المهددون بالانقراض

أتابع نشرات الاخبار، جميع النشرات نشرات لا على التحديد، بجميع اللغات العربية والانكليزية والفرنسية وحتى…

أتابع نشرات الاخبار، جميع النشرات نشرات لا على التحديد، بجميع اللغات العربية والانكليزية والفرنسية وحتى الصينية!! شعرت اننا نعيش في كوكب أخر، كوكب ربما يقع أسفل الكوكب الذي يعيش عليه ذلك العالم المختلف، لدرجة أنني فكرت كيف السبيل لنصل الى العالم الآخر، خيل لي أن جاذبية قوية تقف بالضد من الوصول الى ذلك العالم!

 

أنظر الى ذلك العالم في الأعلى وأرى الازدهار ينمو بينما نحن في الأسفل نخاطر بكل شيء كي ننجو، نخاطر حتى بحياتنا.. كي ننجو!! أفكر هل من الممكن أن تكون القوانين القديمة بقدم الكون هي التي قررت أن ننتمي الى هذا المكان الغامض؟ ألا يمكن تغييرها؟ ألا توجد أستثناءات لهذه القوانين في زمن الفوضى؟.

 

اترك مشاهدة التلفاز وشريط الاخبار (الافعى الحمراء) وأغوص في عالم الوكالات الالكترونية عسى ان امارس قليلاً من الامل، اطالع خبر انتحار نازح خمسيني، ليس الأمر بالشيء الجديد، في كل يوم نطالع مثل هكذا أخبار، ولكن لا أعلم لما تراءى لي مشهد انتحاره!.. دخل الرجل الى خيمته البالية، نظر في وجه زوجته البائسة المنتظرة.. حدق في وجه أولاده الستة عشر، ثم هرع إلى مكان عدمه، نظر الى مكانه الكئيب، وقال في نفسه: أنا أنبذ إنسانيتي، حتى وان كنت سأجد نفسي وحيداً. ولكن أنا وحيد على كل حال في هذا العالم الذي لم أعد أنتظر منه أي شيء.. استقال الرجل من الانسانية، وبصق في وجه العالم. وفعلها.. هكذا هو الأمر ببساطة.! في كل يوم نسمع قصة هنا وهناك عن نازح ينتحر وآخر يودع الحياة لمرارتها، أما خيام الموت فلم تعد تستوعب قصصنا الاليمة ومعاناة الاطفال والشيوخ والشباب الذين تركوا منازل وديارا أفنوا حياتهم باعمارها لتكون الكرفانات والخيم موطنهم الجديد، والقليل المحظوظ منهم وجد منزلا يدفع عنه حرارة الصيف وبرودة الشتاء، لكن حياتهم متشابهة جميعا، فلا عمل يسدون به متطلباتهم.. النزوح اصبح صفتهم ومايتميزون به عن غيرهم حتى يكون سببا في قلة الاجور التي يتقاضونها اذا ما قيست بابناء المدن التي نزحوا اليها.. حياتهم مريرة كالمريض الذي ينتظر وفاته بين لحظة واخرى.. آمالهم تتلاشى بين أعينهم، فلا حلول مستقبلية كل ما يعرفونه هو الوعود والتفكير بالانتحار، في بحث سريع باستخدام العم (غوغل) وجدت ان العام الحالي فقط سجل نحو عشر حالات انتحار بين نازحين لم تستثنِ الصبيان والشيوخ والنساء فالهموم مشتركة، وليس هناك من يبحث عن حل لازمتهم فجميع الحلول مؤقتة المجمعات السكنية ليست ازلية والمعونات الاجتماعية ستتوقف في يوم ما، لكن اعادة الامان لمناطقهم هو الحل لتعاد لهم كرامتهم وحياتهم.

 

أعود وافكر اين المنطق في ذلك وبعض القرى المحررة لا زالت خالية من ساكنيها بسبب الثارات العشائرية والخوف من الانتقام، فمشكلة قريتي العوجة والبوعجيل في صلاح الدين لم تحل حتى الان.. هل هكذا تنتهي قصة النازحين وليس بغيرها.. اعود واتساءل هل قريباً سنتحول جميعنا الى نازحين؟ هل سنجمع عباءتنا على عجل ونخرج في تغريبتنا الالف في العراق؟ ونصبر انفسنا بالمواويل العراقية الحزينة، هل قدر لنا أن نحيا كشعب يعيش بين ركام الموت وارهاب القتل والصراعات ونبحث عن مخرج من بشاعة الحرب والتهجير والتمييز؟ وممن نهرب من داعش؟ من الفوضى؟ من انفسنا؟ لقد اقترب العيد واقتربت الهموم معه.. وهناك الكثير من الأضاحي الطوعية مابين النازحين، ولا اعلم ان كان عيداً سعيداً ام عيداً رحيماً هي التهنئة الاصح لهؤلاء المنسيين..

 

أحاول ان آخذ دور الحكومة وأتناسى مشهد النازحين، أعود لمشاهدة العالم الذي فوق والذي لا يرانا أبداً مهما لوحنا له.. ابتسم واوجه في سري تحايا للجميع، أبدأ بتوجيه تحية للسيد العبادي المفوض من الشعب اليائس ولاصلاحته الفقيرة، وتحية كبيرة لسارق امال الفقراء صالح المطلك، أما المالكي فلك النصيب الاكبر من تحيات العيد.. تحية لبؤسنا وصمتنا، تحية لعظام أسلافنا الذين علمونا ثقافة الصمت.. تحية لتظاهراتنا السلمية.. تحية لكل من كان في موقع مسؤولية وكان فارغاً من أي مشروع “حقيقي” للناس.. من أي طرح “واقعي”.. من أي حل “عملي”.. ولو على المستوى التنظيري فقط.. ولكن عليكم أن تعلموا بأنكم أشقاء الشيطان بالرضاعة.. وأن هناك من بين الناس من يعرف ذلك.. ومن يراكم كذلك.. وأنا واحدة من هؤلاء الناس الذين نعيش اوقاتا مظلمة، نحن المهددون بالانقراض نوجه لكم تحية، يامن حاربتمونا بتهمة ممارسة الامل بالتاكيد سيكون عيدكم سعيدا وانتم تحولونا يوماً بعد اخر قرابين لاعيادكم.

أقرأ أيضا