رأي

ستة عقود على حلف بغداد

ستة عقود على حلف بغداد

جمال الخرسان

كان المعسكر الغربي بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة يبحث عن جبهة في الشرق الأوسط تضم اضافة للبلدان العربية ايران وتركيا وباكستان، وبعد محاولات كثيرة نجحت بريطانيا وبتشجيع أمريكي في تشكيل حلف بغداد الذي لم يلد إلا بجهود استثنائية قام بها السياسي الأبرز في تاريخ العراق نوري السعيد، إذ انه كان عراب ذلك الاتفاق. الحلف تشكل على أساس الاتفاق العراقي التركي الاستراتيجي المعلن رسميا من بغداد في 24 شباط 1955 لأنه كان بمثابة النواة الحقيقية واللبنة الأولى لحلف بغداد الذي انضمت اليه بعد ذلك رسميا كل من بريطانيا، ايران، باكستان وأراد ان ينضم له آخرون.   أهمية الحلف تكمن - ليس في وقوفه ضد او مع معسكر بعينه - في تشكيل تحالف دولي يربط، مفصليا، العلاقات الدولية بين منطقة الشرق الأوسط وما حولها من جهة، والغرب من جهة أخرى، بعيدا عن معادلة الصراع العربي الاسرائيلي التي طغت على معظم التكتلات في تلك الفترة.   مما يثار سلبيا حول ذلك الحلف أنه لم يكن بين أطراف متساوية التأثير بحكم اختلاف حجم المشاركين فيه، وهذه النظرة مبدئيا قد تكون منطقية، لكنها تسري على جميع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية بين الكبار والصغار، فهل تنتفي الحاجة مثلا الى جميع التكتلات الدولية التي تضم بلدانا من أحجام مختلفة؟! ناهيك عن امكانية اللعب على تناقضات الكبار في فترة تشكيل الحلف.   انسحاب العراق من الحلف كان واحدة من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها عبد الكريم قاسم، ورغم ان الانسحاب جاء وفقا لمبدأ منطقي في العلاقات الدولية وهو الوقوف على الحياد بين قطبين كبيرين، فإن تلك الخطوة كلفت العراق كثيرا لأنها جاءت في زمن لا يتحمل الحياد في منطقة مثل الشرق الأوسط، إذ الحياد فيها يعني خسارة الطرفين. ولهذا فان الحياد لم يجنب العراق انقلاب 1963، كما ان الحياد لم يجنب العرب خسائر كبيرة في حروبهم مع اسرائيل، كما ان الاتحاد السوفيتي لم يقدم للعرب أكثر مما قدمه الغرب.. ذلك الحليف الاستراتيجي لإسرائيل!   الملفت ان العرب يعتبون كثيرا على القوى الغربية العظمى بأنها تخلّت عنهم، لكنهم في أصعب ظروفهم لم يستجيبوا لأصوات الغرب في تشكيل جبهة على شاكلة حلف بغداد طالما نادت لها أوربا وأمريكا في تلك الفترة! لقد بقيت تركيا على تواصل متوازن مع الآخرين وحصلت على مساعدات عسكرية فوصلت الى ما وصلت اليه دون الحاجة للنفط، ورغم أنها عضو في حلف الناتو فانها لم تخسر الاتحاد السوفيتي تماما.   ربما لو بقي العراق في حلف بغداد لم ندفع ضريبة معركة خاسرة في الصراع العربي الاسرائيلي، وكذلك لم نفقد نصف شط العرب، كما قال في حينها نوري السعيد الى الوفد المصري الذي حاول اقناع العراق بعدم الانضمام للحلف: (ان العراق حريص على استقلاله غير انه في حاجة الى صداقة تركيا خوفا على الموصل ونفطها، وعلى صداقة إيران كذلك اتقاء لمطامعها في بعض المناطق على الحدود بين البلدين)، وربما أيضا لم تتح الفرصة لمجيء الحقبة البعثية المدمرة لماضي وحاضر ومستقبل العراق!   لطالما عارض عبد الناصر تحركات العراق السياسية وأراده دائما رهنا لوجهات نظره. عبد الناصر كان خصما لنوري السعيد في حلف بغداد منذ الارهاصات الأولى لتشكيل الحلف، وقاد حراكا سياسيا بالتنسيق مع السعودية لاتخاذ موقف من العراق. الملفت ان عبد الناصر ذاته أصبح بعد ذلك خصما لخصوم نوري السعيد وأولهم عبد الكريم قاسم الذي قرر الانسحاب من الحلف في 24/3/1959. كانت سياسة عبد الناصر مندفعة وغير مدروسة، فهو ينفتح على المعسكر الشيوعي هنا وهناك بطريقة مستفزة لأمريكا والغرب، وفي نفس الوقت يريد منهم المساعدة ويريد من الآخرين ان يكونوا كذلك!   انتهت قصة العراق مع الحلف منذ 56 عاما، كما ان الحلف قد حلّ أساسا بعد سقوط الشاه. ومن اجل الاستفادة من أخطاء الماضي، ومن اجل ان لا نكتفي بالبكاء على اللبن المسكوب لابد من اعادة النظر او حتى العمل على تشكيل تكتل اقليمي ودولي بعيدا عن لعبة الممانعة والاعتدال او الارث العدائي بين العرب والفرس!   ذلك الواقع يدفع بالعراق الى تشكيل محور ثالث يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة العراقية التي تختلف بعض الشيء عن كلا المحورين ويرتكز على الخطاب المرن المتوازن، خطوة وان كانت صعبة الى حد ما في ظل الارباك الذي تعاني منه الدولة العراقية إلا أنها لو تحققت فستشكل للعراق والمنطقة محورا أكثر توازنا من المحاور الموجودة.  

مقالات أخرى للكاتب