ما بعد السيستاني: مستقبل العراق وإيران والعالم الشيعي

  خلال رحلتي الأخيرة إلى مسقط رأسي في النجف جنوب العراق، عثرت على كتاب بعنوان…

 

خلال رحلتي الأخيرة إلى مسقط رأسي في النجف جنوب العراق، عثرت على كتاب بعنوان “الخامنئي قائدي” في المكتبة الشخصية لرجل دين من الذين يدرسون في مدرسة دينية تعرف باسم “الحوزة”، وكان قد التقطه من محل لبيع الكتب بالقرب من مرقد الإمام علي حيث دفن أول إمام للشيعة، وهو مقصد الحجاج المسلمين – وخاصة الشيعة المسلمين – من جميع أنحاء العالم.

 

مدينة النجف، التي تقع على بعد 100 ميل جنوب بغداد، هي معقل الإسلام الشيعي، ومقر المدارس الدينية التى أنشئت في أوائل القرن الـ11 ومكان “المرجعية” وهي المؤسسة الدينية الأكثر تأثيرًا والتى يقودها آيات الله.

 

ولم يكن الجانب الرائع في الكتاب أن تم نشره في النجف عن طريق ما يسمى (مؤسسة الإسلام الأصيل) ولكن التأييد القوي الموجود في الصفحة الافتتاحية لرجل دين لم يكن إلا آية الله العظمى علي السيستاني والتى قال فيها:

 

“سر دائمًا خلف السيد خامنئيى وادعم دائمًا ولاية الفقية، اليوم، تعتمد مكانة الإسلام على مكانة وكرامة الجمهورية الإسلامية (في إيران)، وكرامة الجمهورية الإسلامية تعتمد على حماية كرامة السيد خامئني”.

 

الاقتباس هو تلفيق على السيستاني، فالسيستاني مثله مثل الغالبية العظمى من رجال الدين الشيعة في مدينة النجف، معروف بمعارضته “لولاية الفقيه” النموذج الإيراني الثيوقراطي/ الديني التي يجبر رجال الدين الشيعة على تولي السلطة السياسية القائمة وهو النوذج القائم على التفسير الفقهي للإسلام، وهو التفسير الذي وضعه آية الله الخميني موضع التنفيذ في إيران بعد الثورة الإسلامية في عام 1979.

 

السيستاني لم يرفض فقط هذا التفسير العقدي، ولكنه دعا صراحة إلى “دولة مدنية” في العراق وليس إلى دولة دينية، هذه الدعوة هي موقف ديني بناءً على تفسير أرثوذكسي تقليدي للإسلام الشيعي الذي لا يمكن أبدًا أن يكون متوافقًا مع الثيوقراطية/ الحكم الديني، وعلى الرغم من الخلافات الحادة في الرأي بين طهران والنجف، إلا أن الكتاب المذكور في الأعلى يمثل مجرد واحدة من العديد من حملات الدعاية الموالية لإيران التي بدأت في النجف.

 

وجنبًا إلى جنب مع الوجود العسكري والسياسي الواضح لإيران في العراق، فإن هناك أشكال من التدخل فكرية وأكثر دهاءً ولا يمكن فهمها بسهولة للقوة الناعمة الإيرانية تثير تساؤلات حول مستقبل العراق واللإسلام الشيعي، خاصة بعد وفاة السيستاني البالغ من العمر 86 عامًا.

 

ومع ذلك، فإن المخاوف من الاستيلاء الديني الإيراني، في مرحلة ما بعد السيستاني، على  العراق والمنتشرة في كل من وسائل الإعلام العربية والغربية، مبالغ فيها إلى حد كبير، هذه المخاوف تقلل من قدرة المؤسسة الدينية في العراق على المرونة والمقاومة أمام الضغوط، فضلاً عن المقاومة عميقة الجذور للثيوقراطية بين علماء الإسلام الشيعي اللامعين في النجف.

 

المخاوف من أن طهران سوف تحل محل هذه التفاسير الدينية التقليدية أيضًا تبالغ في مدى قدرة ونفوذ إيران في العراق، فالجهود التى تقوم بذلك، مثل الكتاب المذكور في الأعلى، لا تؤخذ على محمل الجد من قِبل طلبة المعاهد الدينية في العراق، بل يتم الضحك عليها من قِبل العديدين  بسبب جرأتها، أي رجل دين مرتبط مع إيران – أو أي حكومة أخرى بما في ذلك الحكومة في العراق – لن يكون قادرًا على الترقي في الصفوف الدينية في العراق، الدعم الإيراني قد يساعد القادة السياسيين والميليشيات في بغداد، ولكن أي دعم من هذا القبيل لرجال الدين الشيعة يأتي بنتائج عكسية في النجف.

 

 

دور السيستاني

 

مرجعية النجف – التى يترأسها السيستاني – لعبت دورًا مركزيًا في ترتيبات ما بعد 2003 في العراق، السيستاني يرى نفسه فوق السياسة، ولعب دورًا موحدًا في العراق منذ عام 2003، ويعتقد أنه لا يجب على رجال الدين لعب دور في السلطة التنفيذية أو الأذرع الإدارية للدولة،  لكن هو نفسه قام بعدد من التدخلات القوية في أوقات الأزمات.

 

السيستاني اضطر سلطات الاحتلال الأمريكية – بمساعدة من الأمم المتحدة – على إجراء الانتخابات العامة في يناير/ كانون الثاني عام 2005 في وقت مبكر جدًا عن الوقت الذي كانت تفضله إدارة بوش، خطط الأمريكان في البداية لتشكيل لجنة صياغة الدستور وإنشاء المجلس الوطني الأول من خلال المؤتمرات الحزبية، ومع ذلك، وبعد ضغوط لا هوادة فيها من السيستاني، وافق الأمريكيون في نهاية المطاف على إجراء انتخابات عامة ديمقراطية بدلاً من ذلك.

 

وكانت هذه التوترات بين النجف وواشنطن بشأن العملية السياسية في مرحلة ما بعد صدام هي التى قادت الباحث المتخصص في دستور الولايات المتحدة لاري دايموند – الذي كان في ذلك الوقت يقدم المشورة لسلطة التحالف المؤقتة في بغداد – إلى الإشارة إلى أن السيستاني “يتخذ مرارًا مواقف أكثر مؤيدة للديمقراطية من الولايات المتحدة نفسها”.

 

في يونيو 2014 أصدر السيستاني دعوة للمواطنين العراقيين إلى حمل السلاح وقتال داعش بعد أن احتلوا الموصل وتكريت، ثم مهد الطريق للعبادي ليحل محل المالكي من خلال إرسال رسالة إلى حزب الدعوة الإسلامية الحاكم كتب فيه بوضوح أن العراق يحتاج رئيس وزراء جديد، منهيًا بذلك على المالكي وعلى أمل  طهران في ولاية ثالثة له.

 

في أغسطس 2015، وعلى خلفية تنامي حركة الاحتجاج العراقية ضد الفساد الحكومي، أصدر السيستاني دعوة للقادة السياسيين العراقيين للمضي قدمًا في الإصلاحات التي تحتاج إليها البلاد، خلافًا لغيرها من التدخلات التي كان لها تأثير مباشر، قوبلت دعواته للإصلاح بمقاومة قوية من قبل النخبة الراسخة، الفاسدة التي منعت بنجاح أي إصلاح ذي معنى للحفاظ على وضعهم المميز.

 

 

ما الذي سيحدث بعد السيستاني؟

 

بمجرد وفاة السيستاني، سيكون هناك بالتأكيد فترة من عدم اليقين في النجف وفي العالم الشيعي على نطاق أوسع، ولكن هذا لن يؤدي إلى فراغ يمكن أي قوة خارجية أن تملأه أو تستغله، الانتقال من السيستاني إلى القيادي القادم آية الله العظمى قد يستغرق أسابيع أو شهور أو سنوات، وعلى عكس الكنيسة الكاثوليكية، حيث يلتقي الكرادلة في الفاتيكان للإدلاء بأصواتهم في سرية حتى يتم انتخاب البابا القادم، فإن العملية في النجف هي أكثر مرونة بكثير، وغامضة، وتشمل ضغوطًا من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى.

 

في البداية، فإن شبكة السيستاني العالمية الحالية من المؤسسات والنواب سوف تلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل المرحلة الانتقالية، وسوف تميل بصفة خاصة إلى واحد أو أكثر من رجال الدين بعد وفاة الراعي لهم، وعلى الرغم من أن عملية نقل الخلافة معقدة، فمن السهل بكثير التكهن بمن آية الله العظمى القادم مقارنة بالتكهن بالبابا القادم، لأنه لا توجد اليوم إلا حفنة صغيرة من رجال الدين الكبار والذين يمكن لهم أن يحلوا مكان السيستاني، وسوف تستند عملية استخلاف القائد الجديد على الإجماع على علمه وتقواه، فلكي تصبح آية الله العظمى فإن ذلك يأخذ عقودًا من التعلم والتعليم، وتطوير فهم قوي لكيف يكون رجال الدين بحق، وفي نفس المسار تقييم الطلاب لأساتذتهم في الجامعات بعد أخذ دروس معهم.

 

ومن المستبعد جدًا أن أي شخص خارج النجف – التي ازدهرت منذ سقوط النظام البعثي في عام 2003 – سيتولى منصب قيادي في المستقبل المنظور، النجف هي موطن لثلاثة آخرين من آيات الله إلى جانب السيستاني: محمد سعيد الحكيم، ومحمد إسحاق الفياض، وبشير حسين النجفي، قد تكون لدى هؤلاء رؤى سياسية مختلفة ومواقف متباينة بشأن مسائل في الشريعة الإسلامية، فكل لديه بالتأكيد أسلوبه الفريد وشخصيته بشكل واضح، ولكن، بالتأكيد لا أحد منهم يعتقد في إمكانية تطبيق “ولاية الفقيه”.

 

ستتأثرعملية الانتقال أيضًا بالديناميات الاجتماعية كالقبائل في جنوب العراق، والعلمانيين الشيعة العاديين، والعائلات في جميع أنحاء المنطقة، والعالم الأوسع الذي سوف يبدأ بقوة في تأجيل اختيار واحد من آيات الله الكبرى الحالية بعد السيستاني، في نهاية المطاف، وضمن إطار زمني لا يستطيع أحد أن يتنبأ به، واحد من آيات الله الكبرى سيحقق الكتلة الحرجة من أتباعه ويحصل على الاعتراف ليظهر وكأنه “الأول بين متساوين” لتولي زمام القيادة.

 

من المهم أن نتذكر أن الانتقال من آية الله العظمى أبوالقاسم السابق للسيستاني، والتي بدأت في عام 1992، استغرقت أكثر من ست سنوات حتى وضع اللمسات الأخيرة، ولكن هذا حدث خلال وقت حرج خاصة بالنسبة للمؤسسة الدينية الشيعية، وقد حدث انتقال في وقت سابق في عام 1970 من آية الله العظمى محسن الحكيم للالخوئي في سنة واحدة.

 

يتوقع البعض أن التحول في مرحلة ما بعد السيستاني قد يستغرق ما بين سنتين إلى أربع سنوات، لكن الوضع السياسي والأمني المتردي في العراق، جنبًا إلى جنب مع الحرية غير المسبوقة التي تتمتع بها النجف الآن فضلاً عن أساليب الاتصال الحديثة، قد تسرع هذه العملية، عدم الاستقرار في بقية أنحاء البلاد قد يدفع رجال الدين في النجف لتسريع عملية الخلافة للحد من مستوى عدم اليقين التي سيبقى حتمًا في العراق حتى بعد هزيمة ما يسمى الدولة الإسلامية.

 

 

عصر ما بعد السيستاني

 

السيستاني ليس فردًا فريدًا من نوعه بالمعنى الديني الواسع، بل نتاج مؤسسة عمرها ألف عام والتي أنتجت العديد من “السيستانيين” قبله، وسوف تنتج السيستاني المقبل أيضًا، وكثير بعد ذلك، هذه المؤسسة الدينية في النجف ليست فقط هي الشبكة المبهمة والفضفاضة من المدارس ورجال الدين والوظائف التي تربك حتى الذين بداخلها، وإنما هي أيضًا النظام الذي يفخر بالاستقلال المالي والسياسي عن أي مركز للسلطة، وهو نظام مبني على القيم التقليدية والأرذوكسية  للمسلمين الشيعة والذي تحاول إيران، على الرغم من كل القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، أن تغيره لكن لن ولا يمكن لها ذلك.

 

هذا لا يعني أن الإيرانيين سوف يكفوا عن محاولة التأثير على النقاشات داخل العالم الشيعي الواسع من أجل مصالحهم الوطنية، إلا أنها ستفشل حتمًا في القيام بذلك، وكما كشف البحث في أرشيف حزب البعث على أنه، ولا حتى صدام حسين في أوج قوته استطاع إجبار النجف – في واحدة من أضعف لحظاتها في التاريخ – على اتخاذ موقف مؤيد للحكومة خلال الحرب العراقية الإيرانية.

 

يجب على الولايات المتحدة والعالم العربي إدراك أن المرجعية في العراق، على عكس المؤسسات الدينية الأخرى في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط والتي تكون بمثابة أبواق الحكومة أو يكون لها رؤساء من خلال تعيينات سياسية، ليست المؤسسة الدينية ذات الطابع السياسي الذي يخضع للإملاءات الداخلية أوالخارجية، نفوذ السيستاني اليوم سيشكل حملاً سيحمله الذي يخلفه، وسوف نشهد الاستمرارية – لا التغيير – في النجف كقوة اعتدال في السياسة العراقية.

إقرأ أيضا