التدين والتقونن

  الشرق متدين والغرب متقونن، هذا ما تيقنته  صباح اليوم، وانا أتجاذب أطراف الحديث مع…

 

الشرق متدين والغرب متقونن، هذا ما تيقنته  صباح اليوم، وانا أتجاذب أطراف الحديث مع استاذي الألماني في التنمية البشرية السيد ( إيكڤيرت ).

ولأنه يعرف انني لا انام ليلتي الا على كتاب، وهويعرف مرض عيني، وضرر القرأة والكتابة الطويلة عليهما، فقد بادرني بسؤال صباحي قائلاً: ماذا قرأت امس؟ قلت له منذ ثلاث ليالي وانا أنا أقرأ (Mein Kampf) أي: كتاب (كفاحي) لأدلوف هتلر!!

 

جفل قليلاً، وكانه تفاجأ بشيئين: صراحتي ومباشرتي من جهة، وكون الكتاب قديم ومقروء، وانا صاحبه الذي عوده على كل جديد.

 

كنت انظر اليه وهو يتحفظ بصمت على قرآتي للكتاب، وذكري لاسم مؤلفه في مكتب رسمي، وقد تحولت ملامح وجهه الى ما يشبه وجه تقي مسلم ورع، يستمع الى غيبة، اوبهتان، اوكذب، فينقبض وجهه ليعبر عن رفضه للمنكر بأضعف الإيمان.

 

والالمان بشكل عام، حساسون جداً من موضوع النازية، وزعيمها ادلوف هتلر: فكراً، وتاريخاً، وقانوناً.

 

أما فكراً فانهم شعب حي، تطورت افكارهم كثيراً، بالاتجاه المعاكس للفكر النازي، في الحياة الديمقراطية، والعلاقات الدولية، وتطوير الوطنية الالمانية خارج حدود العصاب الوطني الذي كانت عليه النازية.

 

والالمان اليوم يفتحون حدودهم للاجانب، ويوفرون رعاية منقطعة النظير للمعوقين، وشقراواتهم يتزوجن الزنوج، وينجبن من العرب، ويمنحون اليهود الجنسية والإقامة أسرع من غيرهم، ويمدون جسور الصداقة والتعاون للدول التي عانت من حروبهم، وكانت مسرحاً للحرب التي قادت اليها نظرية هتلر التوسعية (Lebens platz) أي: المجال الحيوي، وهي دول: النمسا والچيك، وسلوفاكيا، وبولندا، وروسيا، والاسكندنافية، وبلجيكا، وهولندا، وفرنسا.

 

القانون الألماني يحضر النازية، فكراً، وسياسة، ويمنع استخدام الرموز النازية مثل الصليب المعقوف وغيره، ويتحسس الالمان حتى من التحية العسكرية المميزة لزعيم النازية.

 

وفي الحقيقية ان مراجعتي لكتاب (كفاحي) هي ضمن برنامج احاول فيه مراجعة تطور ذائقتي الفكرية، مع تطور التجربة وتقدم العمر. وفعلا وجدت انني أعيد قرأة الكتب في اربعينيتي، بعقل ووعي وذائقة مختلفة. وقد جربت ذلك في مراجعة كتب كثيرة، فلم أعد اقرأ كتاب (تلبيس ابليس) لابن الجوزي بالبراءة التي قراته بها في الثامنة عشر من عمري! ولم تعد رواية (الفضيلة عند بول وفرجيني) للمنفلوطي تهزني كما هزتني في السادسة عشر من عمري، ولاحتى (الام) لغورغي التي ثورتني، ولا حتى (مكارم الأخلاق) بذات التعبدية السلفية! وكذلك كانت مراجعتي لهذا الكتاب.

 

لكن صاحبي السيد ايكڤيرت، المهندس المعماري، والمحاضر التنموي، والموسيقي، والممثل المسرحي المتعدد المواهب، والذي ياتي للدوام على دراجة نارية، شخصية متقوننة جداً، كما نحاول نحن ان نكون متدينين جداً، فنفشل في الغالب وينجحون!

اقولُ هذا فيما يتعلق بتدين الشريعة، وما يتعلق به من أحكام ومعاملات، وليس بالتدين الروحي، والتجربة الدينية الخاصة.

 

ذلك لان صاحي المولود من أب ملحد، وأم بروتستانتية، ورث الإلحاد من ابيه، ولم يرث الإيمان من أمه، لكنه يقول: لا اتذكر انني خالفت القانون الألماني في حياتي منذ وعيت على معنى كلمة (قانون).

 

لكنني تماديت معه، مصراً على اختبار وجهات نظره في افكار كفاحي فقلت له: وجدت لدى هتلر مع كم الافكار العنصرية والراديكالية الغثة، ثلاثة افكار صحيحة هي:

 

أولاً/ نقده لما اسماه باقتصاد (الحليب والبيرة) الذي يخدع الالمان بتحقيق منجزات اقتصادية قريبة، ويفرط في التخطيط لمنجزات طويلة الامد.

 

ثانياً/ تشخيصه ان اليهود يعملون كعنصر وجنس وأمة وليس كدين، وهوما اكده  بلفور لاحقاً في وعده (بالوطن القومي!! لليهود).

 

ثالثاً/ محاربته للأباحية والتحلل الخلقي وان كان من مدخل أضعاف القدرة والاستعداد القتالي للجيش والشعب الألماني.

 

لكن ماذا تنفع هذه الافكار، وهي تضيع بين مجموعة من العنصريات الهتلرية، كما تضيع الابرة الصغيرة في تل كبير من القش!

 

لكن السيد ايكڤيرت يستمع ولا يتكلم! إنه مثال للانسان الغربي المتقونن جداً.

 

تركته لصمته، ولفني الصمت مثله، وانا أقف خلف نافذة المكتب العريضة، أتأمل بياض الثلج الناصع، الذي غطى حقول الشوڤان الواسعة التي يطل عليها المبنى، ولا أفكر الا بشئ واحد هو:

 

الفروق الجوهرية العميقة، التي دمرت شعوب التدين، وعمرت شعوب التقونن.

 

إقرأ أيضا