المسار السياسي للحزب الشيوعي العراقي (2-2)

  ان العنف بشكل عام هو معطى اجتماعي عراقي يظهر كلما كانت هناك فرصة اما…

 

ان العنف بشكل عام هو معطى اجتماعي عراقي يظهر كلما كانت هناك فرصة اما الفترات التي تميزت بالهدوء النسبي فهي ليست من طبائع الامور وانما بسبب قوة السلطة واحتمالية العقاب لذلك فان تفاجؤ البعض من العنف الذي ظهر مع اعلان القضاء على الملكية هو اما مصطنع لغرض ادانة وتحميل قوة سياسية بعينها واما ينم عن عدم معرفة واطلاع على تاريخ العراق.. في عز ايام الملكية وانعدام مبررات العنف وعدم وجود قوى سياسية حقيقية تشكل تهديدا للنظام وفي 1933 جرت حملة عسكرية ضد الاثوريين تم بها قتل المئات واذلال الالوف دون مبررات سياسية اوعملية غير النظرة المظلمة لبعض القوى داخل النظام ضد الاثوريين كقومية وكمسيحيين, وقد قاد الحملة عسكريا الفريق بكر صدقي  الذي كان له اسبابه الثقافية لكراهية الاثوريين وغيرهم من المكونات العراقية وهو رغم كرديته كان جزءا من النظام وممثلا لمراكز القوى والذي تمت مكافأته بترفيعه بعد هذه الحملة التي كانت تحت الاشراف المباشر لرشيد عالي الكيلاني المعروف بكراهياته لغير العرب وغير المسلمين وو..الخ، وفي وقت اخر ليس بعيدا جرت حملة ضد عشائر الفرات الاوسط اعدم فيها العشرت بعد استسلامهم ثم طلب من الملك غازي التوقيع على اعدامهم وحين رفض لانعدام المبرر او السبب القانوني قيل له انهم اعدموا بالفعل وعدم التوقيع لن ينفع بشيء فقام بالتوقيع, ولا اريد ان استطرد اكثر في تعداد احداث العنف التي ميزت الحياة السياسية العراقية لاسباب ذكرتها في حلقة سابقة.

 

ان عنف 8 شباط هو امتداد لكل حلقات العنف المتسلسلة والتي تقف خلفها مراكز القوى في السلطة والتي اساس وجوهر موقفها عنصري ديني ترتبت عليه مصالح, فالذي كان يزعج هذه المراكز بالدرجة الاولى هو تنوع المجتمع العراقي الذي كان يحتمل في فترات سابقة لكنه لم يعد كذلك في تصاعد مساهمة اقليات دينية وعرقية تحتقرها هذه المراكز بالحياة السياسية وعبر الحزب الشيوعي بالذات ويمكن تلمس ذلك من شراسة التعامل مع الشيوعيين اليهود ومن موقف السلطة الملكية المشبوه في تسهيل تهجيرهم وهجرتهم الى اسرائيل والعالم وكذلك من نتائج انقلاب 8 شباط المتمثلة بمغادرة الاقليات المعروفة بنشاطها الوطني كالمسيحيين والصابئة للمساهمة في اي نشاط سياسي بعد استهدافها بشكل مباشر وغير مباشر من قبل حكومة 8 شباط وحكومة عبد السلام عارف اللاحقة بل ان المسيحيين بداوا بالهجرة من العراق منذ اواسط الستينات على خلفية ذلك.لقد كان الحزب الشيوعي حزب التنوع العراقي وتلك خطيئته الكبرى التي لم تغفرها له قوى ظاهرة وخفية في انقلاب 8 شباط  وهو امر عقائدي يرتبط بفكر هذه المراكز وخطوطها الحمراء وهو بلا شك ليس معزولا عن مصالح تترتب على لعب الاقليات وغيرها من فئات المجتمع خارج النخب السياسية والاقتصادية والثقافية ادوارا سياسية هامة وهناك الكثير من الامثلة عن تصريحات وممارسات تعبر عن الكره والاحتقار للمسيحيين واليهود والاكراد والشيعة مثلا حتى اصبحت لها ترجمة شعبية بالحياة الاجتماعية  مثل الحديث باحتقار عن الشروكية او عن الشيعة بصفتهم مجرد “شروكية” وهو موقف يستبطن بعدين طبقي وعنصري او عن الاكراد واطلاق نعوت مهينة عليهم والتشكيك بالمسيحيين وبوطنيتهم بدون مناسبة ولمجرد انهم ليسوا مسلمين.. ولكي تكتمل الصورة فانه حتى الاكراد بدؤوا بالتدريج بمغادرة العمل الوطني بعد 1963 رغم ان وضعهم يختلف عن الاخرين بسب الوجود الجغرافي لكردستان ووجود مجتمع كردي قوي ومنسجم بخلاف اليهود والمسيحيين والصابئة لكن ذلك تم ببطء وضمن عملية تبادل مصالح حيث ذهب الصوت الكردي اليساري والوطني الذي حمل قضية شعبه الكردي ضمن قضية الانسان في العراق الى الحركة القومية الكردية التي لم تكن اقل استياءا من مراكز القوى من المساهمة الكردية في الحزب الشيوعي العراقي.

 

لقد كان تعرض الحزب الشيوعي للذبح امرا شبه اعتيادي في الحياة السياسية اذ سرعان ما تستطيع السلطة اي سلطة من نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وبعث 8 شباط وعبد السلام عارف وبعث 1968 وصدام ان تجلب لها مناصرين كثر ماان تتحدث عن كفر االشيوعيين او تهديدهم للقيم والاخلاق  من اتجاهات شتى فعدا عن شباط 1963 حين ذبح الشيوعيون ذبحا حلالا على القبلة فان المؤسسة الدينية الشيعية العريقة التي تدافع عن (الشيعة المظلومين) في العراق والتي لاتتدخل في السياسة وتزن الحروف قبل الكلمات شمرت عن ساعديها، فاطلقت فتوى التحريم الشهيرة التي حللت دم الشيوعيين الذين اكثرهم من الشيعة ثم لتصمت عندما قام البعثيون الموحدون وحلفائهم بذبح الشيوعيين الكفرة في 1963 واغلبهم كانوا من الشيعة ايضا.

 

ان الشيوعيين رغم عديد اخطائهم لم يكن لهم ان يغيروا مصيرهم طالما كان وجود حزبهم استفزازيا لمراكز القوى مرة بسبب افكاره الماركسية المعلنة  واهدافها العليا ومرة اخرى لانه كان (مرتعا) لاقليات محتقرة من نخب مراكز القوى الدينية والقومية, الا بان يكون حزبا وطنيا يتخلى عن الشعارات الماركسية ويرفع بدلا عنها شعارات وطنية جاعلا هدفه النهائي الاستقلال السياسي والاقتصادي للعراق، وتوفير سبل الحياة الكريمة لشعبه لقد كان ذلك ليوفر له حماية جماهيرية افضل من جمهور واسع يؤيده ولم يستطع اعلان ذلك بسبب موضوع الكفر والايمان ولعل احد دلائل ذلك ان المنظمات التي تشكلت بدعم من الشيوعيين من وراء الستار حفلت بشخصيات اجتماعية مرموقة ماكان بامكانها التصريح بتاييد الحزب الشيوعي مثل مجلس السلم والتضامن خصوصا ابان العهد الملكي والجمهوري الاول,كما ان امكانيات التحالف مع القوى الاخرى كانت ستكون افضل, ومساحة العمل ستتضاعف في اوساط جديدة لا يمكنها العمل في الحزب الشيوعي لكن يمكنها العمل في حزب وطني وهو ماحدث مع شخصيات وطنية كبيرة بعضها ظل مستقلا او انتمى للحزب الوطني الديمقراطي او غيره كما ان حزبا بشعارات وطنية كان سيمكن ان يحصل على الشرعية القانونية بكل مزاياها واستحقاقاتها وان لم يحصل على ذلك فان السلطة لن يمكنها التعامل معه بالطريقة التي تعاملت بها مع الحزب الشيوعي لاسباب منها ان الحزب سيكون واسعا جدا وشعبيا مما يجعل السلطة تتردد كثيرا قبل اي خطوة قمعية سيما وهو يضم افضل نخب المجتمع من وجوه اجتماعية واكاديميين..الخ حيث اي اجراء قمعي بدون مبررات قوية سوف يثير تساؤلات داخل اطراف في السلطة عن صحة وشرعية ذلك سيما والحزب المفترض يرفع شعارات واهداف وطرق كلها مقبولة ,وتجربة الحزب الوطني الديمقراطي المختلف التركيبة عن الحزب الي نفترضه لانه اقل مرونه واكثر محدودية لتمثيله فئة محدودة بالمجتمع تؤكد صحة راينا فقد كان هذا الحزب دائما في المعارضه وعمل دائما على انتقاد السلطة ورجلها القوي نوري السعيد ورغم الكم الكبير من الممارسات اللاديمقراطية للسلطة فانها لم تتجاوز حدودا معينة في قمعها مما سمح له باداء دور هام في توعية المجتمع وارساء المبادئ الديمقراطية وهو دور خسرناه مبكرا ولازلنا نفتقده حتى اليوم وهو ما سنفصله في الحلقة المتعلقه بالحزب الوطني الديمقراطي.

 

إن تاسيس الحزب الشيوعي قام على فكرة هي تطبيق لينيني للماركسية وهذا  التطبيق لم يكن مناسبا لمجتمعات كثيرة وهو لم يعد الان مطروحا حتى وهو فكرة حزب الطبقة العاملة ذو التنظيم الحديدي واحتكاره للسلطة  لكن الستالينية وبسبب ظروف تتعلق بوضع الاتحاد السوفياتي عممت بشكل تعسفي هذا التطبيق على اساس انه هو الشكل الوحيد للعمل الحزبي (ماركسيا), ومثل ذلك فكرة الجبهات والتحالفات التي تم تعميمها على الاحزاب الشيوعية في العالم والتي انتهت الى كوارث او فشل في احسن الاحوال وهي فكرة تمثل وجها صارخا للجمود العقائدي حين اصبح لعمل الاحزاب الشيوعية ما يشبه (الكتالوك)، واجب التطبيق في كل مكان وعدا عن كون ذلك يحد من مرونة اي حزب شيوعي في اخيار تحالفاته حسب ظروف بلده الخاصة ويقلص من هامش تكتيكاته فانه يحدد بشكل مدرسي فض مراحل النضال بطريقة قدرية تجعل اداء الحزب عاملا ثانويا امام ماهو محدد فالحزب الوطني الذي افترضناه يقود النضال الوطني دون ان تكون له صفحة اخرى كما الحزب الشيوعي لمرحلة اخرى لم يصل اليها اي حزب شيوعي في العالم لكنها كانت دائما مصدر تشكيك وتخويف لوطنيين اخرين من ان الشيوعيين وهم يعملون معكم يسعون لاهداف اخرى معادية لكم.

 

لقد كان ممكنا ان يقود الحزب الوطني النضال الوطنية لتحقيق الاهداف الوطنية وترسيخ وتعزيز بناء الدولة وقيمها الديمقراطية, وبعد ذلك ستكون هناك تغييرات كبيرة في المجتمع والدولة والحزب ذاته سيتحدد على ضوئها شكل العمل السياسي للمرحلة القادمة واهدافه.

 

لقد كان الاعلان عن تأسيس الحزب الشيوعي اعلانا عن اهدافه الستراتيجية التي كان لها اعداؤها الكثيرون والتي لم يصل اليها  الحزب واي حزب شيوعي في العالم في حين انها عطلت من مرونة حركة الحزب لتحقيق اهدافه الوطني.

 

ان بعضا من استنتاجاتنا هي الان امر واقع مثل فكرة حزب الطبقة العاملة ودكتاتورية البروليتاريا ولذا فنحن لاناتي في الغالب بافكار جديدة,لكن التساؤل لماذا اذن نطرح موضوعنا في الاساس سيما والحزب الشيوعي يمر بظروف صعبة قد تعتبر مقالتنا وارائنا هجوما او انتقاصا منه ومن تضحيات الالاف ممن انتموا اليه؟ اننا في هذا المقال نحاول قراءة التاريخ قراءة نقدية تسمح بتحديد الاخطاء والاستفاده منها سيما ونحن على العموم لا نقوم بتقييم الا الجوانب الايجابية من تجاربنا وهو مالايسمح لنا بالاستفادة من التجارب المتراكمه التي هي خبرة الشعوب التي يستفاد منها لصناعة الحاضر والمستقبل,وقد يظهر تساؤل عن الفائدة من هكذا سرد للتاريخ بروح نقدية,وهل كان من الممكن تحت ظرف معين ان تكون الامور بشكل مختلف, فنقول اننا لاندعي اطلاقا اننا لو كنا في مرحلة التاسيس لفعلنا شيئا مختلفا بل ونعتقد ان الوعي الموجود بتلك المرحلة لم يكن ممكنا له التفكير بالطريقة التي نتحدث بها الان,لكنا نرى عدا الحق في إبداء الراي ونقد تجربة سياسية اصبحت ملك الجمهور والتاريخ,ان علينا واجب اعادة النظر بتاريخنا السياسي الحديث من اجل تشكيل وعي جديد يتيح التعامل العلمي المتجدد مع الواقع لتغييره, سيما وقد كلفت التجربة دماءً غزيرة وجهودا هائلة واستنفذت فرصا كبيرة وكثيرة كان يمكن ان تاتي نتائج ايجابية وبكلف اقل لو انها وجهت بشكل اخر.

 

لقد وضع كثير من المجتمع ثقته بالحزب الشيوعي العراقي، واستثمروا فيه شبابهم وحياتهم وطاقاتهم فلم يات الاستثمار بما هو متوقع ومطلوب ضمن الحد الادنى، وذلك كان احد اسباب تراجع الحزب وانصراف جمهور كبير عنه كان ليكون جمهوره في ظروف اخرى ليبحث الكثير من هؤلاء عن حلول في اماكن اخرى، فساهم ذلك في بث الروح في التيارات الاسلامية التي غادرها العراقيون منذ زمن طويل.

 

http://al-aalem.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d9%88%d8%b9%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82%d9%8a-1/

 

إقرأ أيضا