مؤتمر صحفي للتعذيب

قد لا يعرف الكثيرون عن يوم الصحفي كيف يقضيه حين تكلفه وسيلة الإعلام التي يعمل…

قد لا يعرف الكثيرون عن يوم الصحفي كيف يقضيه حين تكلفه وسيلة الإعلام التي يعمل لها بإنجاز عمل. المشاهد أو القارئ أو الذي يستمع إلى الراديو، يستقبل صوتاً ينقل إليه الحدث بتفاصيل وشاباً أنيقاً يقف أمام الكاميرا وهو يسرد ما جرى في هذا الحدث أو ذاك، ويلحظ المشاهد قرب هؤلاء الصحفيين من المسؤولين في الدولة، وقد يعتقد البعض أن هذا الصحفي أو ذاك مستفيد من هذا القرب والعلاقات مع المسؤولين، ولكن ما لا يلحظه المشاهد والقارئ والمستمع؛ أن هذا الشاب الأنيق أو الشابة المثابرة، قد تمضي عليهم ساعات وهم في مكان مغلق بانتظار اطلالة المسؤولين عليهم ليدلوا بجمل قصيرة تسمى مؤتمراً صحفيا، وهؤلاء الصحفيون الذين يسألون هذا المسؤول أو ذاك قد تمر عليهم الساعات دون أن يذكرهم أحد بقنينة ماء، اضافة إلى التعامل الجاف من قبل الحمايات الأمنية للمسؤولين.

 

من المشاكل الأخرى التي لا يعلمها المشاهد والمتلقي للخبر الصحفي، أن أغلب المسؤولين في الدولة العراقية وأعضاء مجلس النواب، لا يردّون على الاتصالات التي تأتيهم من وسائل الإعلام، وفيما لو ردَّ أحدهم فإنه يعتذر عن الإدلاء بتصريح بذريعة عدم توفر المعلومات لديه، في حين أن الاتصال لم يكن عشوائياً، بل انتقائيا بحسب اختصاص هذا النائب أو المسؤول، وقد يجري الصحفي أكثر من عشرين اتصالاً من أجل تصريح واحد، وفي حال أدلى أحد المسؤولين أو النواب بتصريح وجاء مخالفاً لرغبة رئيس كتلته أو المتفضل عليه بمنحه مقعداً نيابياً، فإنه سرعان ما يتصل بوسيلة الإعلام التي نشرت الخبر ويطالبها بنشر تكذيب على لسانه وأنه لم يقل هذا الكلام، فيما يهدد الكثيرون من هؤلاء الصحفيين برفع دعاوى قضائية ضدهم لولا وجود التسجيلات الصوتية التي تبثت ما قاله هذا النائب أو غيره.

 

سلاح تكميم الافواه من أسهل الطرق المستخدمة لبناء دولة ديكتاتورية مغلقة، وكثيراً ما أزعجت وسائل إعلام وصحفيون الكثير من المسؤولين الذين استغلوا نفوذهم وسجلوا دعاوى قضائية وأوامر قبض ومنع من السفر ضد العديد من الزملاء، وكل هذا من أجل اسكات الأصوات التي تنتقد السلوك الخطأ الذي يقوم به المسؤول ويعتقد أنه صواب بمباركة جوقة المطبلين والمستفيدين منه.

 

وفي وضع الدولة العراقية الحالي، لا يمكن لي أو لمن يوافقني الرأي، أن أبرر عمل الحمايات الأمنية للمسؤول بمعزل عن المسؤول، أو أنهم يقومون بهذا الاعتداء أو ذاك دون مباركة مسبقة من المسؤول، فأي جرأة يحملها عناصر الحماية حين يعتدون على مجموعة من الصحفيين بحضور ثلاثة وزراء لوزارات سيادية، ومهما يكن شكل الخلاف الذي حدث بين الزملاء الصحفيين والحمايات الأمنية فإنه لا يبرر استخدام القوة ضدهم، ولا يمكن أن يُدعى هؤلاء الصحفيون إلى تغطية خبر ما ليكونوا هم الخبر الرئيس، فالصحفي دائما يبتعد عن أن يكون موضوع الخبر ويصر على أن يكون ناقلا له لا في تفاصيله. لذا فإن ما حدث اعتداء “ممنهج” ضد زملاء يؤدون عملهم، وقلت إنه “ممنهج” لأنه ليس الاعتداء الأول، وإذا ما تم التغاضي عنه فلن يكون الأخير.

 

إقرأ أيضا