اللقاء الأخير مع المسرحي المغربي الراحل الطيب الصديقي

  فقدت الساحة الثقافية في المغرب قبل فترة أحد ألمع فنانيها المسرحيين الطيب الصديقي عن…

 

فقدت الساحة الثقافية في المغرب قبل فترة أحد ألمع فنانيها المسرحيين الطيب الصديقي عن عمر ناهز 79 عاما. وأعلنت وزارة الصحة المغربية وفاة الصديقي بعد مرض عضال ألزمه الفراش، وبعد حياة مليئة بالشغف، تشخيصا وإخراجا وكتابة وتكوينا لأجيال من المسرحيين. بهذه المناسبة تقدم “ الصباح” اخر لقاء مع الفنان الراحل اثناء زيارة له الى ايطاليا .

 

لم يكن الاقتراب من التجربة المسرحية للفنان الطيب الصديقي أمرا يسيرا، فذات الفنان لاتنفك تنفتح على مدارات إبداعية شتى، حتى بدت الهوية الإبداعية لديه تحمل تنوعا ثريا، وذلك ما يجعل من كل محاولة لمقاربة الحديث عن أعماله ونشاطاته تتخذ بعد التنوع الفني والمعرفي.

 

ويستدعى منّا النظر في تجربة هذا الرجل المسرحي العربي، تخليا عن البحث في أحاديث معرفية وهموم سياسية واجتماعية أخرى للرحيل معه في حوار ممتع هو اقرب إلى الدهشة والمفاجأة، فأحاديثه ذات ملامح خاصة تحمل التوهج الفكري.

 

 

مسرح البساط

 

يقول الطيب الصديقي عن تجربته المسرحية:

 

(ما يخص مسيرتي الفنية، فان هذا المنعطف الذي يحتضنني بكل أعماقي،  يسمى بمسرح (البساط) وهو المسرح الترفيهي، لكن في طبيعة الحال هنالك أشياء كثيرة قادرة على مخاطبة العقل، وهذا المسرح وصل الى أوج عظمته في المغرب بالقرن الثامن عشر أيام محمد بن عبد الله، فقمنا بإحيائه من جديد. ومسرح (البساط) هو عمل فرجوي أولا وقبل كل شيء، فالمعروف عن المسرح الكلاسيكي سواء كان غربيا أو غير غربي، انه كان يعتمد على موضوع واحد، فعندما نتكلم عن  (عطيل) فنحن نتكلم عن الغيرة، وعن(هاملت) نتكلم عن الانتقام، وهلما جرا، مسرح (البساط) يتناول اكثر من عشرة او عشرين موضوعا في آن واحد، يعني غير منحصر بموضوع واحد، بل يأخذ من كل فن طرفا،وهو مسرح يعمل كثيرا على ما يمكن تسميته بالذاكرة، بمعنى آخر ان الاساطير والخرافات، والحكايات والشعر، والغناء، والرقص، والفرح والحزن، والعاب الدمى.. الخ فهذه الانواع التي هي عبارة عن كشكول من التعبير كلها تتضمن أجواء العمل المسرحي الذي نقدمه لجمهورنا، لكن يظل الجانب الدرامي المسرحي يقف في المقدمة).

 

 

 هل تعتقد بان مسرحك هو امتداد للمسرح الأوروبي هذا اليوم الذي يعتمد على التنوع واللغة اليومية الدارجة والعادية مبتعدا عن الموضوعات الأدبية والفكرية العميقة؟

 

لحد الوقت الحاضر أنجزت كتابة أربعة أعمال مسرحية من مسرح (البساط) الذي هو مسرح الناس بكل فئاتها وشرائحها وانتماءاتها الطبقية، وقدمنا عشرات العروض في المدارس والجامعات والمنشآت والساحات والمعامل، في المغرب وفرنسا وكندا، وكان لاستجابة الجمهور صدى إيجابي كبير، شجعنا على التواصل مع هذا النوع من المسرح. كما أني اعتقد بان توجهاتنا المسرحية هذه تنسجم انسجاما كاملا مع تطلعات الناس ورغباتها الحقيقية لأنها حسب اعتقادي تنبع من همومهم واحتياجاتهم وامالهم، إنها بعبارة أخرى اللغة التي يمكننا المخاطبة بها بكل سهولة ووضوح.

 

 

الجمهور الفرنسي

 

 ماذا عن هاجس التواصل مع جمهور لا يفقه شيئا من اللغة العربية؟ وهل برأيك هنالك مسرح بلا إنسان يفهم ما يدور على خشبة المسرح؟

 

مسرحي يعتمد على ما يرى اكثر مما يقال، ومثل هذا المسرح قادر على استقطاب الجماهير المتعطشة للمسرح، وفعلا كانت نجاحاتنا للعروض الأربعة التى قدمناها في عدد من المدن الفرنسية وبالذات بمسرح (جارد شريه) الذي يعتبر من اشهر مسارح  مدينة باريس، والذي لاتقدم على خشبته، إلا الفرق العالمية المعروفة، لاقت حفاوة واستقبالا كبيرين لم نكن نتوقعه من قبل جمهور له ثقافة مسرحية واسعة، وله معرفة بصناعة المسرح العالمي، فنحن الفرقة العربية الوحيدة التي استطاعت أن تقدم أعمالها باللغة العربية ولفترة امتدت اكثر من شهر وبشكل متواصل، كنا نخاطب العرب، ولكن الجمهور كان معظمه من الفرنسيين. الناس عادة تقول: نذهب إلى المسرح لمشاهدة مسرحية معينة، ولا تقول لنستمع إلى مسرحية، وطبعا  فان المشاهدة في المسرح وفي الفن بصفة عامة يتحتم وجود مشروع استيطيقي لدى الانسان، وكما يقول أبو حيان التوحيدي (إذا لم يكن لديك مشروع استطيقيا لايمكن لك ممارسة مهنتك).

 

mousa
موسى الخميسي

 

 

 كيف تنظر الى الشخصيات التى تكتبها في لحظة تحولها من شخصيات كتابية الى شخصيات حية على خشبة المسرح؟

 

فرقتي هي فرقة مسرح الناس وكان يطلق عليها فرقة الطيب الصديقي، حيث بدأت مع  تأسيس اول مسرح جوال في المغرب في بدايات السبعينيات، ولدي الآن المسرح الجوال في الدار البيضاء، وكان لابد من تغيير اسم الفرقة إلى اسم  يخاطب جميع الناس، وهذه الفرقة حاليا تتكون من أربعة عشر من العاملين وثمانية منهم يعملون معي كممثلين منذ اكثر من عشرين عاما، منهم الشيخ مصطفى سلامات، وعبد الرزاق الصديقي، ولهذه الفرقة تنضم عناصر شابة جديدة تحيي دماءها من خلال استقبالها لعدد من المتخرجين الجدد من معاهد التمثيل المسرحي في المغرب. كل واحد من اعضاء الفرقة المسرحية يختار ويسهم في صنع الشخصية التي تطرح نفسها على خشبة المسرح. هناك شراكة في العمل والعطاء، وهذا يساعدني على خلق تصوراتي عن الشخصية الملائمة التي باستطاعتها ان تحتل موقعها من الورق الى خشبة المسرح.

 

 

المسرح الجوال

 

 من يرجع الى مسرحياتك يلمس ان عالمك المسرحي متعدد ومتنوع، بمعنى انك تنتقل من موضوع الى اخر من الادب الى الحكاية الشعبية، من التاريخ الى الحدث اليومي . كيف تفسر هذه الظاهرة التعددية؟

 

مع ان اسم مسرحي الجوال، إلا إننا  استقرينا على قطعة ارض من ثلاثة آلاف متر ونحاول هذه الفترة إكمال بناء مسرحنا المقبل، إلا أني في الوقت الحاضر لدي اشبه بالسيرك الجوال يتسع إلى اكثر من خمسمئة مشاهد، نقدم اضافة الى عروضنا التقليدية حفلات موسيقية اندلسية وكلاسيكية وشعبية، ورقصات فلوكلورية تراثية.. الخ، وانا اعتقد بان اهم نجاحاتنا التى اعتز بتحقيقها هي البرامج التى تتعلق بالطفل، حيث نقدم من ثلاثة الى اربعة عروض مسرحية خاصة للاطفال اسبوعيا، متنقلين بين المدن والقرى والاحياء.

 

 

 ماذا يعني بالنسبة لك ان تكون كاتبا ومخرجا وممثلا اضافة الى ادارتك لاعمال ومشاريع الفرقة؟ كيف تستطيع التوفيق في كل هذه التوزعات؟

 

يتطلب الامر شيئا كبيرا من الايمان، وقليلا من النوم.

 

 

بناء المسارح

 

 من الملاحظ ان المسرح العربي يعاني بعض الانحسار مقارنة بسنوات الستينيات والسبعينيات، هل تعتقد ان هناك خطوطا حمراء تحد من حركة الفنان العربي؟

 

اقولها وبصراحة بان البلد الوحيد في العالم الذي يبني مسارح هو المغرب، نحن نبني ما بين عشرين الى ثلاثين مسرحا، في مدينة الدار البيضاء وخلال فترة (12)  سنة بنينا(15) مسرحا، وهذا باعتقادي غير موجود في بلدان عربية اخرى، هنالك نشاطات نهضوية سينمائية، يقابلها دعم من صندوق الدعم لما لايقل عن ثمانية إلى عشرة أفلام سنويا، يضاف الى ذلك النشاطات التشكيلية المتطورة والمتميزة في عموم البلاد.

 

 

 هل هذا يعني ان رياح التغيير التي ستهب إيجابيا على واقعنا العربي قادمة من المغرب العربي، بعد ان كانت عواصفها تأتي على الدوام من المشرق العربي؟

 

المغرب العربي يعيش حالة مخاض كبير تدعو للتفاؤل والأمل، وهذا نابع باعتقادي من خلال تغلغل الكثير من القيم الجديدة التي تطالب بحرية الاخر، حتى وان كان رأيه يعاكس ما هو مطروح ومتعامل فيه، أساس المجتمع المتحضر الجديد هو روح التعايش، والخروج من العصبية القبلية الحزبية وأيديولوجياتها، هو خروج الى العالم الجديد، وانا اعتقد ان العالم العربي وهو يعيش حالة المخاض الكبير التي أشرت أليها لابد وان يصل الى تحقيق نتائج لعدالة اجتماعية، وديمقراطية حقيقية واحترام لحقوق الإنسان.

 

إقرأ أيضا