رأي

الكارثة الكردية.. حين لا تستدعي الانتكاسات أي ردود أفعال!

الكارثة الكردية.. حين لا تستدعي الانتكاسات أي ردود أفعال!

سامان نوح

مر أسبوعان على اقرار الموازنة الثلاثية التي ضمت بحسب نواب كرد "الكثير الكثير من القيود غير المسبوقة على إقليم كردستان". قيود ثبتت في قانون يضع كل مفاتيح المحصلات المالية في "السلة الاتحادية"، ويضع الإقليم في زاوية حرجة ومعقدة في ظل لائحة متطلبات واشتراطات تضعف قوة فيدراليته التي طال أحد أهم أعمدة بنائها المتمثلة بالاستقلال الاقتصادي، هزة قوية ستؤثر على أركانه.


بعيدا عن بيانات الغضب والتحذير حينا، وبيانات النجاح حينا في تمرير "موازنة متوازنة" وتنفيذ الممكن في اتفاق تحالف قوى الدولة، كما يقول بعض النواب الكرد، يكاد لا يختلف اثنان في كردستان أن وضعا جديدا تشكل لم يعرفه الاقليم طوال 20 عاما، وأن قدرات اليوم وهامش الحركة المستقلة والمنفردة والمتحدة لم تعد كمقدرات وهوامش الأمس، وان الأيام التالية قد تكون الأصعب.


وبعيدا عن البيانات النارية للاحزاب الحاكمة والمحكومة، وكليشات الاتهام حينا والقاء المسؤوليات على الأعداء الداخلين حينا والخارجين حينا، وعبارات التخوين والتشكيك وأسئلة الشراكات والاتفاقات وما يرسمه ولا يرسمه الدستور. ترتسم في عمق الاقليم كارثة.

 

كارثة في خضم مسار واضح من الانتكاسات.. الانتكاسات التي لا تستدعي ردود فعل، منذ سقوط المادة 140 في ميدان التنفيذ حتى باتت في حكم الواقع ميتة وان ظلت بندا دستوريا، ومنذ خسارة السيطرة المطلقة على كركوك وحتى ما قبلها، ومنذ ان استيقظوا على حقيقة ان المناطق المتنازع عليها باتت في خبر كان. 


مسار من الانتكاسات السياسية الاقتصادية الادارية المتوالية.. بلا مواقف ولا استدراكات!.
فالاجتماعات الحزبية المنفردة، في ظل غياب حكومة وقيادة جامعة، تتواصل محققة انتصاراتها الميدانية، وكل يواصل حصد البيض في مملكة استثماره المالي، وطبعا العزف المتقن على موسيقى موقع الاقليم المهم والمتفرد في معادلة العراق، والتذكير بلقاءاتهم مع القادة الاقليميين وحضورهم الدائم في القمم العالمية، واستقبالات اركان المجتمع الدولي.. تلك المانشيتات التي مازالت تملأ صالات الاعلام الكردي وصالونات الاستعراض.

 

لا شيء يستدعي من القادة اي حراك او حوار أو وقوف على مواضع الخوف، ولو حتى من خلال اثارة جدية للأسئلة ومحاسبات داخلية للذات.. وهو ما يضخم دائرة اليأس التي تكاد تستحكم بالجميع الى حد الاستسلام.

 

متى سيستدعي الامر حراكا، خارج دائرة المصالح الحزبية؟.. اذا لم يكن اليوم، وانت بلا حكومة موحدة، ولا مؤسسات جامعة، وببرلمان معطل تم حله بحكم القانون، ومع مجلس قضاء منقسم، وانتخابات مؤجلة، ومفوضية انتخابية لا تعرف لها وجودا، وبغياب خطط استراتيجية وافتقاد موازنة مالية منذ سنوات.

 

متى سيستدعي الامر حراكا، خارج دائرة المصالح الحزبية؟اذا لم يكن اليوم، وانت قد فقدت للتو الجزء الاكبر من استقلالك الاقتصادي، وانت في مواجهة موجات كبرى من التحديات المصيرية، وأمام دولة تهاجم وتقصف وتتغول شمالا، واخرى تتوعد وتهدد شرقا، وحكومة اتحادية فيها اصوات تريد الغاء وجودك الدستوري.

 

متى سيستدعي سيل الانتكاسات وقوفا وحراكا.. فأنت في قلب الكارثة.. الكارثة التي قد تحمل نهايتك، وان بقيت على الورق.

 

كل ما يحيطنا يمضي ما بين "الاستغفال والاستعراض والاستعلاء والترفع" وسط وحول العجز، ربما في انتظار الضربة التالية التي تلوح للجميع، وهو ما يحيلنا الى احتمالية جدار نهاية النفق الذي دخل الاقليم فيه ما بعد العام 2014.

 

تذكير: ما فرض من قيود ووقع من انتكاسات، لم يكن بتخطيط من القادة الشيعة الكبار، ولا بفطنة نوابهم، ولا بضبط ايقاعي من الجارة ايران. ما حصل سببه الأول والثاني والثالث، وحتى العاشر، هو التصارع الكردي وتغليب المصلحة الحزبية العليا والدنيا على المصلحة العامة العليا، وتغليب رؤية الامتيازات على رؤية المؤسسات، ورفع سوق شركات الاحزاب فوق السوق الوطني الحر، وتقريب الأكثر ولاءا في الدواوين على الأصلح والأكثر حنكة ونفعا وعطاء.. وسياسة تغليب اللاحكومة واللابرلمان واللاديمقراطية واللاقانون واللاعدل، على سياسة المنظومة المؤسساتية الراسخة وأسس البناء الفيدرالي القوي القويم.
 

 

مقالات أخرى للكاتب