فيلم “مزرعة القبرات” عن إبادة الأرمن

في الذكرى المئوية لإبادة الأرمن عُرضت عدة أفلام رواية و وثائقية في القنوات التلفزيونية الأوروبية…

في الذكرى المئوية لإبادة الأرمن عُرضت عدة أفلام رواية و وثائقية في القنوات التلفزيونية الأوروبية لعل من أفضلها فيلم ” مزرعة القبرات” بالإيطالية (La masseria delle allodole) الذي عرضت نسخته الفرنسية مساء يوم أمس والفيلم انتجته عدة دول أوروبية هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلغاريا عن رواية للكاتبة الإيطالية من أصل أرمني أنطونيا أرسلان.

 

يكشف هذا الفيلم عن جانب مؤلم وشنيع من صور الإبادة التي راح ضحيتها الأرمن في تركيا إلى درجة قد لا يصدقها بعض الناس في عصرنا وربما خلط بينها وبين جرائم التكفيريين الانتحاريين في داعش ومثيلاتها اليوم، وخصوصا ما تعلق بسبي( وقد استعملت الكلمة بتصويتها العربي في الفيلم ويبدو أنها كانت مستعملة في اللغة التركية في العهد العثماني بهذا التصويت) واغتصاب وقتل النساء والأطفال. غير أن النقطة المهمة الأخرى في الفيلم وبالتالي في الرواية هي إبراز حالات إنسانية ونبيلة كان أبطالها مدنيين وعسكريين أتراك رفضوا المذابح وحاولوا – كل بطريقته – إنقاذ ومساعدة الأرمن. ومن هؤلاء العجوز التركي نظمي ( مثل دوره الممثل الفسطيني القدير محمد بكري) والذي اعترف للعسكر الترك العثمانيين تحت التهديد بالقتل بمكان اختباء مجموعة من الأسر الأرمنية فتسبب بمقتل العشرات منهم ثم ندم نظمي على ذلك و كاد يقتل ذات مرة بعد أن زعم أنه أرمني حين صوب نحوه عسكري تركي البندقية ولكن عسكريا آخر عرفه فأنقذه من الموت، وسوف ينجح نظمي التركي في نهاية الفيلم بإنقاذ مجموعة من الأطفال والنساء الأرمن من المذبحة و يخرجهم من تركيا إلى أسبانيا على ظهر سفينة بمساعدة القنصل الأسباني.

 

الممثل الثاني للجانب المضيء للأمة التركية هو العسكري الشاب فرزان الذي كان يحب شابة أرمنية هي نونيك (قامت بدورها الممثلة الأسبانية القديرة والحسناء باث كامبوس ترجو). هذه الشابة تعرض نفسها كالعديد من النساء “السبايا” على العسكريين الأتراك مقابل الحصول على طعام للأطفال في القافلة ، ويصادف أن يكون العسكري الذي عرضت نونيك نفسها عليه هو فرزان حبيبها التركي فيشفق هذا الأخير على حالها ويعطيها الطعام ويحاول أن يبرئ نفسه مما يجري، و في ليلة تهريب الأطفال والنساء من قبل نظمي وعدد من أعضاء الأخوية السرية التي ينتمي إليها، يُلقى القبض على الشابة نونيك – بعد أن تضحي بنفسها وتكشف عن مكانها لتضمن سلامة عملية تهريب الأسرى- ويحكم عليها العسكر الترك بالموت أولا بالتعذيب بالتحريق وهي حية ثم بقطع الرأس! ولكن فرزان، وبتشجيع من نونيك نفسها، يحاول تجنيبها عذاب التحريق فيبادر لقطع رأسها بضربة سيف واحدة!

 

بعد سنوات، وفي محكمة عسكرية تركية، يَتهم فرزان عدد من القادة العسكريين الترك بارتكاب مجازر بحق الأرمن ويقدم شهادته أمام المحكمة ولكن الضباط المتطرفين من جمعية “تركيا الفتاة” والذين قادوا ونفذوا تلك المذابح يهددونه بالقتل وينشدون، في داخل المحكمة، الأناشيد العنصرية المفاخرة بقتل الأرمن واتهامهم بالخيانة لأن بعضا منهم تعاون مع الجيوش الغربية التي اجتاحت تركيا بعد سقوط الدولة العثمانية، وحين يطلب القاضي العسكري من الشاب فرزان ذكر أسماء محددة لمن شارك في عمليات القتل و للضحايا يعترف فرزان باسم قاتل واحد واسم ضحية واحدة هما : هو العسكري فرزان وحبيبته الأرمنية نونيك!

 

من حيث المبدأ، وبشكل عام، فهذا الفيلم لا يخرج عن الأعمال الغربية المنطلقة من إطار “الأحكام المسبقة” أي التي لا تروم معرفة وتقديم أقرب صورة لحقيقة ما جرى آنذاك وهو فظيع و وحشي بكل المقاييس، بل تريد وحسب تسجيل إدانتها للجانب العسكري التركي الذي يستحق الإدانة، ولكن على حساب معرفة أو مقاربة الحقيقة.. ولكن الجديد في هذا الفيلم هو إبرازه للنقاط المضيئة في الجانب التركي من المشهد الدموي والإفلات من التعميم العنصري الغربي المنحاز ضد الشرقيين عموما والمسلمين خصوصا.

 

إنه فيلم يستحق المشاهد رغم قسوة ودموية العديد من مشاهده، تضامنا مع ضحايا هذه المأساة الرهيبة التي لم يُنصَف ضحاياها حتى اليوم ولم يعترف الجانب التركي الرسمي بارتكابها ويعتذر عنها ولكنني أعتقد جازماً أن الضمير الجمعي للأمة التركية أكبر وأعظم من كل ساسة تركيا المتعصبين و ضيقي الأفق وسيأتي اليوم الذي ينصف فيه هذا الضمير الجمعي التركي جميع الضحايا من أبناء وبنات الشعب الأرمني الطيب.

 

*كاتب عراقي

إقرأ أيضا