القصة الكاملة لصراع PKK و”داعش”.. من سوريا للعراق (1-2)

  تمهيد   تحتل القضية الكردية مساحة كبيرة في الشرق الاوسط، منذ عقود، لكنها برزت…

 

تمهيد

 

تحتل القضية الكردية مساحة كبيرة في الشرق الاوسط، منذ عقود، لكنها برزت بشكل قوي بعد سقوط الموصل “10 حزيران 2014” وظهور تهديد ما يسمى بتنظيم الدولة الاسلامية المعروف باسم “داعش” لاقليم كردستان بعدما سيطر على مناطق محاذية لكردستان العراق، ما دفع مسؤولي الإقليم لمطالبة الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية وغيرها، بدعم قواتها المسلحة “البيشمركة” في مواجهتها ضد “داعش”، فضلا عن طلب الدعم المادي لايواء النازحين الهاربين من التنظيم.

 

كما خرجت الجاليات الكردية التي تعد من كبرى الجاليات في اوروبا، بوقفات احتجاجية في مختلف العواصم والمدن لمساندة القوات الكردية لتسليحها من دون الرجوع للحكومة الاتحادية.

 

المعارك التي حصلت بين القوات الكردية والتنظيم مختلفة، وفي البداية شهدنا تقدما سريعا من طرف “داعش” باحتلال المناطق المحاذية للاقليم بعد سقوط الموصل، ما ولد تهديدا مباشرا لكردستان العراق الذي لجأ لفسح المجال امام حزب العمال الكردستاني المعروف باسم “pkk” بالنزول من جبال قنديل التي يتخذ منها معقلاً، للتصدي لخطر التنظيم خشية دخوله اربيل عاصمة الاقليم.

 

يحيط هذا البحث في موضوع مقاتلة حزب العمال الكردستاني “pkk” الكثير من علامات الاستفهام التي يجب الوقوف عليها مثل اعتبار الصراع بين الطرفين هو الاقوى امتداداً من احداث مدينة كوباني “عين العرب” السورية الى القتال داخل مدن عراقية ضمن اقليم كردستان العراق وعلى المناطق المجاورة لها، حتى اصبحت المعارك بعيدة عن معاقل الحزب.

 
 
نشأة الصراع

 

الصراع بين العمال الكردستاني وتنظيم الدولة الاسلامية “داعش” ليس مثل بقية الصراعات التي قاتلت التنظيم كــ”الحشد الشعبي” في العراق، او جبهة النصرة وليدة تنظيم القاعدة وغيرها من الفصائل، لاسباب عديدة:

 

أولا: حزب العمال الكردستاني PKK أول الفصائل العسكرية المنظمة التي اشتبكت ضد “داعش” في سوريا والعراق أيضا، وهو لم يقاتل تحت عنوانه الصريح، إنما عبر جناحه العسكري السوري، وهو “وحدات حماية الشعب”، والتي سيطرت على مدينة كوباني في 19 تموز 2012، بعدما انسحبت القوات السورية منها، اثر تعرض المدينة لأول هجوم من نوعه في 2 تموز، حيث بدأت المعارك بين الطرفين.

 

وتعرف الوحدات اختصاراً باسم “YPG” اي اختصارا لاسمها باللغة الكردية الكرمانجية (Yekîneyên Parastina Gel)، واعلنت الوحدات عن تاسيسها في تموز 2012، أي بعد مرور اكثر من سنة على الازمة السورية الحالية.

 

ولـ”وحدات حماية الشعب”، تشكيل نسائي عسكري “وحدات حماية المرأة” يعرف بـ”YPJ” اختصارا للكلمات للاسم باللغة الكردية “Yekîneyên Parastina Jin”، وتعرف مقاتلات وحدات حماية المرأة بشجاعتهن التي تضاهي جمالهن، إذ ذاع صيتهن في وسائل الإعلام الاجنبية والعربية والعراقية، لقتالهن الشرس لصد التنظيم ومنع سيطرته على مدينة “كوباني”.

 

ثانيا: استفاد الجناح السوري للعمال الكردستاني من خبرته القتالية والاساليب التي استخدمها ضد الجهات التي قاتلها قبل قتاله لـ”داعش”، مثل التي وقعت في منطقة رأس العين بالحسكة التي تسمى كردياً “سرى كانيه” مثل جبهة النصرة وعناصر حزب البعث السوري.

 

ثالثا: اشتد الصراع بين المقاتلين الكرد والتنظيم بعد سيطرة الاخير على مدينة الموصل العراقية في 10 آب 2014 واستيلائه على المعدات العسكرية التي تقدر بعتاد 4 فرق عسكرية، الأمر الذي غير موازين القوى في المعركة ضد التنظيم، وجعل الـ”PKK” يأخذ على عاتقه محاربة “داعش” أينما وجد، وخاصة بالمناطق الكردية والمحاذية لها، حتى أن انتصاراتهم ضد التنظيم المتشدد في سوريا شجّعتهم على التمدد الى الاراضي العراقية.

 

رابعا: “العمال الكردستاني” اوصل رسالة للحكومة العراقية، قبل سقوط الموصل بـ3 أشهر، محتواها الاتي: ان “تنظيم داعش يقوم بتحشيد كبير في مناطق سورية محاذية للعراق، وهذا التحشيد يبدو الغرض منه احتلال مدينة عراقية على الحدود، ولا نعرف من هي هذه المدينة”، لكن لم يتم اخذ النظر فيها او البحث بتفاصيلها في وقتها، لان العراق كان في مسالة نتائج سباق انتخابي للبرلمان والخلاف السياسي على من يترأس الحكومة.[i]

 

خامسا: من أقوى المعارك التي حصلت بين الجانبين في سوريا، هي اقتحام قيادية في وحدات حماية المرأة تجمعا لعناصر تنظيم “داعش” عند الأطراف الشرقية لمدينة كوباني، واشتبكت مع عناصر التنظيم، وفجرت بهم قنابل كانت بحوزتها قبل أن تفجر نفسها بقنبلة، بعدما سيطر “داعش” في 5 تشرين الاول 2014 على جزء من هضبة استراتيجية مطلة على المدينة، وظل يتقدم حينها رغم قصفه من قبل طائرات التحالف الدولي.

 

سادسا: بعد الدمار والقتل الذي خلفه “داعش” في كوباني الكردية السورية (ريف حلب الشمالي) وعفرين (ريف حلب الغربي) والجزيرة (الحسكة)، اتخذ حزب العمال الكردستاني وجناحه السوري بفرعيه العسكري “وحدات حماية الشعب” والسياسي “حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني”، عهدا بمحاربة “داعش” في جميع المناطق التي تهدده ومنها بالعراق، وكذلك لاخذ ثأر مقاتليه الذين سقطوا بسوريا.

 

 

الاستمرار في العراق

 

بعد سقوط مدينة الموصل “10 حزيران 2014” من دون وجود صد لمنع سيطرة التنظيم عليها سواء من قبل القوات الامنية العراقية او اهالي المدينة نفسهم، توقع حزب العمال الكردستاني، ان “داعش” سيسيطر على مناطق عراقية اخرى ويوسع من نفوذه ربما في مناطق محاذية للاقليم مثل قضاء الحويجة بمحافظة كركوك وفي ديالى، وكذلك محافظة نينوى التي اصبح مركزها مسيطرا عليه، وبالتالي أدى لاتخاذ قرارات داخلية بالتهيئة لمواجهة التنظيم على الاراضي العراقية، وبالفعل تحققت توقعاته وخاض اربعة محاور شديدة كل واحدة تختلف عن الاخرى، وكانت أولى المعارك هي:

 

 

مخمور

 

تقع مدينة مخمور بمحافظة نينوى بين قضاء الحويجة والشرقاط والموصل وتبعد عن مركز المحافظة مدينة الموصل بنحو 50 كم، وعن جنوب غرب مدينة اربيل نحو 65 كم، سقطت هذه المدينة يوم الخميس “7 آب 2014” وتحررت بعد 3 ايام من سقوطها.

 

سقوط هذه المدينة، اشعل الغضب والخوف في مدينتي اربيل ودهوك بعدما تحدثت وسائل إعلام أجنبية بان التنظيم يبعد نصف ساعة بالسيارة ليصل اربيل، في وقتها الكثير من اهالي اربيل ذهبوا بعوائلهم للمناطق الجبلية لتامين حياتهم. والكثير من الكرد دعوا حكومة الإقليم لمطالبة العمال الكردستاني بمشاركة قواتهم العسكرية “ﮔريلا*من اجل التدخل لمنع وصول التنظيم وسيطرته على مناطق الاقليم.

 

وفي نفس اليوم الذي سيطر التنظيم على مخمور، نزلت قوات الـ”pkk” من جبال قنديل الى اربيل وتوجهت الى الاراضي المحاذية لمخمور، وكان العدد المشارك بالقتال “200- 225” مقاتلا واستلموا المحور الاصعب في التحرير لوحدهم، والمحور الاخر لقوات “البيشمركة” من الحزب الديمقراطي الكردستاني وجهاز مكافحة الارهاب “دزي تيرور” التابع للاتحاد الوطني، واستمر القتال لمدة 3 ايام متتالية حتى تم تحرير القضاء “10 آب 2014″، وكان للعمال الكردستاني اليد الطولى بالتحرير، حتى في وقتها سقطت صحيفة تعمل في وكالة “الفرات للانباء” التابعة للحزب، بشظايا هاون.

 

وكان اغلب مقاتلي الحزب الذين جاؤوا لمخمور، هم من اهالي القضاء او ينتسبون اليها عائلياً، وتعد مشاركة “pkk” في هذا القتال هو الاول من نوعه في مواجهة تنظيم “داعش” على الاراضي العراقية.

وشارك في هذا القتال، ايضاً مجموعة من القوات الايرانية، حسب ما قاله قائد القوات الجوية الايرانية سردار امير علي حاجي زاده في لقاء متلفز، ان ايران هي التي منعت “داعش” من التقدم نحو كردستان العراق والسيطرة عليه، وان قائد الحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني ومعه 70 شخصا لصد هجوم “داعش”، ساهموا بالتصدي للتنظيم ومنعهم من التقدم نحو كوردستان، ودخول اربيل.[ii]

 

 

كركوك
 

القتال في هذه المحافظة كان يختلف عما حصل في مخمور، لاسباب نفسية واجتماعية وعسكرية ايضاً، ووصلت قوات الجناح العسكري لـ”pkk” قرابة “150” مقاتلا الى منطقة داقوق التي تبعد بمسافة “40 كلم” جنوبي كركوك “مساء السبت 9 آب 2014″، وكان العديد من اهالي كركوك فرحين باستقبالهم، وكانت الادارة المحلية للمحافظة على علم بوصولهم ومكان تواجدهم.[iii]

 

المقاتل في حزب العمال الكردستاني يعتبر كركوك مدينة كردستانية، ومن الواجب الدفاع عنها وايضاً عن مكوناته المختلفة، وهذا ولد شعورا نفسيا في داخله للحفاظ على المدينة وابعاد الخطر عنها. كذلك نشأت علاقة اجتماعية بين مقاتلي الحزب وبعض العوائل الكردية في المحافظة، حيث كانت العوائل تذهب اليهم بشكل مستمر لتقديم الغذاء والماء والجلوس معهم لتناول الاكل معاً والتقاط الصور، هذه المسائل لم تكن في عقلية مقاتلي الحزب، لانهم لم يشاهدوا مثل هذه الحميمية في جبال قنديل والتي أحسوا بأهميتها على الرغم من أن الدعم اللوجستي مؤمن لهم، وبالتالي تبلورت فكرة لدى المقاتل بان من الواجب رد الدين للاهالي التي تزورهم وتطمئن على احوالهم، من خلال القضاء على “داعش” في كركوك.

 

عسكرياً، اتخذ حزب العمال الكردستاني محورا خاصا به بالتنسيق مع قوات الـ”بيشمركه” التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني الذي ينسق مع التحالف الدولي بشأن الضربات الجوية، وشاركوا مقاتلي الحزب في معارك مكتب خالد وناحية داقوق وتل الورد جنوبي كركوك ايضا، وسقط عدد لا يتجاوز الـ25 منهم قتلى.

 

ولازال عناصر حزب العمال الكردستاني PKK متواجدين جنوبي كركوك، واعدادهم تختلف عن السابق ومهمتهم مساندة “البيشمركة” لصد اي هجوم محتمل للتنظيم.

 

يتبع…

 

اضغط هنا لمشاهدة الخارطة التفصيلية لمناطق انتشار عناصر حزب العمال الكردستاني PKK في العراق وسوريا

 

 

علي ناجي: باحث بالشأن التركي الكردي

 

[i]  لقاء مع احد الكوادر المتقدمة في لجنة العلاقات الخارجية للعمال الكردستاني.

 

*ـﮔريلا نوع من أنواع الحروب الصغيرة، حسب اللغة الإسبانية وتعني المقاومة التي ولدت مقابل نابليون، تعتبر الـ ـﮔريلا في حزب العمال الكردستاني التي تضم نساء ورجالا، اشبه بـ القوات الخاصة بالانظمة العسكري.

 

[ii] ايران: القوات الايرانية منعت دخول داعش الى كردستان، موقع روداو الكردي المقرب من نيجرفان بارزاني، http://rudaw.net/arabic/kurdistan/240920146.

 

[iii]  ادارة لمدینة تعلم ان قوة من PKK داخل کرکوك، موقع كركوك ناو، http://kirkuknow.com/arabic/?p=35661.

 

إقرأ أيضا