كيف ولماذا هزمنا امام صدام حسين؟ (8)

  نصف قرن واكثر من مسار النهاية، ونمو ممكنات أخرى ضمن مسار التاريخ العراقي والوطنية…

 

نصف قرن واكثر من مسار النهاية، ونمو ممكنات أخرى ضمن مسار التاريخ العراقي والوطنية العراقية الحديثة، فبعد ثورة تموز 1958 ومجزرة 1963، وسطو التيار البعثي الكردي الدولوي على قيبادة الحزب، بدا ان هذا الخيار وصل اقصى ممكناته، وصار متجاوزا على مستوى التعبير المطابق للتجربة الواقعية وللضرورة، فما فعله البعث الكردي سواء بالتحاقه بنظام صدام حسين، او مجزرته بحق الحزب في مؤتمر عام 1984 باسم “الكفاح المسلح” المفتعل والمستخدم لأغراض الكبح والتصفية، لم يستثر في حينه ردة الفعل المتوقعة او المتناسبة مع حجم الجريمة المرتكبة.

 

وبالمقارنة بالستينات ولدوافع اقل حدة، فلقد تفجر في حينه انشقاق كبير اخذ غالبية أعضاء وكوادر الحزب خارجه، وفي 17 أيلول 1967 حصل انشقاق “القيادة المركزية” وهو الأكبر من بين عدة تكتلات، أولها انشقاق ” اللجنة الثورية للحزب الشيوعي” عام 1964 وتكتل ” فريق من الكادر اللينيني” منذ عام 1965 ومعه وفي ذات الفترة تقريبا، مجموعة “وحدة اليسار”، وقد قدرت جهات مراقبة عدد الكوادر والأعضاء المنتمين لتلك التيارات والكتل، بأكثر من 80% ثمانين بالمئة من أعضاء الحزب الأصلي. وجرت في الإطار المذكور تجربة ” الكفاح المسلح ” في الاهوار في جنوب العراق بين 1967/1968 والتي تفجرت عمليا في 28/5/ 1968، وكانت السبب المباشر في الإسراع دوليا، ومن قبل الجهات الدولية الغربية التي تعامل معها راس الانقلاب، كي ينفذ وباسرع مايمكن، انقلابه بشرط الاستعانة بقوة حزبية منظمة، فكان البعث الصدامي هو الخيار، بعد ان تم عرض الانقلاب على تيار ” الحركة الاشتراكية العربية” بزعامة فؤاد الركابي الذي ناقش العرض المقدم له في اجتماع ضم قيادة الحركة، فلم ينل الموافقة، مع ان فؤاد احتج امام أعضاء القيادة بنفس ماقد فكر به البعث الصدامي ونفذه لاحقا، أي السير معهم والإنقلاب عليهم.

 

كان هم شركات النفط وقتها، ان لايمتد لجوء الشيوعيين للسلاح، او ينتشر ويستفحل، وهي ظاهرة غاية في الخطورة، اعادت لاذهان الغرب وروسيا الاشتراكية هذه المرة، ذكرى النهوض الثوري العراقي ( المد الأحمر) بعد ثورة تموز1958، ماولّد لدى القوتين الكبريين في العالم، رغبة في إطفاء النيران استباقيا، وقبل استفحالها، ومرة أخرى تجسد القلق في موسكو وواشنطن، على وقع روائح النفط الخليجي، والنظام الإيراني الشاهنشاهي، والحساسية الاستراتيجية الفائقة، الحرية بمخالفة الخرائط المعتمدة والمقرة بين الدولتين الأعظم.

 

من جهة أخرى وعراقيا، كانت الأجواء مؤاتية للدخول في سباق حاد، كان من شانه ارباك الخطط الدولوية للقوتين العظميين، ومع ان تجربة “الكفاح المسلح” الأولى انتهت في 3/6/1968 ،الا ان ظروف واحتمالات تجددها لم تكن قد انتفت كليا، حتى بعد مجيء البعث الصدامي للسلطة، ولم يكن النظام الجديد المختار من قبل التدبيرية الدولية، قادرا منذ أيامه الأولى على صد موجة التحول الى السلاح وتبني “الكفاح المسلح” من قبل الشيوعيين. ولم تتوفر مثل هذه القدرة او الامكانية للنظام الا بعد عام 1973 منذ التعاظم الفلكي في أسعار النفط اثر حرب تشرين 1973وأزمة الطاقة، ولم يكن متاحا للنظام حتى بعد التاريخ المذكور، وضع قوة الريع النفطي داخل عملية الصراع، بحيث يباشراستقلاله التدريجي عن المجتمع ، قبل ثلاث او اربع سنوات على الأقل، مايعني ان خمس سنوات على الأقل من الفرص قد اهدرت وقتها، ولم يتصد احد لاستثمارها، فأثبتت “القيادة المركزية” بناء عليه، بانها هي الأخرى طبعة من الأصل، مثقلة بالعيوب والامراض الايديلوجية نفسها، وانها لاتتمايز عنه في العمق، برغم الدوي الهائل، والقدر الكبير من التهريج الذي لازم وجودها واحاط به.

 

قبلها كان نظام صدام البعثي الصاعد مهتما بمخطط ترتيب صيغة ملائمة لاطفاء احتمالات الحريق، ورمي التراب على النيران المستعرة تحت الرماد، فركز خططه على منحيين، منحى اجتلاب حزب مابعد جريمة 1963 الى التحالف معه بالترهيب والترغيب، وخط اخر اساسسي تركز على تصفية واحتواء تيار الانشقاق و”العمل المسلح”، فاجهز عام 1969 على “القيادة المركزية” في اجراء وتوقيت ماكان بالإمكان تحاشيه او تاجيله، ف”القيادة المركزية” التي كانت ترفع شعار “اسقاط السلطة” كان من المتعذرعليها لو استمرت قائمة، الا ان تعود لحمل السلاح في اهوار الجنوب، وفي كردستان، او انها كانت لتفجرت وتتحولت لحالة فوضوية خطرة، في الوقت نفسه، كان ينبغي توفير الغطاء الضروري والملائم لامتصاص اثار تصفية التيار المذكور، وهو مايلتقي عليه الطرفان البعثي والشيوعي المتوافق مع المخططات ” الأممية”. ولم يكن هذا الهدف متاحا هو الاخر بيسر، فالمناخ العام، ودوي الانشقاق وتجربة “الكفاح المسلح”، والذكريات المكتنزة عن البعث، واقترانتاريخه بمجزرة 1963 ماكانت تسمح بانضواء التيار الشيوعي الدولوي فورا في تحالف مع الحكم البعثي.

 

ولم يكن لدى البعث وقتها مايفعله غير قرارات اطلاق سراح السجناء السياسيين في 5/9/ 1968، وإقامة العلاقات مع المانيا الديموقراطية، إضافة للتعديلات في قانون الإصلاح الزراعي، وبعض الاجراءا الترقيعية، مع انه اضطر لاحقا للاقدام على ” تأميم النفط” وكل هذه مواقف تذكر بعلو سقف المطالب الوطنية العراقية، وميل الزخم الشعبي الجماهيري الوطني الدائم لاختراق السقوف المقررة والموضوعة من قبل النظام الدولي السائد، ماقد اجبر البعث على إدارة مسالة اندراج الحزب الشيوعي الدولوي في التحالف معه، ب “طريقته” المعهود، فشن عدة حملات قمعية خلال أعوام 1970/1971/1972 صفى خلالها منظمات وكوادرحزبية، وبالأخص التسعة من الكوادر المتقدمة وأعضاء اللجنة المركزية المعارضين لفكرة التحالف، الى ان تهيأت الأجواء المناسبة عام 1973 لقيام مااطلق عليه وقتها “الجبهة الوطنية والقومية التقدمية” الموقعة في حزيران من العام المذكور.

 

هذا المسار وصولا الى الجبهة، كان على المستوى العالمي لحظة عمدت خلالها الامبريالية الامريكية لملاحقة وتصفية حالة النهوض الثوري التي كانت قد عمت العالم في الستينات من القرن الماضي، عبر اوربا وانتفاضة أيار 1068 الفرنسية، وحركات الشباب الاوربية، وحركات “الكفاح المسلح” الامريكية اللاتينية، وهي الموجة التي امتازت وقتها بخروجها مع يساريتها الجذرية، ليس على الهيمنه الامريكية فقط، بل وأيضا على الاشتراكية الرسمية السوفيتيه، ما قد اسهم في خلق أجواء من “التوافق” بين القوتين العظميين، بالاخص في هذه الناحية من نواحي الوضع العالمي بالذات، الامر الذي وجد ترجمته في العراق عبر سلوك القوة المنضوية في الاطار السوفيتي وقتها، بما يتلائم مع استهدافات الاجهاز على موجه النهوض العالمية.

 

والجدير بالملاحظة، ان يكون العراق بالذات من بين قارات اسيا وافريقيا،  وبضمنها العالم العربي، وأستراليا وامريكا الشمالية، الوحيد الذي انخرط في الموجة العالمية المذكورة وساحتها الرئيسية الاوربية الامريكية اللاتينية، مايثير في الذهن تساؤلا بديهيا يرد حتما من ملاحظة تناقض حالة صمت الشيوعيين الذين تم اقصاؤهم من الحزب بالجملة عام 1984 واختيارهم طريق الاعتراض الخجول، برغم ماتحملوه من ممارسات مهينة، ومذلة بحق أناس قضوا أعمارهم، وربطوا مصائرهم بالحزب، وكانوا بناته الفعليين على مدى عقود، تحملوا الكثير، ولم يبخلوا بشي يملكونه من اجل مااعتقدوه قضيتهم التي تستحق ان يبذلوا حياتهم لاجلها.

 

لقد تغير قطعا المناخ العام العالمي، ولم تعد الاجواء محفزة او دافعة في الثمانينات لاتخاذ مواقف ذات صبغة انشقاية ، و”باقر إبراهيم” ابرز شخصيات هذا التيار، ليس من هذه الطينة ابدا، فهو كائن حزبي حتى النخاع، يؤمن بعمق، ان الحزب له قوانين وقواعد حياة تستحق التقديس، ولاتجيز الخروج عليها، وهو برغم انه قد يكون تعرض لمحاولة اغتيال ( تعرض لحادث دهس مريب بسيارة في دمشق، كاد يودي بحياته، الا انه ظل يرفض بصورة قاطعه اتهام احد، او التفكير باحتمال ان يكون ماحدث من فعل فاعل، برغم ان قرائن كثيرة كانت تبرر مثل هذا الظن)، وبالنظر الى الأوضاع داخل العراق، وبالذات مستوى تركز السلطة البعثية، وشمولية حضورها الأمني، وهو ماكان يجعل الفرصة شبه منعدمة امام أي نشاط حزبي يعتد به في الداخل، خاصة اذا كان الهدف اكتساب أي تيار شيوعي معارض او منشق( الاغلب ان ماحدث في مؤتمر 1984 ماكان ليحدث لولم يكن البعث في السلطة، او لو كان اقل بطشا واستهدافا للحزب وقتها خاصة أيام الحرب العراقية الإيرانية 1980/1988.)، القدرة على الضغط، او التنافس السياسي السجالي، حتى لو كان الغرض تصحيحيا، ويتوقف عند إعادة بناء الحزب على أسس تعيد التوازنات المختلة بحدة وقتها.

 

وكلها مسببات ماكانت تشجع او تتيح لمن يريد اتخاذموقف رفض واعتراض علني، ان يتبع هذا الخيار، فتكرست وقتها الهزيمة النهائية، ليس فقط لتيار او جماعة بعينها داخل الحزب، بل ول”الشيوعية الحزبية” بعمومها.

 

إقرأ أيضا