رأي

نحن نتحمل جزءا من المسؤولية

نحن نتحمل جزءا من المسؤولية

جمال الخرسان

لا يشك اثنان بان أكثر البلدان العربية اهتماما بالتعليم هي تونس، تلك الدولة المغاربية ومنذ الخمسينات من القرن الماضي حينما تسلّم دفة الحكم فيها الحبيب بو رقيبة تضع التعليم في سلّم أولوياتها. الشعب التونسي الذي يعتمد السياحة موردا اقتصاديا أساسيا، حيث يزور تونس سنويا قرابة السبعة ملايين سائح، منفتح على شعوب العالم ولا يعيش عزلة جغرافية او ثقافية على الاطلاق.   لكن الزخم التعليمي والتراكم التوعوي لم يمنع ان تصدّر تونس لحركات الإرهاب أكثر النماذج تطرّفا. عشرات الشباب التونسي ترك سواحل تونس الخضراء وطوّق نفسه بحزمة من المقدسات دفعته ليطوّق نفسه بأحزمة ناسفة تستهدف المدنيين في الأسواق العراقية. لا ينكر أحد تأثير حركات الاسلام السياسي والتطرف في أذهان بعض التونسيين، وخصوصا مع الزخم الطائفي البغيض الذي يغذي التطرف ويشعل الاحتقان، لكن ذلك الاحتقان ربما ليس مبررا حينما يقارن بمستوى التعليم الجيد والواسع الانتشار في تونس.   قبل أيام زرت تونس، وحرصت على متابعة الإعلام التونسي، والنخبة التونسية والشارع التونسي. لقد سمعت وقرأت في خطاب النخبة التونسية وجماعات الضغط هناك وضوحا كبيرا في تشخيص المشهد فيما يتعلق بموجات الإرهاب التي عصفت بالمنطقة أخيرا، بل أكثر من ذلك ترفع النخب التونسية صوتها عاليا وبجرأة كبيرة بوجه البلدان التي تستثمر في الإرهاب، وخصوصا بلدان المشرق العربي. إنهم يسمّون الأمور بمسمّياتها الحقيقية وعبر وسائل الإعلام. يعرفون تفاصيل دقيقة عن مسارات الإرهابيين ومفاقسهم في شمال إفريقيا حينما يجري إعدادهم هناك وإرسالهم الى العراق او سوريا، إنهم في هذا الجانب يتحدثون بوضوح وجرأة أكثر بكثير مما نتحدث بها نحن وهذه من المعطيات الإيجابية جدا.   لكن هذا الصوت النخبوي المرتفع غير قادر على تغيير قناعات الشارع الذي يبدو متأثرا الى حد ما بماكنات الإعلام الخليجي التي تفوح منها رائحة الطائفية. لا يخفيك كثيرون هناك إعجابهم بنموذج صدام حسين، واعتزازهم بكل النماذج المتطرفة المعروفة، مثل الظواهري، وبن لادن، وآخرين فقط لأنهم يدافعون عن هيبة "السنة" وفقا لقناعات شريحة لا بأس بها في الشارع التونسي.   الأمور في بلد مثل تونس تسير بهذا الاتجاه، فما بالك بأوضاع البلدان الأخرى! تلك المعطيات السلبية التي عايشتها عن قرب في تونس نتحمل، نحن، جزءا كبيرا في اتساع رقعتها، إذ لا نمتلك وسائل إعلامية استطاعت التأثير في المواطن التونسي، او على الأقل وازنت الكفة مع وسائل الإعلام الأخرى التي تسعى لدفع المواطن العربي بشكل عام ليلقي نفسه بأحضان الإرهاب. سفاراتنا في تونس وبقية البلدان العربية لا تجيد إلا إقامة الولائم في بعض المناسبات الوطنية، ولم تقم بأي دور او نشاط إعلامي او ثقافي وفني يسهم في توضيح الصورة قدر المستطاع. سوء أدائنا زاد الطين بلة وعرّضنا لمزيد من الاستهدافات. ترى كم من الخروقات الأمنية والعمليات الانتحارية كان بالإمكان وأدها قبل ان تصل الى العراق بعيدا عن المعالجات الأمنية؟!  

مقالات أخرى للكاتب