برلمان الحيص بيص

  لقد تصدعت رؤوسنا من الجالسين تحت قبة البرلمان، من نواب وسياسيين ومسؤولين، منذ سنوات…

 

لقد تصدعت رؤوسنا من الجالسين تحت قبة البرلمان، من نواب وسياسيين ومسؤولين، منذ سنوات وهم يتحدثون عن ملفات فساد ومحاولة لكشف الفاسدين ومحاسبتهم، ولم يحصل من ذلك شيء يذكر، وكل يوم لهم حيص بيص، من الذين تحسبهم ايقاظ وهم رقود، ولا تعرف لهم وجهة ولا حقيقة، لأن حقيقتهم أزدواجية ومتلونة حسب المناخ السياسي، فتجدهم اليوم معك وغداً ضدك وبعدها مع الكل وضد الكل، لا يجيدون سوى القفز، فهم اساتذة القفز ورواده، ويجيدون كل الحركات البهلوانية التي تضحك الجمهور وتحزنهم في نفس الوقت، وفوق هذا وذاك، وتثميناً لدورهم في التهريج فهم يتمتعون بحصانة تؤهلهم للنجومية وتمنحهم مكانة ودرجة (مهرج باب أول)، غير قابل للتقليد، وقد شاهدهم الناس على شاشات التلفاز وهم يمثلون تلك الادوار المخزية، والافعال الرديئة التي قاموا بها في عدة مناسبات، ولكن أتضحت حقيقتهم وكُشفت كل ألاعيبهم وأدوارهم الهزلية البائسة، التي أرقتنا وأزعجتنا طوال سنين.

 

بالامس القريب كنا قد شهدنا تظاهر نواب البرلمان وأعتصامهم داخل قبة البرلمان ورفضهم لسياسة رئيس المجلس السيد سليم الجبوري، وأنقسم النواب الى فريقين: فريق مؤيد للجبوري، وفريق معارض له، وتم رفع القضية الى السلطة القضائية للبت في الموضوع، وبعد مدة من التحقيق واللجان التي شكلها القضاء للنظر في جلستي النواب، الاولى برئاسة السيد عدنان الجنابي والثانية برئاسة الجبوري، أصدر القضاء قراراً ببطلان هاتين الجلستين، وأعتقد ان القرار جاء محايداً وسياسياً وليس قضائياً، وتمت عودة النواب جميعهم للانعقاد بعد العطلة التشريعية الي تم قضائها من قبل النواب، وكأن شيئاً لم يكن، مما جرى سابقاً من الشد والجذب والرفض، وعادت المياه الى مجاريها، ولكنها مياهاً راكدة، والبرلمان منقسم ومتشظي في داخله، فهم أحزاب وجماعات، وكتل وفئات، لا يحسنون توحيد الخطاب وادارة المجلس والسلطة الشريعية، أنهم لا يفقهون ما هو دورهم ووظيفتهم، والكثير منهم مجرد تكملة عدد وأرقام وأشخاص يملأون الكراسي فقط، ويرفعون أياديهم ويخفضونها حين يُطلب منهم ذلك وفق اتفاقات الكتل والاحزاب وتوافقاتها الحزبية والمحاصصاتية.

 

وها هو اليوم يعود الحيص بيص، والهرج والمرج، تحت قبة البرلمان العراقي، في قضية أستجواب وزير الدفاع السيد خالد العبيدي، ولكنه تحول الاستجواب الى اتهامات ومهاترات سياسية كُشفت فيها قضايا وملفات فساد، قام بفتحها العبيدي، وأُتهم في ذلك رئيس البرلمان ونواب معينين تم ذكرهم في الجلسة العلنية، وأتهمهم بصفقات فساد وتعيين وأتفاقات سرية تدر على المتورطين أموالاً طائلة، وفساد يفوق الخيال، ليس له مثيل الا في قصص المغامرات وفاقت قصص علي بابا والاربعين حرامي.

 

لقد كشف السيد العبيدي النقاب وأزاح الستار عن فساد وصفقات قام بها نواب وطلبوا منه التعاون من اجل تمرير ذلك، ولكنه رفض حسبما يدعي، وهذا غيض من فيض من حجم الفساد الموجود في المؤسسة العسكرية ووزارة الدفاع، التي كلفت العراق امولاً وموازنات طائلة في التسليح والرواتب والمشاريع الوهمية الفاسدة، التي تسلم من مقاول الى آخر، وتمر بعشرات المستثمرين والشركات دون أدنى تنفيذ أو تطبيق العقوبات والغرامات بحقهم.

 

والسؤال المهم الذي نود طرحه هو ماذا لو تم كشف النقاب عن المئات والآلاف من مشاريع وصفقات الفساد في الوزارات والمؤسسات الحكومية، فلا تخلوا مؤسسة ووزارة من ذلك الفساد والعقود والمشاريع الفاشلة، في الحكومة والبرلمان والقضاء ومجالس المحافضات والدوائر الخدمية الآخرى، ماذا لو أعترف الشرفاء من النواب والمسؤولين بكشف الملفات لاحقاق الحق واماطة اللثام عن وجوه الفاسدين في الدولة العراقية؟ وغيرها الكثير من الاسئلة التي نحتاج الى طرحها والاجابة عليها بجدية دون ممارسة اللف والدوران والتسويف والتستر على فاعليها.

 

مر عام على التظاهرات والاحتجاجات الشعبية في العراق، والتي خرجت منذ ذلك الوقت للمطالبة بمحاسبة المسؤولين والنواب والوزراء والساسة الفاسدين، من الذين سرقوا قوت الشعب العراقي، من النازحين والمهجرين والفقراء والمساكين، وممن دمروا البنى التحتية والفوقية والامنية والاجتماعية لهذا البلد المنكوب منذ سنين، وقد كان ذلك تحت مرأى ومسمع الكثير من الناس، وصمت مدقع من القضاء العراقي والنزاهة والمسآلة والعدالة، ولم يتم محاسبة أي شخص من المتهمين والمتورطين في تلك الملفات، وتم التستر على الكثير منها تحت ذرائع شتى، دون ادانة أو محاسبة أو رقابة قانونية وقضائية تتخذ من قبل السلطة القضائية الصامتة ذات الدور الضعيف في ادارة الملفات وقضايا الفساد والارهاب. يفترض بهذه السلطة أن تكون سيدة السلطات وعين رقابية يقظة، لأن القضاء العراقي يكلف العراق الكثير من الاموال في رواتب القضاة ومخصصاتهم، كي لا يمدوا أعينهم على حرام أو فساد، وتحصين أنفسهم من كل ذلك، ومن أجل احقاق الحق وتحقيق العدل والمساواة ومحاسبة المجرمين والفاسدين، وهذا مالم يحصل في العراق الى اليوم.

 

يحتاج البرلمان العراقي، السلطة التشريعية، الى تنظيم ووضع نظام داخلي يشرع فيه سلوك النائب وتصرفاته، ووضع قوانين لردعه، وعدم تصرف النائب بصورة مطلقة وكأنه يملك البلد بما فيه، والارتفاع الى المستوى المطلوب من الشعور بالمسؤولية والدور الرقابي والتشريعي، وعدم السعي المستمر وراء تحقيق الامتيازات والمصلحة الشخصية والحزبية والطائفية، وهذا السلوك هو الذي دمر البلاد وأزهق أروح العباد، والاختلافات الشخصية بين الكتل والاحزاب بسبب خصوماتهم المكسبية ونسبهم المحاصصاتية في التعيينات والعقود والاسهم في الوزارات والدوائر المختلفة، وينبغي للبرلمان أن يجسد أفضل الادوار في الانظمة الديمقراطية لا أسوأها، من الدفاع عن حقوق الشعب والانسان، وتشريع أفضل القوانين التي تهم البلد وتجعله في مصاف الدول المتقدمة، وهذا مطلب وأمنية لن تتحقق في ظل برلمان وسياسة ودولة تشوبها الفساد من أعلى رأسها الى أخمص قدمها، وسيبقى حالنا في حيص بيص مستمر ان لم تكن هناك ثورة قضائية حقيقية ترجع الحق الى أهله، وتحاسب كل فاسد ومقصر في عمله وادارة بلده، والحفاظ على أمنه وأستقراره.

 

إقرأ أيضا