رأي

التجربة التونسية تغرد خارج السرب

التجربة التونسية تغرد خارج السرب

جمال الخرسان

التجربة التونسية بدت حتى الآن أكثر نضجا من التجارب العربية الأخرى التي شملها الحراك السياسي الذي حصل اثر تدحرج عربة البوعزيزي. لقد اتخذت الثورة التونسية لنفسها مسارا خاصا، وأخذت استحقاقها الكافي من الجدل والاثارة، لكنها، في كل الأحوال، بقيت في إطار معقول من الفوضى. هكذا سارت التجربة التونسية الى الأمام واستجابت لجميع استحقاقات التغيير. أجريت الانتخابات تلو الأخرى، وحينما أراد حزب النهضة فرض هويته على الدولة هب الشارع التونسي ونقابات العمال من جديد ليتم استيعاب الموقف ويتعدل المسار. ثم تم التصويت على الدستور، أما آخر استحقاقات التغيير في تونس فهو تصويت البرلمان على منح الثقة لحكومة "الحبيب الصيد".   لا بد من قراءة التجربة التونسية بهدوء، فهي تجربة ملفتة للنظر حتى هذه اللحظة. بعضهم يرجع ذلك الاستقرار الى الانسجام في النسيج الاجتماعي للشعب التونسي، وأنه لا توجد تعددية مذهبية ملحوظة هناك، وقد يبدو هذا السبب منطقيا للوهلة الأولى، لكن ألم تكن ليبيا دولة بلا مذاهب ومع ذلك انتهى بها المطاف الى الاقتتال الداخلي بين القبائل والجنرالات؟! بعضهم أيضا يعزو ذلك الاستقرار الى وجود طبقة سياسية تونسية مرنة وناضجة، إضافة الى عراقة اتحادات العمال ونشاطها الواضح. وهناك من يرى السبب أن تونس ليس لها جيران غير ليبيا المبعثرة والجزائر، وهذا ما يرفع من سقف التفاهم الداخلي للقوى التونسية بعيدا عن تدخلات الآخرين.   ما تقدم أسباب معقولة جدا تقف وراء الاستقرار الملحوظ في التجربة التونسية، لكن هناك سببا آخر لا يمكن تجاهله أبدا، وهو أن تونس لم تتصدر نشرات الأخبار إلا لفترة قليلة جدا، ودائما ما كانت بعيدة عن التركيز الإعلامي المبالغ فيه.   وبخلاف الحال في تونس، هناك بلدان لكثرة ما ورد من مدنها وشوارعها وأسماء أحزابها وتجمعاتها أصبحنا نحفظ كل شيء فيها عن ظهر قلب، لا بل حتى مفردات لهجاتها الشعبية يتم تداولها بين العامة والخاصة! وذلك لأنها أشبعت مراجعة وتغطية في وسائل الإعلام، أما تونس فالوضع فيها مختلف كثيرا. الثورة التونسية حرمت من التغطية الإعلامية منذ أيامها الأولى إلا ما يجود به الفيسبوك واليوتيوب، وبعد السماح لوسائل الإعلام بتغطية الاحتجاجات بيوم واحد انتهى المطاف بزين العابدين بن علي إلى مدينة جدة، وفيما كان التونسيون وغيرهم على وشك استيعاب التحول الجديد الحاصل دخلت الثورة المصرية على الخط فسحبت إليها جميع وسائل الإعلام، وهكذا تفاعلت الثورات في بلدان أخرى حتى غابت تونس تماما عن المشهد الاعلامي! وهذا ربما من حسن حظ التونسيين ان تجربتهم بقيت بعيدة عن أضواء الإعلام الخليجي المحرّض في غالب الأحيان، رغم أن البوعزيزي دفع عجلة التغيير من هناك.  

مقالات أخرى للكاتب