رأي

العقل الأصولي الإيراني والمعضلة الدستورية

العقل الأصولي الإيراني والمعضلة الدستورية

علي المدن

نشر الأستاذ جواد علي كسار مقالا تحت عنوان "جبهة واحدة وثلاثة تيارات" تحدث فيه عن التيار الأصولي في الساحة السياسية الإيرانية، وأشار فيه إلى تاريخ الحياة الحزبية في إيران وبعض المشاكل التي واجهتها. وبالرغم من وفرة المعلومات التي قدمها إلا أنه لم يفرز بنحو واضح تلك التيارات الثلاثة، ولكنه وصف "التيار الأصولي"، الذي يعترف بعدم وضوح بدايات تكوينه وظهوره، بأنه المهيمن على مرافق السلطة وقوى النظام، وأن التيار المتشدد منه (وليس التقليدي أو المعتدل) بحسب ما ينقله عن تحليلات إيرانية يعتبر سبب مشكلات إيران والعلة الجذرية العميقة لما تعانيه من تراكم الأزمات والإخفاق في السياسة والاقتصاد والتنمية وإدارة الدولة والمجتمع، بل وهو السبب في توتر علاقات إيران السياسية الخارجية، كما أنه المسؤول عن انفجار أزمة الاحتجاجات السابقة والجارية والمرتقبة في الشارع الإيراني.

 

إن المقال جيد في فهم خارطة الأصولية الإيرانية (وهي "الجبهة الواحدة" التي يقصدها الكاتب. أما تياراتها الثلاثة، فهي التقليدية والمعتدلة والمتطرفة) ولكنه لا يربط تلك المعلومات بأساسها الدستوري الذي قامت عليه أو انطلقت منه.

 

من الآراء التي وردت في المقال عن الحياة الحزبية في إيران أن الكاتب يذهب إلى عدم وجود فرق في هذه الحياة بين عهدي النظام البهلوي والنظام الإسلامي، وأن التنظير للحزبية أخفق إخفاقا كبيرا في ظل نظام الجمهورية الإسلامية، وفي تقديره أن أسباب هذا الإخفاق كثيرة ومركبة؛ فمنها ما هو تاريخي، ومنها ما هو نفسي، ومنها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو فقهي. وأن من مفارقات العقل الأصولي السلفي (يقصد بذلك التيار الأصولي المتطرف) أنه يرفع شرعية الحاكم الى حد مساواته بالمعصوم، ويخلط بين عصري ظهور المعصوم وغيبته. وأنه بذلك يستحضر الفقه السلطاني القادم من أعماق التاريخ والقائم على أساس مركزية الخليفة. ولأنه يسعى إلى استعادة الحكم الإسلامي والدولة الإسلامية؛ فإنه انتهى في مرحلة أحمدي نجاد (الرئيس الإيراني الأسبق) إلى إلغاء أحد ركني نظام الجمهورية الإسلامية وهو (رأي الشعب).

 

ثم يشير المقال إلى ما كتبه مؤخرا جواد ورعي (أحد الرجال القانونيين المعروفين في إيران) وحديثه عن "حق الاعتراض" الوارد في الدستور الإيراني في مقابل العناوين الأخرى "الأمنية" التي يوظفها هذا التيار في نقد الاحتجاجات الأخيرة في إيران كالبغي والمحاربة وغيرها.

 

مواضع النقاش فيما جاء به المقال كثيرة ولكن يجدر بنا هنا التنبيه على بعضها:

 

1- إن دستور الجمهورية الإسلامية منح الحرية لتشكيل الأحزاب والجمعيات والهيئات السياسية (المادة 26) ولكنه قيدّها بالشرط الآتي: (أن لا تناقض أسس الاستقلال، والحرية، والوحدة الوطنية، والقيم الإسلامية، وأساس الجمهورية الإسلامية، كما أنه لا يمكن منع أي شخص من الاشتراك فيها، أو إجباره على الاشتراك في أحدها).

 

2- إن موضوع رفع الحاكم إلى حد مساواته بالمعصوم، والعصمة من الأركان الأساسية في المعتقد الإمامي عن الإمام، تناولها الدستور الإيراني حين أكد على أن قيادة الفقيه للدولة وولايته العامة من المبادئ الأساسية للنظام الإسلامي (المادة الثانية / 5) كما ورد في ديباجة الدستور أن "ولاية الفقيه" استمرار للإمامة، وهذا نص ما ورد في الدستور: (اعتماداً على استمرار ولاية الأمر والإمامة، يقوم الدستور بإعداد الظروف المناسبة لتحقيق قيادة الفقيه جامع الشرائط والذي يعترف به الناس باعتباره قائداً لهم (مجاري الأمور بيد العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه)، وبذلك يضمن الدستور صيانة الأجهزة المختلفة من الانحراف عن وظائفها الإسلامية الأصيلة).

 

3- أن قضية تجاوز فكرة الجمهورية الإسلامية إلى الحكم الإسلامي لتأسيس "الدولة الإسلامية" ليست من مختصات عهد أحمدي نجاد، بل هي من صميم الدستور الإيراني، إذ ورد فيه (المادة 11) : (بحكم الآية الكريمة [إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون]، يعتبر المسلمون أمة واحدة، وعلى حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية إقامة كل سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية ووحدتها، وأن تواصل سعيها من أجل تحقيق "الوحدة السياسية" والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي) [التنصيص داخل المادة الدستورية منا].

 

4- إن مسألة السياسة الخارجية تقع في صميم المهام "الرسالية" للجمهورية الإسلامية وقد نص الدستور عليها في سياق فهم الآية القرانية (إن هذه أمتكم أمة واحدة) كما تحدثت المادة الدستورية المشار إليه في النقطة السابقة، بل وورد في الديباجة (إن الدستور "يعد الظروف لاستمرارية هذه الثورة داخل البلاد وخارجها"، خصوصاً بالنسبة لتوسيع العلاقات الدولية مع سائر الحكومات الإسلامية والشعبية حيث يسعى إلى بناء الأمة الواحدة في العالم [إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون] ويعمل على "مواصلة الجهاد" لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة فـي جميع أنحاء العالم) [التنصيص منا]. وحتى الجيش له مهام عقائدية شرحتها ديباجته بالقول (لا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضاً أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والجهاد من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم)).

 

5- أن حق الاعتراض مكفول في الدستور الإيراني ليس فقط كجزء من الحريات العامة بل وك"تنظيم للمسيرات" الخالية من حمل السلاح؛ ولكنه قيده بما يأتي: (بشرط أن لا تكون مخلة بالأسس الإسلامية) (المادة 27).

 

6- إن ما تحدث به جواد ورعي لم يكن عن "حق الاعتراض" بل عما هو أكبر من ذلك وهو "العصيان المدني"، والذي طالب عدم خلط هذا العصيان بوصفه "حقا بالاعتراض" بعناوين أخرى "أمنية" تتعلق بالبغي والمحاربة.

 

بناء على ما تقدم في أعلاه يظهر أن مشكلة صعود "التيار الأصولي السلفي" كما يسميه الأستاذ كسار ليست لها علاقة بالدرجة الأولى بفشل التجربة الحزبية الأولى منذ زمن الحركة الدستورية أو تلكؤ بعض الأحزاب في عملها أو ارتباط بعضها الآخر بأجندة خارجية أو تحفّظ القواعد الشعبية على العمل الحزبي أو مناهضة بعض الفقهاء بدوافع شرعية لتأسيس الأحزاب، بل علاقتها بالدرجة الأساس هي بما أفضّل أن أسميه "المعضلة الدستورية" في الحياة السياسية الإيرانية، سواء في تجربة النظام البهلوي أو في تجربة النظام الإسلامي. وتجليات هذه المعضلة كثيرة ومتعددة، وتعديل بعضها أو إصلاحه يتطلب ثمنًا باهظا ليس من الواضح إذا كانت الحياة السياسية في إيران، نظاما وشعبا، على استعداد لدفعه؛ وذلك كما في مسألة هوية النظام "الإسلامية" التي هي ثمرة الثورة الإيرانية لعام 1979، أو مسألة قيام هذا النظام على "المذهبية الشيعية الإمامية" التي هي ركن عميق في الدولة الإيرانية موروث عن الدولة الصفوية منذ خمسة قرون. إن هذه الهوية لا تتعلق بالنظام السياسي فقط، بل بالحقوق السياسية للإيرانيين كافة والمؤسسة على مبدأ المواطنة المتكافئة، لذا فإن فتح النقاش فيها يعتبر، إذا ما حصل، أكبر تحول في تاريخ إيران السياسي على مدار القرون الخمسة المشار إليها، ولكن هذه "معضلة" حقيقية جدا؛ لأن ثمة مخاوف جدية للغاية أن يقود ذلك تضييع "مكتسبات الثورة الإسلامية" في سياق إشراك الدين في الدولة، أو إلى تفكك الدولة الإيرانية وانقسام أراضيها إلى فيدراليات متنوعة هذا إن لم تبلغ حد المطالبة بالاستقلال والانفصال (كما في الأجزاء ذات الغالبية السكانية الكردية أو البلوشية أو العربية أو غيرها).

 

ولكن إذا ما بقينا في حدود الدستور الحالي دون التفكير بالتغييرات الجذرية التي لا أحد يعلم مدى واقعيتها، فإن التيار الأصولي المتشدد لا ينطلق في مواقفه من "فراغ دستوري" كما لاحظنا في النقاط السابقة، بل إن ما يزيد الطين بلة أن الصياغات القانونية للدستور الإيراني هي من تسمح بظهور هذه التناقضات السياسية في تفسيره؛ إذ حتى هذه النقاط التي أشرنا إليها يمكن معارضتها بنصوص أخرى من داخل الدستور!!! ومثال ذلك أن الدستور وبالرغم من تطلعه إلى إقامة "وحدة سياسية" للمسلمين إلا أنه تعامل بواقعية مع موضوع "الجنسية"؛ إذ هي حق أولي للإيراني فقط ولا تمنح لغيره إلا بقانون (المادة 41 - 42) كما أنها شرط في رئيس البلاد وفي الجيش وغيره (المادة 115 / 1. المادة 145). وفي السياسة الخارجية لاحظنا حديث الدستور عن المهمة الرسالية للدولة الإيرانية في الخارج كاستمرار للثورة في الداخل، وواجب الجيش في "مواصلة الجهاد" و"بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم"، ومع ذلك فإن الدستور نفسه يعود في الفصل العاشر المخصص للسياسة الخارجية إلى الحديث عن مهمة الجمهورية الإسلامية ب (تبادل العلاقات السلمية مع الدول غير المحاربة) (المادة 152). وأوضح من ذلك ما جاء في موضع آخر حين تحدث عن أن (الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم، وفي الوقت نفسه لا تتدخل في الشؤون الداخلية للشعوب الأخرى) (المادة 154). قد تبدو هذه المادة الدستورية كنظيراتها في دساتير أخرى حول العالم لدول تعتبر "دعم ونشر الديمقراطية" من المبادئ "الرسالية" التي قام عليها نظامها السياسي، وعليه فلا يبقى فرق بين النظامين، الإيراني الإسلامي والنظام الديمقراطي، ولكن هذه المادة تحديدا هي أحدى أهم أسباب انتقاد السياسات الخارجية لتلك الدول "الديمقراطية" بوصفها "تداخلات" خارجية تزعزع أمن الدول الأخرى وتدفع باتجاه صعود بعض التيارات السياسية المتشددة فيها.

 

ما أود قوله إن "المعضلة الدستورية" في إيران لها أكثر من وجه ومجال، وإذا كان بعضها يتطلب تعديلات "جذرية" مشكوك في إمكانها، فإن الصياغات الفضفاضة للدستور هي من تساعد على تغذية المواقف المتشددة لما وصفه الأستاذ كسار ب "العقل الأصولي السلفي"، وعليه فإن هذا العقل، وهو ينتهج مواقف متشددة، لا يستعيد أدبيات "الفقه السلطاني" كما يقول الكاتب بقدر ما يستفيد من فرص التأويل الواسعة التي تتيحها له نصوص وصياغات الدستور الحالي.

مقالات أخرى للكاتب