رحيل (فارس الحداثة) في التشكيل العراقي المعاصر

لم يترك محمد مهر الدين الذي رحل قبل يومين، أثرا في أمكنة الفن الحديث فحسب،…

لم يترك محمد مهر الدين الذي رحل قبل يومين، أثرا في أمكنة الفن الحديث فحسب، بل ترك معنى الفن على طاولته لتشير دلائل رسوماته العالقة في التصميم والحساسية المركونة للتغريب في الإنسان إلى شكل آخر من أشكال الفن المدهش منذ أن تعمقت تصوراته في عالم الرسم نهاية العقد السادس من القرن المنصرم مع مجموعة من الفنانين العراقيين، أمثال رافع الناصري وضياء العزاوي وصالح الجمعي واسماعيل فتاح الترك وهاشم سمرجي، بعد ان عملوا على تأسيس “جماعة الرؤية الجديدة”، التي قدمت التجريب ضمن حدود المغايرة الشكلية مع الاحتفاظ بالدلالة التعبيرية التي سعى إليها هذا الفنان.

 

كانت بداياته تثير نزعة إنسانية تخاطب الوجود الحي ضمن لوحات لا تغامر بعيدا نحو المجرد، ولا الانغماس في المشخص، بل طور من بنائية لوحته في الخطوة الأولى التي توجه فيها إلى وارشو، ليعزز رصيده العلمي في تقنيات الفن ومهارة فن التصميم وحصوله على رسالة الماجستير في عالم الرسم والكرافيك.

 

عدت ميول محمد مهر الدين في الرسم المعاصر ذات صبغة احتجاجية في المحيط الذي يعيشه وانتقل هذا الهوس في توظيف احتجاج الإنسان وانكساره إلى سطوح لوحاته الفنية، فانشدت بنياته التصويرية في مرحلة ما من حياته إلى التعبير الرمزي، متخذة من القضية الفلسطينية، وخاصة الشهيد محورا جماليا وموضعا يدمج فيه قضايا الثورة مع أفكار الفن الحديثة، وبالمقابل برز لنا باتجاه يحافظ فيه على أسس الفن ونظامه الهندسي والتعبيري، وبقيت تقنية الألوان وحفرياتها، وقيمها الحساسة عالقة في التأثير التصويري لديه، نتيجة تأثره بفائق حسن، ولكن الهوس بالجديد والالتزام بمعايير الأسلوب والبحث عن خاصيته، تعد من جملة الأهداف التي سعى إليها ونجح في تحقيقها واتجه بالرسم إلى طبيعة بنائية، تستند إلى نظامه الخاص، فلوحته خليط مركب بين الرسم والتصميم، أما خامته فهي تليق بالدلالة البنائية لأعماله (مثل الرمل…الجص..الفوتوغراف….الكولاج..الاكرليك)،بينما خطابه الصوري منشغل بقضية واحدة لا بديل عنها وهي “الإنسان”، وما يهمنا كمتذوقي فن في الدرجة الأولى مسعى التحولات والنزعة التركيبية لرسوماته، وهذا ما تجلى لكل من عاصر مهر الدين أو تتلمذ على يديه أو تذوق فنه وخصائص أسلوبيته، التي أثرت في كثيرين من الفنانين الثمانينيين والتسعينيين إلى يومنا هذا. هناك من يغترف من منابع وأسس لوحته وتراكيبها، فأهمية لوحة مهر الدين ليست في قضيتها فحسب، بل في أواصر جذورها، ورغبتها في إعادة كشف حقيقة الفن ورسالته، فلم يكن أنانيا يفرض الأستذة، بل تابع المشاركة الجماعية مع الفنانين في معارض مشتركة، وكان معرضه مع شداد عبد القهار ينمي غريزة الفن عند الجيل اللاحق.

 

لقد بقيت ملامح التجديد في الرسم عنده قائمة منذ معرضه الأول في جمعية الفنانين ببغداد سنة 1965 حتى آخر معرض له في الأردن سنة 2014.

 

لعل أهم ما يميز أعماله في الرسم ذلك التناسق في التراكيب والوحدات الصورية، فهي لم تنشأ عن عبث شكلي، بل أظهرت مركباته استعراضا بنائيا فاعلا كثيرا ما يأخذ المتلقي والمتابع إلى لوحاته نحو معيارية التصميم، بالاضافة إلى مركب سيميائي شديد النزعة في مستوى المحمول والمطارحة الجمالية.

 

رحل محمد مهر الدين، وهو يراقب بعين دامعة حزن العراقيين، وتكالب الأعداء عليهم، عاكسا لنا قيمته الفكرية والتزامه الإنساني بقضايا بلده.

إقرأ أيضا