رأي

بسبب الأنظمة التعليمية الهشة، ومستوى الوعي المتدني جدا عند أصحاب القرار، والحرمان وبعض التقاليد الاجتماعية التي تكبل الطموح، نفقد طاقات شبابية هائلة، حينما تنساق مع أهواء ورغبات غير منضبطة وتسلك سلوكا إجراميا، إما في الجريمة المنظمة أو تنخرط في المنظمات الإرهابية، ويتلخص عملها في سفك الدماء. هكذا يجد بعض الباحثين في علم الاجتماع مبررا لهذا السلوك العدواني الكبير الذي تمارسه بعض الشرائح الاجتماعية. لكن إن كان الحرمان وغياب التعليم المطلوب سببا كافيا لذلك فما المبرر مثلا لمن عاش الرفاهية والرخاء، ولو بحدوده الدنيا، ومن وجد نفسه يتعلم في أكثر البلدان تقدما على مستوى التعليم؟! ورغم ذلك يتحول بين ليلة وضحاها الى مجرم من الطراز الرفيع!   أسترجع تلك التساؤلات بين الحين والآخر وعلى ذات المنوال حينما كنت خارجا في يوم شتوي، فشاهدت مجموعة من أطفال الروضة يسيرون برفقة مربياتهم الى حيث لا أعلم، وحرصا على التقاط بعض التفاصيل التي تبدو لي مهمة حرصت ان أسير خلف هذه المجموعة من أطفال الروضة الذين يسيرون برفقة اثنين من المربيات، الأولى تمسك بطفلين في الأمام والثانية تمسك بطفلين في الخلف، وما بينهما بقية الأطفال يسيرون بخط مستقيم ويمسك كل منهم الآخر، سرت خلفهم لمسافة أكثر من كيلومترين، بقوا على تلك الحالة، حتى وان اضطروا للتوقف لأي سبب، ثم فارقتهم قبل ان يكملوا مسيرهم، وقارنت بين هذه الصورة ورحلة أخرى شاهدتها لأطفال من المهاجرين في فنلندا أيضا ممن ولدوا في هذا البلد وحصلوا على ذات الحقوق التي حصل عليها نظيرهم الفنلندي وتعلموا بذات الحضانات والروضات التي تعلم بها نظراؤهم، لكن ورغم جميع ما تقدم فقد كانت الصورة مختلفة تماما عن هذا المشهد! بين الرحلتين مسافات كبيرة من تراكم الوعي الذي يتسرب الى الأطفال في طيات تفاصيل قد تبدو تافهة. تلك التفاصيل اليومية البسيطة التي يتلقفها الأطفال من محيطهم في البيت او مراكز التعليم كفيلة من وجهة نظر شخصية بالإجابة عن التساؤلات المثارة هذه الأيام بقوة حول العديد من الجرائم الإرهابية التي ارتكبت في أوروبا من قبل أشخاص ينحدرون من أصول شرقية، او حتى عن موجة الهجرة الجهادية من الغرب الى بلدان القتال ضد داعش.  

مقالات أخرى للكاتب