظم الحائري المقيم في قم الموصى باتباعه من قبل المرجعيين محمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدرـ وهذه المدرسة متأثرة بقيم مدرسة اية الله الخميني الذي تبنى مشروع "الامة الإسلامية". وما يميز الحائري كمرجع تقليدي أنه لا يؤمن بقيم الدستور في العراق لان نواة الدستور قائمة على مبدأ الديمقراطية، ومن احكام الحائري في مسالة اعتناق الديمقراطية كخيار لإدارة الدولة ما بعد صدام حسين "هو التخلي عن الاخلاق"، وينشأ عن ذلك "محن وكوارث ومآسي ومصائب"، بالتالي هذا الحكم الشرعي مخالف كليا لما يؤمن به اية الله السيستاني الذي حاول بالتعاون مع الأمريكيين وحلفائهم الأطلسيين ترسيخ القيم الديمقراطية المدنية في الحياة السياسية والاجتماعية في العراق الذي عانى 100 عام تقريبا من سطوة انظمة قومية قمعية موالية الى الروس.

 

لذا فإن رؤية الحائري عن الديمقراطية في العراق انموذجاً غربياً والدستور نتاج "الشيطان الأكبر"، وهذا المعطى بكل حال يمثل طعنا مباشرا بشخص اية الله السيستاني الذي دعا للتصويت بنعم للدستور الضامن الى الديمقراطية السياسية والتعددية الفكرية والدينية والقومية، ما دفع بالحائري طوال عشرون عاما بمعاداة الدستور، بل في كل موسم انتخابي يحذر من فرصة استحواذ العلمانيين على السلطة بفعل الدستور الذي يتيح الفرصة للجميع بالمشاركة السياسية مما اضطر الى الإفتاء قبل 5 اعوام بتحريم انتخاب العلمانيين بعد جراءة مقتدى الصدر في التحالف مع الشيوعيين والعلمانيين في الانتخابات البرلمانية عام 2017.

 

لكن يبقى الهدف من اتخاذ المعسكرين المتصارعين من أية الله الحائري مرجعا تقليدياً هو غطاء شرعي للتحرك ضد خيارات آية الله السيستاني الذي رفض معارك الصدريين ضد القوات الأمريكية 2005 وعارض إدارة حزب الدعوة الإسلامية للسلطة 2010 وطالب في بيان صريح بمكافحة سلاح المليشيات الشيعية ودمجها مع القوات الامنية 2016. بالنتيجة طرفي النزاع وجدوا من عباءة الحائري المناوئة لعباءة السيستاني غطاءا لاختراق مؤسسات الدولة والتحكم فيها وادارتها بسياقات شرعية لإظهار الدولة شيعية إسلامية كما يريدها اية الله الحائري في تغلب على إرادة السيستاني في المحافظة على هوية الدولة المدنية ـ الديمقراطية.

وفي هذه الحالة فإن السيستاني لا يؤثر على معادلة الصراع الحالية لان الخصوم هم غير مقلديه ولا يستطيع ان يكون له دورا مباشرا حتى في توجيه أجهزة الدولة العسكرية والمدنية في انهاء الصراع كما يتمناه العراقيون والمجتمع الدولي. اذ ان اية الله للسيستاني لا يتدخل في فك الانسداد السياسي للأفراج عن خيار تشكيل الحكومة لان تدخله يعد مخالفة لأصل سلوك المدرسة الدينية في النجف التي تعارض التدخل في الشؤون السياسية وفي ادارة الدولة.

 

وبالتالي فضمن هذه التطورات يطرح سؤال مكمل حول مصير الصراع الجاري بعد تخلي الحائري كمرجع ديني ودعودته المتصارعين الى أتباع الخامنئي مرجعا بديلا عنه، هل أراد الحائري كبح جماح الصدريين المتمردين على طاعته؟ أم انه شعر بالفعل انه مرجع غير مطاع من قبل مقلديه واراد أن يحفظ قداسة عنوان المرجع في اعتزاله؟

 

تشير شهادة المقابلات ان النزاع بين المعسكرين في السلاح اودى الى خطورة كبيرة تكاد توقع العراق بنزاع اهلي دامي مفتوح يكون الخاسر المكون الشيعي ويمتد الصراع الى لبنان وايران وبهذه الحالة تتحمل طهران المسؤولية المباشرة عن الكوارث الناجمة لأنها المسؤولة عن رعاية الاطار التنسيقي والمليشيات الشيعية في العراق لذلك من المصلحة العليا للمشروع الإيراني هو ضمان سلامة أبناء المذهب في العراق ودول المنطقة.

 

يتطلب ذلك أن يكون هناك تدخل شرعي مباشر ولن يحصل هذا، الا بعزل الحائري الذي فشل في ضبط العنف بين الطرفين خاصة الصدريين، ويستدعي تدخلا مباشرا من قبل المرشد الأعلى خامنئي. وما كتب في بيان الحائري الذي أوصى باتباع مقلديه المرشد الخامنئي، يطرح استفسارا عن الفصائل الشيعية الولائية التي هي بالأصل مرتبطة بالمرشد وتطيع بياناته ولا حاجة لعزل الحائري ليكون سببا لاتباعه؟ لكن حسب الشهادات فإن الفصائل الولائية ومن ضمنها جماعة الاطار التنسيقي تتبع المرشد في مشروعه السياسي لحماية الامة والمذهبي في الداخل والخارج لكن لا تتبعه كمرجع تقليدي في "المسائل العملية في الحياة اليومية" لانه معروف عن الشيعة بان يكون تقليد المرجع ضمن جغرافية الدولة التي ينتمون لها، لذلك تقليده الان تم بوصاية شرعية من قبل الحائري الذي أشرنا سالفا انه لا يؤمن بجغرافيا بين الدول الإسلامية في تقليد المرجع مما اوصى شرعا مقلديه بطاعة المرشد من بعده.

 

يمكن تفسير وصيته بطاعة المرشد خامنئي دلالة واضحة على تجاهل اية الله السيستاني، وبهذه الحالة أصبح التنافس الشيعي مباشر بين السيستاني والخامنئي وهذا التطور هو الأخطر وفق الحسابات، اذ صار العديد من أعضاء الإطار التنسيقي وفاعليين سياسيين وجميع الفصائل المسلحة المرتبطة بالحشد الشعبي من الولائيين هم مقلدي الخامنئي شرعا ويلزم اتباع ما يصدر عنه من توجيهات شرعية وتطبيقها حتى في القضايا السياسية ومستقبل الدولة وهذا الفعل يمثل تجاهل لعرف الدولة ودستورها والالتزامات مع المجتمع الدولي. ما يراد فهمه ايضا بهذه الورقة البحثية ان الصراع المسلح بين الصدريين والولائيين يجري بين جماعة متمردة على طاعة الخامنئي ـ الصدريين وجماعة مطيعة للخامنئي وهنا تكمن خطورة هذا النوع من الصراع المطلق مع غياب سلطة القانون ـ حكومة ـ جيش ـ جهاز مكافحة الإرهاب ليكونوا بديلين عن اية سلطة شرعية يعول عليها.

 

 

 

باحث سياسي ـ ماجستير2 جغرافيا سياسية وعلاقات استراتيجية.

زميل في المركز الفرنسي للأبحاث حول العراق ـ باريس.

زميل في المعهد العلاقات الدولة والاستراتيجية IRIS

 

المصادر :

https://www.france24.com/ar/الشرق-الأوسط/20220830-العراق-استقالة-مقتدى-الصدر-إضراب-عن-الطعام-مواجهات-مسلحة-بغداد-المنطقة-الخضراء-الشيعة

 

https://www.i24news.tv/ar/أخبار/middle-east/1661833593-العراق-ارتفاع-القتلى-لـ20-وأكثر-من-35-جريحا-مع-استمرار-حظر-التجوال-الشامل

 

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1496465-المالكي-والصدر-تاريخ-العداء-عتبة-صولة-الفرسان

 

 

https://www.sistani.org/arabic/archive/26342/

لقاء خاص مع وكيل اية الله السيستاني في لبنان ـ حامد الخفاف

 

 

https://www.independentarabia.com/node/293126/سياسة/متابعات/الصدريون-يطالبون-بحكومة-أغلبية-وطنية-وحل-الميليشيات

 

https://www.bbc.com/arabic/middleeast-62727095 بي بي سي عن ازمة الصراع بين التيار الصدر والاطار التنسيقي

 

https://epc.ae/ar/details/brief/madha-baed-ikhfaq-albarlaman-aleiraqi-fi-aintikhab-rayiys-liljumhuria مركز الامارات للدراسات في ورقة بحثية حول ازمة اختيار رئيس الجمهورية في العراق

https://www.rudawarabia.net/arabic/middleeast/iraq/3107202212

الاطار التنسيقي يعتبر مطالب الصدر لتشكيل الحكومة انقلاب على الشرعية

 

https://www.alaraby.co.uk/politics/العراق-شروط-مسبقة-لحليفي-الصدر-على-قوى-%22الإطار-التنسيقي%22

 

10ـ https://www.france24.com/ar/الشرق-الأوسط/20220830-من-هو-مقتدى-الصدر-رجل-الدين-الشيعي-النافذ-في-المشهد-السياسي-العراقي

11ـ https://www.bbc.com/arabic/inthepress-62379084 "ما أسباب اعتصام أنصار مقتدى الصدر في بغداد وانعكاساته؟ - صحف عربية".

12ـ https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2014/12/4/مقتدى-الصدر

 

13ـ https://arabic.euronews.com/2022/08/29/muqtada-al-sadr-iraqi-shiite-leader-who-defied-iran-and-usa مقتدى الصدر... الزعيم الشيعي العراقي الذي تحدى إيران والولايات المتحدة

 

 

14ـ https://www.independentarabia.com/node/366571/سياسة/تحلیل/مقتدى-الصدر-رمز-يقود-آلاف-الأنصار

 

 

15ـ https://www.alhurra.com/iraq/2022/05/17/خطاب-ناري-للصدر-وبيان-لـ-الإطار-خفايا-السجال-الحاد-في-العراق

16ـ https://www.alhurra.com/iraq/2022/05/17/خطاب-ناري-للصدر-وبيان-لـ-الإطار-خفايا-السجال-الحاد-في-العراق

17ـ https://www.alaraby.co.uk/politics/مشروع-الصدر-لتجريم-التطبيع-مع-الاحتلال-بنود-ضمن-%22الخيانة-العظمى%22

18ـ

https://anfarabic.com/آراء-وحوارات/brhan-mshrw-alsdr-yshkl-khtraa-ly-alaqlyat-82380

19ـ

https://shafaq.com/ar/سیاسة/الصدر-يطلق-مشروعا-دينيا---عقا-ديا---خلاقيا-لمواجهة-فكار-غريبة

20ـ

https://7al.net/2022/04/06/المالكي-الصدر-الخارج/rami-l/news/

21ـ https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=767624 قيادة الدولة من قبل مقتدى الصدر

 

22ـ https://albosala.com/العراق-تسجيل-منسوب-للمالكي-يتعهد-فيه-ب/

23ـ https://www.alarabiya.net/alarabiya-today/2022/07/30/الفرق-بين-مشروع-مقتدى-الصدر-ونوري-المالكي-في-العراق

24ـ https://baghdadtoday.news/news/187082/الصدر-يعلن-عن-مشروع-جديد

25ـ https://alarab.co.uk/أول-مشاريع-مقتدى-الصدر-بعد-الفوز-بالانتخابات-إعادة-العراقيين-إلى-الله

26ـ https://mutalee.com/news/عراب-المافيات-العراقية-بريطانيا-تدعم-الصدر-ضمن-مشروع-سري-للسيطرة-على-الأحزاب-الشيعية

27ـ http://kerbalacss.uokerbala.edu.iq/wp/blog/2016/03/01/مشروع-السيد-الصدر-عناصر-قوته-ودلالاته/

 

28ـ https://www.nasnews.com/view.php?cat=18223

هكذا أجهض الصدر مخطط تشكيل قوة جوية موازية للجيش

29ـ https://www.alaraby.com/news/محاولة-اغتيال-الكاظمي-أي-تغيرات-محتملة-في-المشهد-العراقي

30ـ https://www.alhurra.com/iraq/2022/09/02/العراق-بين-تهديدات-السلاح-المنفلت-وحياد-القوات-الحكومية

31ـ https://alarab.co.uk/sites/default/files/2021-04/12042_0.pdf

32ـ https://alarab.co.uk/الإطار-التنسيقي-يستنسخ-مشروع-الأغلبية-الوطنية-للصدر-بائتلاف-إدارة-الدولة

33ـ https://www.aljazeera.net/videos/2022/8/11/الإطار-التنسيقي-في-العراق-ما-هو؟

34ـ https://yaqinnews.net/politics/365060

الإطار التنسيقي: التيار الصدري كان حجر عثرة في كثير من المشاريع

 

35ـ https://www.ina.iq/152532--.html

مشروع الاطار ؟

36ـ https://www.lebanon24.com/news/breaking-news/976339/الإطار-التنسيقي-أي-مشاريع-لتعديل-الدستور-في-العراق

37ـ https://shafaq.com/ar/سیاسة/ال-طار-التنسيقي-ل-نصاره-نتم-ال-غلبية-الوطنية-ولا-يمكن-لطرف-ن-يصادر-رادة-الجميع

38ـ https://www.nasnews.com/view.php?cat=92811

بيان اعتزال الحائري

39ـ https://www.alhurra.com/iraq/2022/08/31/اعتزال-الحائري-سيواجه-الصدريون-مأزق-التوصية-بخامنئي؟

40ـ https://www.alaraby.co.uk/politics/الأزمة-العراقية-ارتدادات-سريعة-لاعتزال-المرجع-الشيعي-الحائري

 

41ـ https://arabi21.com/story/1458732/هذا-سر-توقيت-الصدر-اعتزال-السياسة-ما-علاقة-الحائري

42ـ https://www.bbc.com/arabic/middleeast-62730659

من هو الحائري؟

43ـ https://www.bbc.com/arabic/middleeast-62730659

من هو المرجع الحائري وماهي علاقته في مقتدى الصدر؟

44ـ https://ultrairaq.ultrasawt.com/كاظم-الحائري-يعتزل-المرجعية-ويسلّم-مقلديه-إلى-خامنئي/الترا-عراق/راصد

 

45ـ http://www.fcdrs.com/polotics/1746

ماهي ازمة اعتزال الحائري؟

46ـ https://www.iasj.net/iasj/download/f00747622b3df2bb

رؤية الحائري للديمقراطية في العراق ؟

47ـ https://www.aljazeera.net/news/politics/2022/8/29/على-خلفية-استقالة-الحائري-وخلافه-مع

48ـ https://shafaq.com/ar/مقـالات/المرجعيــة-الدينيــة-الشيعيـــة-بعد-السيستاني-والخامن-ي

 

49ـ https://www.alhurra.com/iraq/2022/08/29/مخاوف-السيناريو-الأسوأ-في-العراق-سر-قرار-الحائري-والصدر

50ـ https://www.alaraby.co.uk/opinion/الحائري-وحيرة-مقتدى-الصدر

51ـ https://arabi21.com/story/1459853/العراق-الصدر-والحائري-تفكيك-العلاقة-الملتبسة

52ـ https://www.alraimedia.com/article/1557071/خارجيات/تقارير-خاصة/المرجع-الحائري-يهز-شباك-الانتخابات-والتيار-الصدري

53ـ https://al-ain.com/article/kazem-al-haeri-iraq-al-sadr

54ـ https://twitter.com/qais_alkhazali/status/1165222273420288001

الخزعلي يعلق على بيان الحائري

55ـ https://www.sotaliraq.com/2022/09/11/قراءة-تحليلية-لبيان-السيد-الحائري-واع/

56ـ https://www.independentarabia.com/node/366336/سياسة/تحلیل/هل-أشعل-الحائري-فتيل-الحرب-الشيعية-الشيعية-في-العراق؟

57ـ https://www.ida2at.com/kazem-al-haeri-irans-tool-eliminate-muqtada-al-sadr/

58ـ https://asharq.com/ar/5dqy4gu83GJf6t56UCdBiQ-كاظم-الحائري-تلميذ-الصدر-يدفع-مقتدى/

 

 

المقابلات:

 

 

1ـ جعفر علي ـ قياد سابق في مليشيا جيش المهدي في جانب الرصافة

2ـ واثق الوائلي ـ باحث سياسي

3ـ منتظر كاظم ـ صحافي وباحث

4ـ شيخ علي حسين ـ طالب حوزة في مدرسة الحائري

5ـ ز. ق ـ مسؤول في التيار الصدري

6ـ مهند محسن ـ باحث سياسي يعمل أستاذ في العلوم الاجتماع السياسي جامعي في جامعة الكوفة

7ـ ف ـ قيادي في إطار التنسيقي

8ـ أبو زين بكر ـ باحث سعودي ومراقب للشأن العراقي

9ـ مجتبى الصادق ـ صحافي إيران مقيم في طهران

 

 

مقالات أخرى للكاتب